من له مصلحة في إسكات صوت سعيد جاب الخير في الجزائر؟

IMG_87461-1300x866

سعيد جاب الخير شاب جزائري، مجتهد في المجال الديني، خريج معهد الشريعة بالعاصمة. تعود على طرح الكثير من الأسئلة في السنوات الأخيرة، لم تكن جديدة على تاريخ الفكر الإسلامي، لكنها جديدة إذا راعينا الوسائط المستعملة في تبليغها للناس داخل ساحة دينية تعرف الكثير من التحولات والتجاذبات.

لجأ هذا الشاب المجتهد إلى الوسائط الاجتماعية، بعد أن أُغلقت بسرعة أمامه -على غرار أغلبية الجزائريين – قنوات التلفزيون والإذاعة، التي كان يشتغل فيها لمدة صحافيا، في مجتمع قلًت فيه فرص الحوار والنقاش، بعد صعود تيارات دينية متشنجة إلى السطح، بشكل لم تعرفه الجزائر في السابق.. تيارات تحاول تقليد ما هو حاصل داخل الحياة الفكرية والسياسية المصرية، التي تعودت أن ينتقل فيها بسرعة، النقاش الفكري والديني من مدرجات الجامعات وصفحات الجرائد إلى أروقة وقاعات المحاكم، تحت ضغوط متعلمين جدد، من خريجي «جامعات الأقاليم» زادت أعدادهم وتهديداتهم مع الوقت.

ظاهرة لم تعرفها الجزائر في السابق، كانت النقاشات الدينية والفكرية فيها، على قلتها، تتم عبر وسائل الإعلام وفي المكتبات، بعيدا عن سلطة القضاء والمحاكم. تحول من قاعة التحرير إلى قاعات المحاكم للحوار الديني والفكري، قد يكون تأثر بمدّ ثقافي مصري وصل إلى الجزائر، عن طريق طلبة وأساتذة كلية الحقوق، التي كانت أول كلية تم تعريبها في الجامعة الجزائرية، بداية من منتصف سبعينيات القرن الماضي، كليات تحولت إلى فلتر مُعرب للفكر القانوني الفرنسي، الذي كان يعبر في السابق للفضاء الجامعي الجزائري مباشرة، من المدرسة القانونية الفرنسية باللغة الفرنسية، ليصبح ملزما بالمرور على فلتر المدرسة المصرية يأخذ خلالها، حمولة دينية محافظة، ويفقد الكثير من حرفيته، بعد أن تم تعريبه، كما يمكن التأكد من ذلك بمعاينة بسيطة لمجريات المحاكمات ومخرجاتها من أحكام، أصبحت تشبه ما يعرض في الأفلام المصرية. تأكيدا لهذا الحضور الطاغي لحياة قانونية مشوهة عند إخواننا المصريين، رغم استماتة بعضهم، في الحفاظ على ما تبقى من تقاليد إيجابية عند مهنيي العدالة، من محامين وقضاة في هذا البلد الشقيق. بالطبع، ما حصل من اعتداء على الحرية الفكرية والدينية في حالة الباحث سعيد جاب الخير، لا يمكن تفسيره فقط بهذا الإرث الأكاديمي المصري، الذي استمر وأعيد إنتاجه مع الوقت بشكل سيئ داخل جامعاتنا المنكوبة. فالأمر لا يتعلق فقط بالجامعة، ولا بالدور المفترض للمدرسة القانونية المصرية، بقدر ما هو يرتبط بالجزائر كمجتمع ونظام سياسي، بكل التحولات العميقة التي عاشتها، لم تتجه في الاتجاه الإيجابي، كما هو حال الانغلاق الإعلامي والسياسي والحالة المتدهورة للجامعات، بحياتها العلمية والفكرية البائسة، فقد تعودت الجزائر تاريخيا على إنتاج «رجل دين» يغلب عليه الطابع التقليدي، تكوينا وفكرا، في إطار حياة ثقافية ودينية، سيطرت عليها علمانية مشوهة ورثتها عن الحالة الاستعمارية الاستيطانية، تخصص فيها «سيدي الشيخ» في تفسير ما صعب فهمه على أبناء هذا المجتمع، شبه الأمي الذي لا يحسن التعامل مباشرة مع النص الديني، حتى بالنسبة للجزء المتعلم باللغة الفرنسية من النخبة، التي تكرست داخلها انقسامية أو ثنائية لغوية وقيمية أفقدتها الكثير من قوة تأثيرها وحضورها الشعبي، داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

حياة تحول بموجبها كل ما هو ديني وثقافي وأيديولوجي إلى احتكار للمتعلم المعرب، الذي سيطر على مؤسسات محددة داخل هياكل الدولة الوطنية، كان من بينها قطاع العدالة والتعليم وجزء من الإعلام، وما سمي بالشؤون الدينية، التي أعاد داخلها إنتاج نفسه، بعد أن زاد تأثره، مع الوقت، بمسحة دينية محافظة، تعاملت معها مؤسسات الدولة كشر لابد منه – دعمتها عند الضرورة لأغراض سياسية – في مواجهة القوى الاجتماعية المنافسة بفكرها العصري، أو شبه العصري الذي سيطر على قطاعات الإدارة والعمل، تبنته قوى اجتماعية وسطى صاعدة، كانت أقرب للفكر العلماني. حصل كل هذا في وقت انتشر فيه التعليم، وزاد إلحاح السؤال الديني عند الشباب، وبعض الفئات الاجتماعية الوسطى، بدون أن يجد ما يشبعه داخل هذه الحياة الثقافية والدينية التقليدية، بزادها المتواضع الذي لم يعرف في الجزائر ظهور لا زيتونة ولا قرويين. نقاش ديني لم يعد يتحرج من طرح أي سؤال، بما فيها المشكك واللاديني. داخل سوق دينية متنوعة، أصبح من الضروري رسميا، التفكير بضبطها، عن طريق تدخل السياسي والقانوني وحتى القمعي لإسكات هذه الأصوات – الأقلية داخلها، كما هو الحال سعيد جاب الخير المحكوم عليه بثلاث سنوات سجن نافذة – بدون إيداع – وياسين مباركي المسجون، وغيرهم من الشباب الذين زاد تخوفهم، بعد تدخل العدالة في هذه القضايا الفكرية التي كانت من صميم اختصاص حياة المجتمع الأهلي، وفاعليه الدينيين التقليديين الذين تعودوا مع الوقت كيف يتعاملون – يتسامحون مع هذه الأفكار، مهما كانت بعيدة عن أشكال التدين الاجتماعي السائد.

تدخل العدالة ومؤسسات الدولة القمعية الذي يمكن توقع أنه سيزيد كوسيلة ضبط وترهيب، لدى نظام سياسي يعيش حالة تخبط سياسي وفكري، يجعله يميل إلى الحل الأسهل بالنسبة له، في غياب أي مشروع بديل جدي له. إرضاء القوى السياسية والدينية المحافظة. يمكن أن يفكر في منحها دورا أكبر في ضبط هذه التحولات الاجتماعية والثقافية، التي يجهل حولها الكثير ولا يعرف كيف يتعامل معها وهي تستقوي بهذه الوسائط الاجتماعية الجديدة التي يصعب التحكم فيها. في وقت انتكست فيه الوطنية الجزائرية كعقيدة كانت معروفة بمحتواها العصري والمنفتح على العالم، لغاية العقود الأخيرة، هي التي كانت تسند مشروع الدولة الوطنية فكريا، ما قد يكون عاملا مساعدا على مشروع التغول الذي يمكن أن تحاول القيام به القوى الدينية والمحافظة، في وقت يعيش فيه النظام السياسي حالة اضطراب قصوى. سيزيد حتما من مشاريع تسييس الظاهرة الدينية، وهي تعيش حالة غليان وتنوع وظهور لفاعلين جدد، لم يكن يعرفهم المجتمع الجزائري، ببساطة تدينه، كما يظهر من خلال حالات التمسيح التي زادت، والتشيع، وصعود في منسوب التشكيك الديني لدى فئات واسعة من الشباب. سيزيد ابتعادها حتما عن المؤسسات الرسمية المكلفة بتسيير الشأن الديني ورجالها الذين لم يعد في مقدورهم تلبية هذا الطلب الاجتماعي الديني المتنوع والمفتوح.
سيناريو مفتوح على احتمالات عدة، لعل أقلها سوءا، هجرة كفاءات البلد في الميدان الفكري والديني الشحيحة أصلا، نحو فضاءات أرحب، كما حصل مع أركون وعلي مراد وجمال بن شيخ، الذين فضلوا البقاء وهم أحياء وحتى بعد وفاتهم. خارج هذا السجن الكبير الذي يريد البعض أن يُسيج أسواره في الجزائر.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. elgarib

    ممكن خرجي كلية الشريعة و لكن كافر بالقوانين الإلاهية.لا ننسي أن المخابرات الجزائرية الإرهابية الإقليمية كانت تبعثهم إلي سوريا يتعلمون الشريعة ثم يندسون في صفوف المسلمين و خاصة الذين بعثوهم إلي أفغانستان و إلي البوسنة.هذا كافر نكر معلوم من الدين ضف إلي ذالك ،المخابرات الإرهابية الإقليمية موجودة في جميع مفاصيل الدولة،مثل الإعلام و الرياضة و الثقافة و السياسة و غيرها فلا تترك لأي شخص نقي أن يظهر أو ينتقض في الإعلام البصري أو المكتوب

الجزائر تايمز فيسبوك