الجزائر في انتظار الثورة الحقيقية

IMG_87461-1300x866

أعاد الاحتفال بالذكرى الثانية للحراك وكذلك المظاهرات الأخيرة إلى الواجهة النقاشات والمجابهات حول سبل ووسائل الانتقال إلى الاستقرار الديمقراطي في بلادنا. تلك هي المسألة الحقيقية بالفعل؛ فالناس، الأحزاب والتيارات السياسية لا يختلفون حول الغايات الوطنية الكبرى: الاستقلال، السيادة، التقدم الاجتماعي، التنمية الاقتصادية، الديمقراطية، الخ. حقا من يعارضها؟ ما يميز الناس بعضهم عن بعض هو أسلوب تحقيقها؛ مثلا، الديمقراطية عن طريق سلطة الصندوق أم الشارع؟ التنمية الاقتصادية عن طريق الاقتصاد المسير إداريا أم اقتصاد السوق؟ الخ. هذه هي المجابهات الحقيقية، سواء تم إقرارها بوضوح أو تم إخفاؤها.

بخصوص الانتقال إلى الديمقراطية تحديدا، من الخطأ تصوره كما لو كان مجرد انتقال، في لحظة تاريخية محددة، من ضفة إلى أخرى بسلام ويُسر. الأمر يتعلق، في الحقيقة، بسيرورة تنعكس أمام أعيننا في النقاشات والمجابهات والصراعات الدائرة حاليا عندنا، سيرورة ولادة الديمقراطية، التي لا تحدث من دون بعض الألم. ونحن بالذات موجودون في موضع يمكِّننا من إدراك ذلك جيدا، لأن هذه السيرورة تنمو في الجزائر منذ عقود، ربما منذ انتهاء عهد الحزب الواحد وإجراء أول انتخابات حرة في صيف سنة 1990. وبناءً عليه، كانت المهمة المطروحة -وهي الأهم ربما– هي أخذ بعين الاعتبار ذلك الرصيد التاريخي الذي كسبناه بآلامنا: هذا ما قام به المجتمع الجزائري بالضبط حين اهتدى بذكائه إلى “الحراك” سبيلا سلميا لتسوية الأزمة السياسية في بلادنا.

من إفريقيا إلى الولايات المتحدة

ليست الأزمة السياسية المتعلقة بالديمقراطية خاصة بالجزائر وحدها في الواقع، ويُستحسن أن ننظر إليها من زاوية نسبية. إنها موجودة في العديد من البلدان، وزاد سياق الجائحة الحالية من حدتها، كما أنه يزيد، في كل مكان، من الحاجة إلى التغيير ويكشف عن ضرورته.

في إفريقيا، تقع الآن في كل ربوعها مجابهاتٌ بشأن الانتخابات التشريعية أو الرئاسية: رفض نتائجها، إدانة تزويرها الحقيقي أو المفترض، عودة الانقسامات الجهوية، بحثٌ عن هيئات ومؤسسات للتحكيم كاللجان الانتخابية، المجالس الدستورية، المجالس العليا، الخ.

يجب أن نسجِّل هنا الأهمية القصوى لآليات التحكيم بالذات بالنسبة للديمقراطية. إن دورها حيويٌّ للحيلولة دون تحوُّل النزاعات إلى مواجهات عنيفة، وللحفاظ على وحدة المجتمع بفضل التسيير الديمقراطي، – بمعنى السلمي- للتناقضات الاجتماعية.

في الولايات المتحدة، مثلا، كان فارق الأصوات في رئاسيات عام 2000، بين المرشح الجمهوري، جورج وولكر بوش، والمرشح الديمقراطي، آل غور، فارقا ضئيلا لم يتعدَّ 537 صوتا لصالح الجمهوري في ولاية فلوريدا ذات الوزن الحاسم. لكن المجلس الأعلى رفض إعادة حساب الأصوات وأعلن عن فوز المرشح بوش. وظهر فيما بعد أن إعادة حساب الأصوات كانت ستؤدي إلى فوز آل غور. ومع ذلك، قبِل المرشح الديمقراطي بالقرار.

في فرنسا، كشف رولان دوما أنه كان باستطاعة المجلس الدستوري، برئاسته، إلغاء انتخاب جاك شيراك رئيسا للجمهورية الفرنسية، عام 1995، بناء على وجود مخالفات ثابتة في حسابات حملته الانتخابية، لكنه لم يفعل. وأضاف دوما لاحقا بأنه “أنقذ الجمهورية” عندما اتخاذ ذلك الموقف.

في ساحل العاج، كان فارق الأصوات في رئاسيات 2011 صغيرا جدا بين المرشحين، الحسن وتارة ولوران قباقبو. ومنح المجلس الدستوري الفوز للوران قباقبو، لكن فرنسا تدخّلت لصالح وتارة، مقرّبها: إنه مثال صارخ عن الدور الهدام للتدخلات الأجنبية لمنع تطوُّر سيرورة تاريخية داخلية لبناء الديمقراطية وآلياتها.

الدستور

يتفوق الدستور بطبيعة الحال على كافة آليات التحكيم الانتخابي لكونه هو من يحددها.

بعد مضيِّ أكثر من قرنين على ولادتها، مرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا بتجربة في هذا الميدان: ألم تكن الوقائع المنسوبة للرئيس ترامب هي القيام أو محاولة القيام بعمل ضد النظام الدستوري، واستعمال العنف ضد السلطة التشريعية عبر رمزها، مبنى الكابيتول، وعدم احترام الفصل بين السلطات من خلال فرض إرادة السلطة التنفيذية على الكونغرس بالقوة، وعدم الخضوع للمبادئ الدستورية لدولة القانون برفض نتيجة الانتخابات، رغم تصديق الهيئات الدستورية عليها؟ حتى الجيش نفسه، في رسالة نشرتها قيادته العليا ووقعها الجنرالات السبعة وأمير البحر، بصفتهم أعضاء هيئة الأركان العامة، اعتبر أن من واجبه التصريح بأن “كل عمل مناقض للسيرورة الدستورية لا يعدُّ مخالفا لتقاليدنا ولقيمنا [في الولايات المتحدة] وللقسم الذي أديناه فحسب، بل للقانون أيضا”.

كان هناك مسلكان إذن تجاه الأزمة السياسية في الولايات المتحدة، واحد “ثوري”، بواسطة الشارع والمسيرة صوب الكابيتول، حيث كان المتظاهرون يعلنون أنهم يمثلون إرادة الشعب السيد، وآخر يعتمد على الشرعية الدستورية حصرا. ما هو المسلك “الثوري” وما هو المسلك “الرجعي” أو “المحافظ”؟ لم يستوف الموضوع حقه، إذن، حتى في أقدم الديمقراطيات؛ فمن خلال هذا المثال، يبدو واضحا أنه لا يكفي لحركة ما اللجوء إلى الشارع حتى تكون ثورية، كما لا يكفيها الدفاع عن المؤسسات القائمة حتى تكون محافظة.

الأمر مشروط بالسياق في الواقع. ما هو السياق في الجزائر؟ إذا أخذنا بالاعتبار تاريخ بلادنا منذ الاستقلال، وهو تاريخٌ مطبوع بالانقلابات والانتهاكات المتكررة للدستور وعدم احترام نتائج الاقتراع، ألا تكون الثورة الحقيقية هي ثورة الاحترام المطلق للشرعية الدستورية، ليس مستقبلا كما يقترح البعض وإنما من الآن ومن أجل المستقبل؟ أليس هذا هو المسلك الثوري الحقيقي؟ أليس هذا هو أفضل أسلوب للحماية الداخلية، الحماية التي يوفرها القانون الأعلى لتحكيم النزاعات وتأمين السلم المدني؟ بل أليس في هذا حماية خارجية كذلك، في إطار علاقاتنا ببقية العالم، من التدخلات الأجنبية المتربصة على الدوام؟

غير أن القول بالدستور يعني اللجوء إلى الاقتراع العام لحل مشكل السلطة.

الخشية من صناديق الاقتراع

لا تمثل الخشية من صناديق الاقتراع ولم يسبق أن مثلت، في يوم من الأيام، خطا فاصلا بين السلطة والمعارضة في الجزائر. وسواء في السلطة أم في المعارضة، وُجد على الدوام أنصارٌ وخصوم للجوء إلى صناديق الاقتراع.

بصفة عامة، تقف القوى السياسية المتجذرة في المجتمع أو الصاعدة مع الانتخابات، لأنها رابحة في كل الأحوال وتحتاج إلى تأكيد حضورها ونفوذها. وبالعكس، هناك قوى اجتماعية أخرى لم تكن أبدا بحاجة إلى الانتخابات ولا إلى الديمقراطية حتى تعزز نفوذها على مستوى أجهزة الدولة والسلطة؛ فتشعر بالتالي إزاء اللجوء إلى صناديق الاقتراع بخطر أن تجد نفسها في وضع الأقلية. ولدى هذه القوى بالذات، نعثر على حجة “الديمقراطية لا تتلخص في الانتخابات” وكذلك على حجة التزوير.

يقع تقديم هذه الحجة الأخيرة، في أغلب الأحيان، لرفض الانتخابات. إنها حجة ضعيفة، ذلك بالنظر إلى أنها تقود إلى نتيجة منطقية هي المطالبة بآليات لتسيير الانتخابات قابلةٍ للمراقبة. والغريب في الأمر أن هذا نادر الحدوث. بالمقابل، استخدِمت حجة التزوير هذه مرارا وتكرارا من قبل بيروقراطيات سياسية على رأس بعض الأحزاب لتخفي إخفاقاتها ولتبقى في مناصبها. هذا مع العلم أن نفوذ قوة سياسية ما يظهر للعيان في المجتمع خارج المسار الانتخابي ويكون نجاحها في الانتخابات متوقعا دون الحاجة حتى إلى إجراء سبر للآراء. كان ذلك حال “الإخوان المسلمين” في مصر، الذين طلبوا تنظيم انتخابات بعد قيام مظاهرات شعبية كبرى، وكذلك الحال بالنسبة لجبهة الإنقاذ الإسلامية المُحلّة ولجبهة القوى الاشتراكية في الجزائر، لاسيما في عام 1991.

إن البيروقراطيات الموجودة على رأس بعض الأحزاب تخشى بصورة خاصة اللجوء إلى صناديق الاقتراع، سواء على مستوى أحزابها أو على مستوى المجتمع. وقد مست البيروقراطية السياسية عندنا أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة على حد سواء، من مؤشراتها الدالة نذكر بقاء نفس القادة فيها طيلة عشرات السنين وغياب الديمقراطية بداخلها.

لم يخطئ “الحَراك” عندما رفض الأحزاب البيروقراطية جملة وتفصيلا. وظاهرة الرفض هذه ليست خاصة بالجزائر وحدها، إذ شاهدناها خلال العشرية الفائتة في نقاط عديدة من العالم تعبيرا عن نفس الرفض الذي كان يرمز إليه الشعار التونسي الشهير “ديقاج” أو عن انبثاق حركات جديدة  خارج الأحزاب التقليدية، لاسيما من خلال التعبير السياسي الشعبوي في الولايات المتحدة وأوربا.

هناك إذن أسبابٌ اجتماعية وسياسية وراء الخشية من الانتخابات. وقد يكون هناك أيضا، بالنسبة للجزائر، دوافع نسمّيها “جهوية”. مثلا: يقاطع التيار البربري الانفصالي بانتظام كافة الانتخابات. وحجته في ذلك هي أنّه ضمن التصويت الوطني، تحتل منطقة القبائل مرتبة أقلية حتما ولا تتمكن بالتالي من تلبية مطامحها. ولم يتوقف عن بذل المحاولات للتأثير في هذا الاتجاه على الرأي العام القبائلي وحتى على التيار البربري الوطني، المتعلق بوحدة الجزائر. إنها حجة قابلة للنقاش. ذلك أنها تتطلب من مؤيديها تحديد ” مطامح  منطقة القبائل التي لا يمكن تلبيتها في الإطار الوطني”، اسوة بمطامح المناطق الأخرى. كما أنها تتطلب منهم تحديد ” المزايا التي تترتب عن الانفصال “، مقارنة بتلك التي تترتب عن البقاء في الوحدة الوطنية، وهذا دون الحديث عن العمق التاريخي والشعوري للإحساس بالانتماء إلى وطن بني وحرر بواسطة كفاح عام ومتضامن، ودون الحديث ايضا عن الآلام والأضرار الرهيبة التي تنجم حتما عن الطلاق بين أبناء نفس الوطن.

ولا أعتقد بوجود ما يمنع قيام رجل عظيم، من طينة الراحل حسين آيت أحمد، أو حزب ينحدر من هذه المنطقة -وربما لهذا السبب بالذات- بإهداء الأمة، كل الأمة، ومن ورائها المغرب أجمع، التوليفة السياسية المكوَّنة من قيمها وثقافتها ومشروعها الديمقراطي التي هي بحاجة إليها.

إذن، ستكون ردود الأحزاب المختلفة على الإعلان عن إجراء انتخابات كاشفة عن ماهيتها، عن تجذرها الاجتماعي والسياسي، عن ثقتها بنفسها وعن إجاباتها، لا بشأن متطلبات الديمقراطية من الناحية النظرية، ولكن عن حاجياتها العملية في لحظة تاريخية محددة. هذا مع العلم أن اللجوء إلى الانتخابات هو، من حيث التعريف وفي كل مكان وزمان، خروج من أزمة قائمة من الأعلى.

يتضمن قرار حلّ المجلس الشعبي الوطني بعض المجازفة من دون شك، نظرا لانعدام السبب الذي كان يجبر السلطة على اتخاذه. وهو يفضي حتما إلى إجراء انتخابات ويحمل إذن احتمال وصول المعارضة إلى الحكم في أشكال متنوعة قد تكون غير متوقعة.

صحيحٌ أنه يجب عدم استبعاد تلاعب من جانب السلطة أو من جانب مصدر آخر، لكن هذه هي قاعدة اللعبة، وعلى كل قوة أن تواجهه. الديمقراطية ليست فقط أسلوب تسيير سياسي للتناقضات الاجتماعية  لكنها كفاح كذلك. ولا يمكن استبعاد إمكانية لجوء قوى معينة إلى العمل، بدوافع متنوعة وأحيانا معاكسة، من أجل المقاطعة أو الامتناع. هذا مع العلم أن الامتناع كان ربما العامل الرئيسي في تسيير الانتخابات في بلادنا، باستثناء بعض المناسبات، مثل 1991. كل شيء مرهونٌ بإحساس أغلبية الرأي العام إذا كانت هذه الانتخابات عامل تغيير حقيقيا. وهذا مرهونٌ بدوره بموقف وصدق السلطة ومجموع القوى السياسية المهتمة بإجراء انتخابات ديمقراطية.

د. جمال لعبيدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. حليم

    لن يقع أي تغيير في الجزائر. البلد يفتقد لنخب سياسية وزعامات يمكن أن تتزعم التغيير . سيخرج الجزائريون طيلة 2021 ولن يتحقق أي شيء. بوخروبة صنع بلادا فارغة من العقول ومن الوطنيين والكل يعيش على الريع. عودوا لبيوتكم احسن لكم. حتى المحطات الدولية والقنوات العلمية اشترى فيها كابورالات الجزائر اسهما بملايين الدولارات حتى لا تتكلم عن الحراك. انتظروا شنقريحة يعطيكم الامل في التغيير. ثورة بدون زعامات لن تنجح في بلد يبيع حكامه كل شيء من اجل البقاء في السلطة.

  2. المزابي

    النخبة في الجزائر دجننها المقبور بومدين ، وأفرغ مبادئها المثلى من كل خير، وشحنها بكل ما هو شر ببرامج التعليم التي تلقن للأطفال شرور الكراهية والتتدمير ، واحتقار الآخر وخاصة الجيران :جيث تقرر تلك البرامج أن: تونس والمملكة المغربية هما عدوان للسلطة العسكرية الحاكمة في الجزائر. ويكاد يكون من المستحيل أن تتولى حكم الجزائر أنتلجيسيا متفتحة وبراغماتية وأن تستبعد التكبر الذي ولده البترودولار ، وأن يتكون واقعية ، فالمستقبل هو في التجمعات البشرية وليس في العداوة والمكايد طيب: لنفرض أن حربا نشبت بين الجزائر والمملكة المغربية: من الخاسر ومن المنتصر؟؟ظ الإثنان خاسران ،بل سيعودان إلى ما قبل التاريخ... فليحذر العسكر الجزائريمن الفتنة التي هي أشد من القتل...

الجزائر تايمز فيسبوك