قراءة هادئة حول الاتفاق المغربي ـ الاسرائيلي

IMG_87461-1300x866

قوبل الاعلان الرسمي مؤخراً عن تطبيع العلاقات بين المملكة المغربية واسرائيل بحالة من الجدل في الأوساط الاعلامية العربية والاسلامية، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي حالة لا تغيب مطلقاً عن أي قرار أو حراك سياسي يحدث في منطقة الشرق الأوسط تحديداً في السنوات الأخيرة، فاستقطاب الآراء هو أبرز الظواهر التي تشهدها "السوشيال ميديا" العربية بغض النظر عن أي اعتبارات موضوعية أو حسابات عقلانية في هذا الموضوع أو ذاك.

الاستقطاب والجدل والسجالات والمعارك الكلامية تطغي إذن على الكثير من مشاهد السياسة والاقتصاد وحتى الاعلام وكرة القدم في منطقتنا العربية، وهذا هو الواقع الذي لا يمكن لأحد أن ينكره، وعلى هذا الأساس يصبح الجدل حول أي موضوع أو قضية أو قرار يخص هذه الدولة أو تلك مشهد متكرر يستدعي بعضه بعضاً، وهو ما حدث بالنسبة للقرار السيادي الذي اتخذته دولة الامارات من قبل بإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، وتكرر أيضاً ـ وإن بدرجة أخف نسبياً ـ في الحالتين البحرينية والسودانية، وأخيراً قرار المملكة المغربية باتخاذ خطوة مماثلة لما قررته دول عربية أخرى.

ثمة نقطة اخرى يجب الاشارة إليها قبل تناول القرار المغربي بإقامة علاقات مع اسرائيل بالتحليل والرأي، وهو أن مثل هذه القرارات ذات الصبغة الاستراتيجية بالغة الأهمية، هي قرارات سيادية للدول، وهذا يعني أمرين مهمين، أولهما أنها قرارات تخص ممارسة أعمال السيادة الوطنية للدول، أي أنها شأن داخلي محض لا يجوز لأي طرف خارجي، دولة كان أو فرد أو هيئة أو كيان، التدخل فيه ومحاولة التأثير عليه بأي شكل من الأشكال، ومثل هذه القرارات هي أحد تجليات استقلال القرار الوطني بشأن القضايا والموضوعات ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالمصالح الاستراتيجية للدول والشعوب. والأمر الثاني لا ينفصل عن الأول بل ذي صلة وثيقة به، كونه يأتي وصفاً لطبيعته ومحدداته، ونعني به أن القرارات السيادية تُتخذ وفقاً لمعايير بالغة الدقة والحساسية وبعد دراسة معمقة لحسابات الربح والخسارة سواء على المستوى الوطني أو على مستوى ارتباطات الدول وتحالفاتها والعلاقات التاريخية العضوية التي تربطها بمجموعات أخرى من الدول والشعوب كما هو حال المجموعة العربية، التي تربطها أواصر تاريخية وقومية ودينية ولغوية وقواسم مشتركة عميقة يصعب التفريط فيها من أي جانب أي دولة مهما كان العائد الاستراتيجي المتوقع لذلك.

وبالتالي ليس من السهل على أي مراقب أو مهتم القفز إلى استنتاجات سريعة عند تقييم مثل هذه القرارات، أو القول بأنها جاءت استجابة لضغط طرف دولي أو اقليمي ما، أو سعياً لتحقيق عائد سياسي أو اقتصادي، أو أنها تغفل عن هذا العنصر أو الجانب أو البُعد في السياسة الخارجية لهذه الدولة ودوائر عملها واهتماماتها وأولوياتها وغير ذلك، فهي ـ بطبيعتها ـ قرارات صعبة للغاية لأنها معقدة وتتداخل مع الكثير من المتغيرات والمؤثرات في علاقات الدول الاقليمية والدولية، ولها توابع وتداعيات، ايجابية وسلبية، تجعل من وصف مثل هذه القرارات بالتسرع أو غير ذلك، أمراً متسرعاً بحد ذاته، لأن البعض يبدو ـ في هذه الحالة ـ كمن يصوره المثل العربي الذي يصف من يقف على الشاطئ مكتفياً بإبداء ما يعتبره نصائح بأنه "عوام"!

وعندما نأتي لاتفاق المملكة المغربية الشقيقة بشأن تطبيع العلاقات مع اسرائيل، يجب أن ننظر إليه ـ تحليلياً وبشكل موضوعي ـ في ضوء اعتبارات عدة، منها أنه ليس القرار الأول من نوعه عربياً، لأن هناك خطوات مماثلة عربياً قائمة منذ الربع الأخير من القرن العشرين وحتى ما تم الاتفاق عليه في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك موقف السلطة الفلسطينية نفسها، وهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، بإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل. والاعتبار الآخر أنه قرار سيادي ينتمي لما أوردناه سالفاً من قرارات ذات طبيعة خاصة تتخذها الدول بناء على حسابات وطنية مدروسة للغاية، وبالتالي لا يجب أن يُشهر أحد سيف التخوين أو أي اتهامات تشكيكية أخرى عند النظر أو التعليق على مثل هذه القرارات، وهذا لا ينفي بالطبع جواز الاتفاق أو الاختلاف معه شأنه شأن أي سياسات أو قرارات أو خطوات تتخذها هذه الدول أو تلك وفقاً لما تمليه مصالحها الوطنية.

هناك أيضاً اعتبار أخر لا يقل أهمية عما سبق وهو أن قرار المملكة المغربية اقامة علاقات مع إسرائيل لم يكن منحة سياسية مجانية ولا من دون دوافع أو أرضية مصالح وطنية ينطلق منها، فكما جاء قرار دولة الامارات بإقامة علاقات مع اسرائيل بمنزلة اختراق تاريخي للمياه الراكدة، بل الجامدة، في بيئة التفاوض الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وتفكيراً خارج صندوق الحلول التقليدية لدفع عملية السلام والاستفادة من فرص التعاون المتاحة مع اسرائيل في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية بما يعزز خطط التنافسية العالمية الاماراتية، فقد جاء قرار المملكة المغربية أيضاً بعائد استراتيجي بالغ الأهمية متمثلاً في اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو اعتراف طالما سعت إليه الدبلوماسية المغربية العريقة، ويستجيب لإحدى أهم الأولويات الوطنية للدولة والشعب المغربي في الحفاظ على سيادته الترابية ووحدة أراضيه، ومن لا يقدر أهمية مثل هذه الأولوية فهو لا يعرف جيداً ما تمثله قضية الصحراء في التاريخ والوعي والضمير الوطني المغربي.

في العلاقات الدولية وعالم السياسة بشكل عام، يجب ألا تغيب لغة المصالح، وألا تطغي العواطف والمشاعر، لاسيما حين تلوح المصالح وتظهر في الأفق لطرف ما، فعليه أن يبادر بحصادها، طالما أنه لن يتسبب في خسارة موقف آخر أو يتضارب معه، أو التأثير سلباً في قضية أخرى تحظى بأولوية لديه وضمن اهتمامات قيادته وشعبه، وهذا ما حدث تماماً بالنسبة للقرار السيادي المغربي، فقد حصلت الدبلوماسية المغربية على انتصار ومكسب حيوي من دون أن تغير أو تُبدل موقفها الخاص بدعم ومساندة القضية والشعب الفلسطيني حتى نيل حقوقه المشروعة واقامة دولته المستقلة.

د. سالم الكتبي للجزائر تايمز

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. كمال اتاتورك

    المملكة المغربية هي فقط تجني ثمار تاريخها العريق الذي كان تركه اجداد ملوك المغاربة العظام و الذين حافظوا على ثرات الدولة المغربية من غزو الاتراك انتم ماذا خلف لكم اجدادكم تاريخيا لا شىء

  2. طارق إبن زياد

    من حق الدولة المغربية ان تتخذ اي قرار سيادي يلائم مصالح الدولة المغربية. ولا دخل لاية دولة اخرى في هذا خصوصا الدولة الصهيونية الجارة التي هي الجزائر. هذه الجزائر هي الدولة الاكثر عنصرية في المنطقة بشهادة اغلبية سكانها وبدليل غياب تام لحقوق الانسان. يعني في الجزائر ممنوع عليك ان تناقش اية فكرة وسوف ترون كيف سيتدخل الصادق وحمزة وآخرون ليفرضو رأي عقيم لا ينتج عنه سوى الفشل. 58 سنة من حياة الجزائر واستمرار استعمار جمهورية القبائل لا يترك اي شك في ان الدولة الجزائرية هي سبب العديد من المصائب التي اصابتنا نحن المغاربيين. الايام بيننا ستؤكد ذلك. حكام الجزائر ليسو لا عرب لا امازيغ لا افارقة ولا مسلمين، بل إنهم كما يصفهم شبعهم حركيين أي ولاد فرنسا الاستعماريين التوسعيين

  3. Al Atlassi

    L’intérêt capital de cette action diplomatique inchaallah les USA et Israël avec leurs poids économique et politique en Afrique vont aider le Maroc à faire éjecter le polizebel de l’ union africaine … et par la suite rien n’empêche le monde entier de proclamer les séparatistes organisation terroriste et le tour est joué. C’est notre objectif de 2021.

  4. أيت السجعي

    تحية لك أستاذ سالم الكتبي مقالك جاء جامعا مانعا مختصرا وصل لعمق الموضوع وفسر لمن يريد أن يفهم كنه وأبعاد القرار المغربي السيادي الغير قابل للنقاش والتبرير حيث حضرتني مقولة اشتهر بترديدها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله حيث كان يقول مرارا بأن السياسة تشبه الفلاحة في أن لها مواعيد للزرع ومواعيد والحرث ومواسم للجني والقطف وعلى الفلاح /السياسي احترام تلك المواسم/المواعيد للحصول على غلة مناسبة . وهذا ما قام به المغرب حيث صرح السيد وزير الخارجية بأن ما تم الإعلان عليه مؤخرا اشتغلت عليه الدبلوماسية المغربية منذ ثلاث سنوات على الأقل..شكرا لشرحك المفيد أستاذ وإن كان من المؤسف أن بعض من غسلت أدمغتهم لا يريد أن يفهم الإ ما يروقه .

  5. لينا لينا

    رسميا .. المرسوم الرئاسي الأمريكي المعترف بمغربية الصحراء ينشر في السجل الفيدرالي

  6. عبدالإلاه

    بصراحة أعجبت بمقال الدكتور الكتبي لما يتضمنه من تحليل علمي أكاديمي مجردا عن كل الاصطفافات الايديوللوجية التي كانت سببا في خراب الدول و الشعوب المتخلفة التي شكلت ، طيلة الحرب الباردة، الحطب الدافئ للمعسكرين. لكن للأسف فحكام الجزائر لا زالوا يفكرون بعقلية تسودها هذه الإيديولوجيا البائدة التي أكل الدهر عنها و شرب. تخيلوا ديبلوماسية الجزائر اشتغلت طيلة خمسين سنة على مشروع واحد أحد ألا و هو: استمالة الدول و الهيئات بكل إمكاناتها المادية والبشرية لمنازعة المغرب على صحرائه المغربية و لم تكن تقيم وزنا للبعد اللاقتصادي في علاقاتها الدولية أو التفكير في الاستثمارات ، و النتيجة كما هي عليه الآن : الإفلاس الاقتصادي و السياسي للجزائر و في القريب إفلاس مالي ستضطر معه "للاستجداء" الخارجي. في حين المغرب ،بفضل السياسة الرشيدة للملك محمد السادس ، في طريقه للتحول لقوة اقتصادية إقليمية بل قوة "متوسطأطلسية" بعد بناء ميناء الداخلة الكبير و الذي سيكون في قلب المثلث الدهبي للتجارة الدولية أي أوروبا =أمريكا = أفريقيا.

  7. جميع الأنظمة الغربية تتنافس في كيفية اذلال شعوبها لكن خطوة المغرب التطبيعية الاخيرة فاقت معايير الذل والهوان لتنتقل الى مرحلة تسول الكرامة رسالتي الى ملك المغرب : مهما بلغ بك الجوع لاتطرف باب لئيم

  8. جميع الأنظمة العربية تتنافس في كيفية اذلال شعوبها لكن خطوة المغرب التطبيعية الاخيرة فاقت معايير الذل والهوان لتنتقل الى مرحلة تسول الكرامة رسالتي الى ملك المغرب : مهما بلغ بك الجوع لاتطرف باب لئيم

  9. HIMAM AHMED

    ila sahib t3li9e nemuro 10 +11 rak ghir hmar ou jo3e rak nta lifihe machb3anine hta lkhdra b9a likom ghir thadro lhmar ama chaabe lmghribi hamd bikhir lkhir mojod ou machi so9k fina diha fkrk nta olmo3a9ine lidayrine bikom ma3ndkom hta raysse ou ba9i 3ndk ojah bache thdre lah inzl 3la mok n3la fhad nhar alhmar

الجزائر تايمز فيسبوك