الجزائر بلد يفتقر الى الحكماء!

IMG_87461-1300x866

في خرجة قرأت على أكثر من نحو، دعا محافظ البنك السابق للبنك المركزي الجزائري، عبد الرحمن حاج ناصر إلى “لجنة حكماء” لتسيير المرحلة القادمة، كون الجزائر أحوج ما تكون اليوم إلى الحكمة لتسيطر على أوضاعها وتشفى من أدوائها، في ظل اشتداد حدة الأزمة السياسية بين كل الأطراف وداخل مكونات كل الطرف، مذ فجر الحراك المسكوتات عن المرض البلد كله وليس فقط مرض الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة !

دعوة محافظ البنك المركزي الجزائري السابق، تدفع إلى طرح أكثر من سؤال بخصوص العقل السياسي الجزائري المأسور والمسحور داخل عتمات مغلقة، من جملتها، لماذا هذا الالزام الازلي في طارئية السياسية؟ ما الذي يعيق قيام دولة المؤسسات؟ وقبل ذلك هل الحكمة السياسية تعني وجوبا الحياد في غير موضوعه ووقته؟

الحكماء في المخيال الشعبي الجزائري المنتج للمفاهيم مع الأسف في ظل الانهيار التام للعقل النخبي المستقر إما في القصر أو في منافي الذات مستريحا لنظرياته وأكاديمايته مستأنسا بالمثالية النظرية للتاريخ، – الحكماء – هم أولئك الطيبون غير المنخرطين في أي من صفوق الأطراف المتنازعة أو المتصارعة، الذين يتم اللجوء إليهم لفض تلك النواعات على موائد وولائم الصلح والنصح، وبهذا الفهم استحالت الحكمة إلى الحياد السلبي الشبيه بالدروشة الشعبية، لذلك نُظر لها دوما من زاوية كونها “نية” يعني السذاجة واستغلال الوقار الذي تحظى به هكذا شخصيات في الصراعات الدائرة ! طبعا ليس هذا ما قصده عبد الرحمن حاج ناصر، لكنه أسس رؤيته على البنية الشعبية والجمعية كأسلوب وثقافة في التعاطي مع الواقع الشائك.

ولكون العمل السياسي في الجزائر، لم يستقم بعد على أدواته المؤسساتية المعاصرة من حزبية وتمثيلية نيابية وقيادة متأتية من الارادة الشعبية خاضعة لمبدأ العقد الوطني، فإنه ظل قائما على أساسات الخيال الشعبي والشعوية في الرؤية والعمل والتعامل، وهكذا لم تستوي بعد الحكمة بمفهومها الفلسفي وتجربتها التاريخية في وعي الفاعل السياسي الجزائر، حتى غدا الحكماء دهماء ولو تعالت ثقافتهم وتعاظمت مستويات تعلمهم، يقذف بهم إلى المشهد كما دُفع بأولياء الله الصالحين في وعي المسلم المسجى والمغطى لقرون في رمل التاريخ .

أولو الحكمة هم الفاعلون الحقيقيون في التاريخ، وليس ممن يرقعونه، لأن من أهم عناصر الحكمة التي رُعيت فيهم هي الحزم والعزم، بالاضافة إلى الصدق مع النفس في بسط الارادة الحسنة والخييرة خدمة الشعب، شخصية مثل ماو تسي تونغ، امتلكت الحكمة والشدة، وتبعه في ذلك بلإخلاص دانغ سياو بينغ الذي بث في الجسد العملاق للصين روحه الحالية، أيضا مارتن لوثر الذي عده الفيلسوف فيخته أهم زعيم وحكيم في تاريخ ألمانيا، بالشوفينيته القصوى رسخ بها الشخصية الألمانية عبر مَحورتِها في اللغة، ولهذا أضعف الشعوب في اللغات الاجنبية هم الالمان، لكن لغتهم من أكثر اللغات اقبالا للتعلم  من الخارج لقوة التاريخ الألماني واقتصاده الذي لولا مارتن لوثر محيي تلك الللغة لذهبت في مهب التاريخ.

سقنا ذلك لنفكك المفخخ في مافيهمنا لمصطلحات نحمل معناها دوما بأدواتنا البسيطة، وهو ما جعل تاريخنا النضالي بسيطا في مضمونه عنيفا ودمويا في شكله وجريانه، فثورة التحرير الوطني لم تعدم حكيما في شخصياتها، لكن بين فضيلة الحكمة وغريزة الحكم، انسحق هؤلاء الحكماء غدرا، أو ابعادا وتهميشا، فضاع الحق وتاه الوطن وصودر الاستقلال على نحو دراماتيكي تجتر مرارته الأجيال المتلاحقة.

وحين فشل مشروع “غريزة الحكم” بحكم منطق الأشياء ومنطق التاريخ نفسه، بعدما سحق الحكمة عشية الاستقلال، عاد السؤال مجددا لينطرح بخصوص النويا، هل نحن بصدد تصحيح أخطاء الماضي أم فقط بصدد تصفية حسابات مع هذا الماضي والحاضر الذي يحاكمه؟ ونترك للقارئ الاجابة عبر استحضار صورة المشهد القاتم في قاعة دار الثقافة في عنابة يوم 29 جويلية وأزيز الرصاص يسحق زعيم تاريخي من الظهر!

لم يكن ثمة مشكل نقصان في الحكمة والحكماء في الجزائر عبر التاريخ، لو فقط ارتقى وعينا للمفاهيم التاريخية في فلسفة السياسة والحكمة الخاصة بها، بمعنى أن نخرج عن خيالنا التقليدي، والأبوية الكاذية، ونرى تجارب الآخرين في صناعة الحكمة والحكم الراشد وهي تجارب يعج ويموج بها التاريخ الانساني.

حسين آيت أحمد، عبد الحميد مهري، عبد القادر حشاني، سليمان عميرات، أحمد طالب الابراهيمي وغيرهم كثير ممن عاصروا حذروا من العشاء الأسود الذي تقرر فيه تفجير الحرب الأهلية عبر إيقاف المسار الانتخابي والديمقراطي، ألم يكن هؤلاء على قدر من الحكمة الملمة بكل شروطها وعناصرها من ثقافة الدولة ومعرفة سياسية ولا سيما الكثير من التجربة التاريخة القصوى في الحركة الوطنية لدى بعضهم؟ لماذا حيل بين حكمتهم وحاجة الوطن الماسة إليها؟  .

ببساطة لاستمرار “غريزة الحكم” على “فضيلة الحكمة”، لأن الوطن سيق وسُرق من الأول بمنطق الغنية الحربية، وليس بالفضيلة التحريرية النضالية، وترسخ مع مرور السنوات هذا المنطق كمعطى في عقول أهل هاته الغريزة، حتى صار اتجاها في مقابل الاتجاهات الأخرى في التاريخ والمشهد السياسي الوطني العليل، السلطة في الجزائر هي سلطة بحكم أمر الواقع وهي الحزب الدائم في الحكم والادارة المسيطرة على البلد ما أفضى بنمط حكم الواجهة للظهور والاسيتدامة في وعي الشعب إلى أن اعتقد الناس بأنه بات مستحيلا بلوغ التغيير ورؤية الديمقراطية بكل وسائلها وعناصر من شفافية وحرية تعبير وتداول حقيقي وسلمي على السلطة بالآلية الانتخابية الحقيقية وليس الصورية تتحقق على أرض واقعهم وواقع أرضهم.

الحكمة كما جسدها ماو تسي تونغ من داخل حزبه ومنظومة حكمه المغلقة، وكرسها مارتن لوثر بشوفينية مطلقة في إحياء الروح الالمانية عبر لغتها التي قال عنها أنها الأفضل في العالم بلا منازع، كان يمكن للجزائر أن تستفيد منها عبر حكماء ولو كانوا محزبين أو مؤَسَسين (ينتمون لمؤسسات) وليس في ذلك ضير، فليس الحياد العضوي أو الفكري هو أساس الحكمة السياسية بل الموضوعية التاريخية، وطُهر الارادة في نسف إرادة القوة واحتكار القرار.

وكل الذين حاولوا الاصلاح بـ”الحكمة المعرفية” والحياد اللا تاريخي يوم انشق الصف الوطني بين مطالب باستمرار المسارات الديمقراطية، التعددية والانتخابية الناشئة سنة 1992 وبين من ارتموا في حضن “غريزة الحكم” المتلبس بفرية إنقاذ الجمهورية، لم نر لحكمتهم بعدها من أثر، بل أن بعضهم لم نعد نر له هو شخصيا من أثر في هذا العالم!

إذن لا خلاص في غير إعادة رفع قواعد التأسيس الوطني مجددا، والانطلاق من لحظة الوعي الجديد، والاستلهام من حكمة الثورة الحراكية، التي كانت فوق كل الحكماء والحكام، وأي رهان على أي حكمة أخرى سيكون مآله الفشل وقتل الرغبة في نفس وروح الجزائري في المزيد من العيش بكرامة على أرض نبت منها عظمه ولحمه بعدما سقى تربتها أسلافه منذ سحيق الآماد .

  بشير عمري

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. الجزائر لا تفتقد للحكماء و العقول ، يقال ان بوتفليقة استرجع كل مقوماته يمكن الرجوع اليه للاستشارة على الاقل، او تسليم الحكم لداهية و العبقري شنقريحة فهو لها و قادر على تسيير ليس فقط الجزائر لان حلمه كان هو ان يحكم شمال افريقيا عاش شنقريحة

  2. لمرابط لحريزي

    لكي تكون هناك حكمة في الحكم، يجب ان تكون هناك رؤية ثاقبة عبر السنين. مخطط بومدين الذي أقبره المغرب بمجرد ان اقنع أمريكا بمغربية الصحراء، كان رؤية سلبية، اي انه استهدف فعل الشر في الجار عوض فعل الخير في النفس. والسبب هو انه ليست هناك هوية محلية من غير هوية جمهورية القبائل. الجزائر اسسها الاستعمار من اجل مصلحة الاستعمار، وانتم تعرفون ان كل البترول استفاد منه الاستعمار إلى هذه اللحظة لم تستفيد منه شبه دولة الجزائر، ولكنكم ترفضون الاعتراف بالواقع. فمن يرفض الاعتراف بالمشكلة لا يمكنه حلها هذا معروف علميا. الهوية المحلية لا توجد في الجزائر، كما سبق وقلت هناك هوية القبايل ومن غيرها هناك هوية التواركة... اما باش تقول لراسك ان ما أسسه الاستعمار الفرنسي سنة 1830 تستطيع انت ان تجعل منه دولة لك فهذا وهم. تأسيس الدول يمر بالضرورة عبر تأسيس الشعوب أو الامم. انتستم أمة جزائرية، بل هناك عدة شعوب في الجزائر، كما يجب التوضيع ان العديد من هذه التجمعات البشرية كانت فيما قبل قبائل بهوية شبع شعب. الأساس هو انكم تخلطون بين معاني الاشياء، كاتقولو انكم شعب ولكنكم لستم شعب. يمكن ان تكونو أمة ولكن تأسيس الامة يجب ان يمر عبر صيانة هوية الشعوب، مثلا حق تقرير مصير الشعب القبايلي، انتم ترفضونه. يعني كما يجب القول ان النظام الخرائري هو سبب فشل الجزائرن يجب ايضا القول ان الشعب  (انتم ) هو سبب فشل تأسيس الامة. مايمكنش تقولو انكم شعب  (مصطلح نستخدم مستبدلينه بمصطلح الامة... وانتم مافاهمينش الفرق ) انتم قبائل مهاجرة اتيت من عدة مناطقة  (من شعوب أخرى ) حاول الاستعمار جعل منها أساس شبه دولة تابعة له في كل شيئ بهوية أقليم فرنسي، ولكنه فشل. اخترتم بطريقة أو بأخرى ان تقولو في 62 انكم شعب و و و و وكذبتو قلتو ان لكن تاريخ عريق وسرقتو ثقافة المغرب وثقافة تونس، ولكنم لم تهتمو بالثقافة المحلية لي هي هوية أصيلة وهي هوية جمهورية القبائل. انتم مستعمِرون ومستعمَرون أي فاعل ومفعول فيه. البعض فيكم يستعمر الآخر. النظام عندكم اختار هوية البيروقراطية الاستعمارية الفرنسية  (القوي يحكم بالبندقية والخدعة المثقنة والمؤثرات كالمخدرات ) ولكنه لم يختار تحرير المواطن من عبودية البندقية لانه هو نفسه النظام فرض البندقية كلغة في البلد  (العشرية السوداء ) علاش؟ حيت هوية النظام الحاكم في بني عكنون عبر مسرحية المرادية هي هوية أجنبية وليست محلية. سواء خالد نزار أو توفيق مدين او سعيد شنقريحة همهم هو استمرار الحياة كما تعلمو تحت الاستعمار، وبما انهم اصبحو أكبر بندقية فيأخذون اكثر مما كان الاستعمار يعطيهم من مال  (السرقة من مداخيل البترول ). لن تكون حكامة فالحكيم يجب ان يكون حر وليس مخادع. انتم لا تعرفو الفرق بين الحرية والبندقية والخدعة. بالنسبة لكم، انتم تريدون لباس كبير ليلبسه النظام الصغير. خططتو ضد المغرب وبالتالي من المعقول انكم لا تجدو الآن مردود للاستثمار. ماعندكمش مقومات الشعب او الامة او الوطن، عندكم عدة اجنحة متصارعة لا تملك النية الحسنة اتجاه بقية المواطنين. الجزائر مثل شقة وجد المكتري نفسه مسؤول عنها، ولكنه لا يفهم شيئا حتى في تنظيف الشقة وبالتالي هو لا يعلم بالمشكلة إلى ان تأتي. ماعندكمش اقتصاد. ماعندكمش تجربة محلية في الحكم. ماتستطعش خلال 58 سنة ولا 190 سنة فرض هوية وطنية على ناس هم احسن منك. يعني حتى الاشخاص الذين كانت لهم كفاءة الحكمة، قلتهم نظام الجنرالات. والشعب في دار غفلون لانه يحب القوة ويكره الحقيقة. ماتستطعش خلق الحكمة أو تدريسها فهي عدة أشياء في نفس الشخص امولها الانتماء المحلي ومحبة الوطن. إن من يحكمكم لا يحبكم بل يحب فقط اللباء الكبير والمال والسلطة والجاه والتباهي و و و. لا يوجد جنرالا واحد في العالم وعبر التاريخ يملك الحكمة السياسية. ومن جهة عندكم عدة شعوب تحت الاستعمار  (بلا مانبقى نجبد غير القبائل، هناك آخرون ) مادام انكم تتحدون على رأي خاطئ لن تنجحو وهذا هو الواقع. انتم ترفضون الحقيقة وهكذا وقع بوخروبة في فخ الحجر في الحذاء. شوف آش تدير مع المرتزقة وبقية الجماعات المسلحة التي صنعتها المخابرات الخرائرية ورجع شرح ليا كيفاش انك ستغير نظامك من الداخل ليقبل ان يقوده رئيس أو زعيم حكيم. انتم عندكم قواسم مشتركة اهمها انكم ترفضون الحقيقة وتحبون الكذب. العيف فيكم كاملين

  3. elarabi ahmed

    الى :مول الكرسي - لمرابط لحريزى يتحدث عن معطيات تاريخية وجغرافيا بشرية .وأنت تقول ثرترة وريح وكذب - لدي وصف لشاكلتك التى تتلمذت على البروباغاندا الزاوية الخروبية - سأل الكلب الأرنب لمادا أجرى أو أعدو ورائك ولاألحق بك فردت الأرنب أنا أجرى لنفسى أما أنت فتجرى لسيدك . فالأجدر بك أن ترد على ماجاء فى المقال وليس لمرابط .وبما أنك من شعب بومدين الحلوف فلم تناقش الأفكار ودهبت لنقاش الأشخاص وهدا ما يحيلنا الى القول هو أن بلد بشعبه وجاليته الأولى فى الجنة لاتملكون تاريخا وداكرة ولا مرجعية ..

  4. DRISS CHAAB

    قلت صورة معبرة المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للجزائر هدا القاصي والداني يعرف هدا الأمر.فالرئيس في النظام الجزائري مجرد موظف لدى الجيش يطبق ما يريده مشغلوه لا اقل ولا اكثر .في واقع الأمر الجزاىر لا تحتاج إلى حكماء.فكل مشاكلها سببها كبار الجنرالات إن أرادت النهوض وتدارك ما أفسده الجيش وجب عليها ابعاد هدا الاخير من الفعل السياسي ومن التسيير والحد من تدخله في كل مؤسسات الدولة .فمهمة الجيوش في كل الدول محصورة دستوريا في حماية الوطن من التهديدات الخارجية .ففساد كل الجنرالات وحاشيتهم أصبح مميع وفاحت رائحته ولا من حسيب ولا رقيب يعتبرون أنفسهم فوق القانون .من غير المقبول بلد يصدر النفط والغاز مواطنوه لا يجدون الحليب ولا يستطيعون شراء الموز الدي صار ثمنه يفوق القدرة الشرائية لأغلب الشعب عار على دولة نفطية اغلب نواديها لا يجدون ملاعب بمعايير دولية .مخجل أنه في إحدى مقابلات كرة القدم دولية المنظمين الجزائريين استعانوا بهاتف نقال لعزف النشيد الوطني للفريق الضيف.والغريب في الامر المسؤولين وبدون أن يخجلوا فرئيس الجمهورية صرح وهو في كامل قواه العقلية والبدنية أن المنظومة الصحية في بلاده هي الافظل في كل افريقيا ويؤكد بلازمته المعهودة احب من احب وكره من كره والخطاب موجه بالطبع للجار الغربي بعد أقل من شهر فضحته الأقدار عندما التجأ إلى الخارج للعلاج من كورونا التي تعالج حتى في مستشفيات الصومال .كيف نؤمن هدا الرئيس عندما يصرح أن عائدات الفلاحة فاقت 25مليار دولار إلى درجة أن من يطبل لهدا النظام كدب هدا الرقم وبسخرية .نسال اللطف لإخواننا في الجزائر الدين ابتلاهم الله بعصابة تلتهم كل شيء .هدا قدرهم

الجزائر تايمز فيسبوك