السيسي وماكرون نموذج حي عن نفاق الغرب مع طغاة العرب

IMG_87461-1300x866

  ليعذرني المصريون الناشطون سياسيا ومدنيا المتضررون من كابوس نظام عبد الفتاح السيسي: لا تنتظروا شيئا من لقاءات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس السيسي خلال الزيارة التي بدأها الأخير إلى باريس أمس الإثنين. 

لن يفعل ماكرون من أجلكم شيئا. لن تغيّر الزيارة أي شيء لصالحكم. لن تتحسن حقوق الإنسان في مصر. إثارة ماكرون للموضوع، إن حدثت فعلا، فمن باب رفع العتب وحفظ ماء الوجه أمام المجتمع المدني الدولي.

هناك واقع جديد، مؤلم، يجب قبوله والتعايش معه. خلال العقدين الماضيين قلب طغاة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، لأسباب موضوعية وليس ذكاءً منهم، طبيعة العلاقة مع القادة الغربيين، وأصبح لهم صوت مسموع.

بسبب هذا الواقع سيبيعكم ماكرون، وأي رئيس غربي غيره، مقابل (مجرد) وعد من السيسي، وأي طاغية غيره من الشرق الأوسط، بصفقة سلاح حقيرة.

ذهب إلى غير رجعة، على ما يبدو، ذلك الزمن الذي كانت فيه الحكومات الغربية تضغط ومعها المشرّعون والأحزاب والمنظمات غير الحكومية، من أجل قضايا حقوق الإنسان والحريات في العالم.

لفهم سر هذا التغيير الفادح حيال «الآخر» يجب البحث عنه في الأزمات التي ضربت عمق أوروبا وأمريكا وغيّرت مجتمعاتها السياسية في الحكم والمعارضة.

خلال العقدين الماضيين فقدت المجتمعات الغربية الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي. الأزمة المالية لعام 2008 كانت قاصمة. لذلك بدأت هذه البلدان، مجتمعة وفرادى، تبحث عن خطط إنقاذ تخفف بها وطأة الأزمة على مجتمعاتها وتحافظ على حركية الاقتصاد. أفضل طريقة للإبقاء على الدورة الاقتصادية متحركة، ومعها الوظائف، وهذا الأهم، هي إيجاد أسواق. هذه الأسواق متوفرة أكثر في دول الشرق الأوسط والخليج، خصوصا الغنية منها. في هذه المنطقة توجد الإمكانيات (التمويل) ومعها الرغبة. يستطيع أي حاكم أن يمضي على صفقة عسكرية أو تجارية مع أي دولة أوروبية، لا لأن بلاده تحتاجها، وإنما مجاملةً أو ليشتري بها صمت هذه الحكومة أو ذاك الرئيس عند الضرورة.

دول الخليج العربية لها باع طويل في هذا النوع من الصفقات. ومنها تعلم النظام المصري، عندما يجد التمويل، فلا يتردد في تبني صفقة يعتقد أنها تشتري له صمت حكومة أوروبية ما. ضمن هذا المنطق يندرج اندفاع القاهرة في السنوات الثلاث الأخيرة نحو صفقات تسلح وخدمات عسكرية مع إيطاليا: شراء ليونتها في قضية الطالب جوليو ريجيني الذي قُتل في القاهرة (شتاء 2016) وسط أسئلة غامضة عجزت السلطات المصرية عن الإجابة عليها.

المنطق عندهم بسيط، وإذا سألتهم يقولون إنها واقعية سياسية في هذا الزمن الصعب: ما شأني أنا واعتقال حفنة من الناشطين المدنيين أو السياسيين في مصر أو غيرها إذا كان الصمت سيجلب لي صفقة تحفظ لي كذا ألف وظيفة سنة أخرى أو سنتين؟

ولكي يطمئن العرب، من المفيد أن يدركوا أن الحكومات الغربية قد «تضحي» حتى بمواطنيها إذا كان الثمن فوائد اقتصادية أكيدة. تجارب بعض البريطانيين في الإمارات دروس جديرة بالاهتمام، إذ اكتفت لندن بتوفير المساعدة القنصلية لبعض مواطنيها الذين اعتُقلوا ظلما في دبي، ثم توقفت، حفاظا على مصالحها الاقتصادية، عند حدود معينة بعيدة عن الضغط العلني.

احتاج القادة الأوروبيون وقتا طويلا وشجاعة كبرى للإقرار بهذا الشذوذ. كان لا بد من وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ويجعل منه عقيدة سياسية ودبلوماسية بلغت مداها في علاقته بالسعودية ونظرته العجيبة لها.

ترامب أراح القادة الأوروبيين ورفع عنهم الحرج، فلا عجب أن يتسابقوا اليوم نحو يمين اليمين. ولا مشكلة لديهم، عكس حالهم قبل عقدين أو ثلاثة، في تجاهل فتك شركائهم من رؤساء وملوك بالحقوق والحريات.

ثم قادت الأزمات الاجتماعية الناجمة عن الضائقة الاقتصادية إلى سخط على الحكومات تُرجم انتخابيا في صعود تيارات اليمين المتطرف والشعبوي. هذه قوى «إنغلاقية» مؤذية لا يهمها ما يجري في العالم، وخصوصا في الجزء المظلم منه المبتلى بالأزمات والطغيان، مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

التقت، إذًا، فلسفة اليمين المتطرف مع أمنيات طغاة المنطقة العربية. صمت هؤلاء وتواطؤهم شجع أولئك على التمادي، فكانت المحصلة هذا الطغيان والديكتاتورية المستشريان في بلداننا بشكل غير مسبوق.

ولأن اليمين الشعبوي يتمدد بلا توقف، حتى في الدول الأوروبية الأكثر تسامحا، مستفيدا من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، وجدت تيارات اليمين التقليدي نفسها مضطرة لمنافسته في ملعبه. النتيجة، باختصار، أن الخوف من الخسائر الانتخابية دفع اليمين التقليدي إلى التماهي مع المتشدد، فذابت الفروق بين الاثنين في كثير من الدول الأوروبية. سيتعب الباحثون السياسيون في إيجاد خطوط فاصلة بوضوح بين ماكرون أو جونسون، مثلا، وعتاة اليمينيين المتطرفين في فرنسا وبريطانيا.

وسط هذا العبث تراجع ألق المنظمات غير الحكومية مثل «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية». تراجعُ التمويل سبّب متاعب لهذه المنظمات، وزاد اتساع نطاق الأزمات وتعددها وكذلك المضايقات وحملات التشويه المنظمة التي قادتها الأنظمة الديكتاتورية بحق هذه المنظمات من صعوبة عمل الأخيرة، حتى وإن لم تمس مصداقيتها.

وعليه ليس من الخطأ القول إن صوت منظمات مثل «أمنستي» أو «هيومن رايتس ووتش» أقل تأثيرا اليوم. والحكومات أقل استجابة لمطالبها، بل أقل استماعا لرغباتها أصلا. قبل عقدين من الزمن وأكثر، كانت هذه المنظمات تخيف الحكومات وتساهم في حمياة الحقوق والحريات.

لسوء حظ المصريين الذين يحلمون بنهاية كابوس السيسي، أن ماكرون مأزوم داخليا وفاقد للبوصلة خارجيا. وهو يبحث عن أي قشة يتعلق بها، فلا عجب أن يجعل من زيارة السيسي، إلى جانب لبنان، ورقة يخفف بها عن نفسه الاختناق. آخر شيء ماكرون يريده أن يُفسد على نفسه زيارة السيسي وما تحمله من صفقات واتفاقات موعودة، بإثارة قضايا يؤمن في أعماقه بأنها ثانوية ولا تعنيه، مثل حقوق الإنسان في مصر.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. أعدائنا

    الإعلام والساسة و حكام الغرب كلهم في خدمة الإحتلال الصهيوني، أما طغاة العرب فهم في خدمة الغرب يعني عبيد للعبيد.

  2. Si si monsieur ça veut dire oui oui Macron,il ne peut plus dire dire non à son monsieurاصحاب الصناديل الهاربين من المرتزقة كان منهم مصريون هو أكبر كلب من كلاب مصر

الجزائر تايمز فيسبوك