نهاية الأحزاب السياسية في الجزائر

IMG_87461-1300x866

لعنة الانتخابات، تضرب بقوة الأحزاب السياسية الجزائرية. وهي على أبواب انتخابات تشريعية مبرمجة ليوم 12 يونيو المقبل. كل التوقعات تقول إنها ستخرج منها بأزمة أعمق، تعلق الأمر بتسييرها الداخلي، أو علاقاتها بالسلطة القائمة، أو الجزائريين، الذين نفضوا أيديهم منها كقاعدة عامة. أحزاب يقول المشهد السياسي انها لا تملك الموقف نفسه من الانتخابات، لكنها تعيش لعنة الانتخابات نفسها التي تتمظهر لديها، بأشكال متشابهة.

المظهر الأول لهذه اللعنة، يمكن تلمسه من داخل الأحزاب نفسها، في علاقة القيادات بكوادرها الوطنية، وحتى المحلية جزئيا، تحولت على أثرها القيادات الحزبية إلى رهينة، بين أيدي هذه الكوادر المهتمة، بشكل مرض، بالعملية الانتخابية، مهما كانت شروط تنظيمها السياسية والقانونية، التي ساءت بشكل رهيب مع الوقت. قيادات حزبية تعرف بالتجربة، أن عدم انصياعها والمشاركة في هذه الانتخابات التي تتعامل مع كوادر الأحزاب كمصعد اجتماعي، فردي وشللي، يمكن أن يؤدي بها إلى ما لا تحمد عقباه، الذي قد يتجسد على شكل إبعاد وسحب الثقة، كما حصل لقيادة حزب العمال التاريخية، التي تمثلها لويزة حنون هذه الأيام، أو ضغوط من كل نوع، تعلمت مع الوقت القيادات التعامل معها درءا لانفجار الأوضاع، كما حصل أكثر من مرة للشيخ جاب الله وقيادة حركة مجتمع السلم، التي عاشت انشقاقات عديدة، كان وراءها مرشحون للانتخابات التشريعية، تحولوا إلى وزراء وزعماء أحزاب جديدة بعد الانشقاق عن الحركة الأم.

وضع، عاشه التجمع من أجل الديمقراطية، الذي قرر هذه المرة مقاطعة الانتخابات، بدون عاصفة، عكس ما يحصل داخل جبهة القوى الاشتراكية، التي قد تُدفّعها القيادات المؤيدة للمشاركة، فاتورة غالية، بعد أن فشلت في الذهاب بها نحو المشاركة، نتيجة المقاومة التي أبدتها قاعدة الحزب. ما يعني أن أزمة الحزب ما زالت أمامه وليست وراءه، قد تأخذ شكل انشقاقات وحالة اضطراب لاحقا، ستحاول الضغط من خلالها الكوادر، التي لم تنجح في فرض خيار المشاركة على قيادة الحزب. نحن إذن أمام ظواهر عاشتها وتعيشها كل العائلات السياسية، وليست مقتصرة على أحزاب سياسية من لون سياسي واحد.

مستويات سوسيو – سياسية عديدة، يمكن أن نلجأ إليها لتفسير ما يحصل من صراعات، بمناسبة كل استحقاق انتخابي، بين القيادات الحزبية والكوادر، منها ما هو متعلق بالاتجاهات العامة الثقيلة، التي تخبرنا أن تدهورا كبيرا اقتصاديا واجتماعيا ورمزيا، مسً الكثير من الفئات الوسطى، المهتمة تاريخيا بالظاهرة الانتخابية على الطريقة الجزائرية، أحس به افراد وشلل محددة، قليلة العدد، لكنها قدارة على خلق الفوضى داخل الأحزاب، نتيجة تمرسها على الكولسة السياسية، تجد المساعدة كل مرة من مراكز قرار رسمية، تمنحها الغطاء القانوني والسياسي وهي تصفي حساباتها، مع قيادات الأحزاب التي تريد ترويضها. كوادر لم تعد ترى في الانتخابات، إلا جانبها الريعي كمصعد اجتماعي -لا يسع إلا القليل – لكنه فعال وسريع. مظهر آخر من هذه اللعنة، قد لا يقل خطورة، ويتعلق الأمر بالعلاقة مع المواطنين الجزائريين، الذين ابتعدوا بشكل يكاد يكون شاملا، عن الأحزاب السياسية، كما تبينه الكثير من الدلائل، التي يمكن التأكد منها بالعين المجردة يوميا. أزمة مع المواطنين، يحاول النظام السياسي استغلالها وتعميقها بمناسبة هذه الانتخابات، التي يمكن أن تتحول إلى ضربة قاضية للأحزاب السياسية، وهو يتوجه نحو تشجيع «المستقلين» لمزاحمة الأحزاب في هذه الانتخابات، التي ستنظم في إطار قانوني «جديد» كما يبرزه قانون الانتخابات، الذي يمنع ترشح النواب السابقين، الذين مروا على البرلمان مرتين، أو أشكال «التشجيع» الأخرى الممنوحة للشباب، على شكل تسهيلات مالية ودعم سياسي وإعلامي مريبين.

استراتيجية رسمية، تؤكد ما كان معروفا عن النظام السياسي الجزائري، الذي لم يقبل بالحزب السياسي، إلا على مضض حتى وهو يؤيده ويسنده، كما كان الحال مع ما يسمي بأحزاب السلطة – جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وغيرها، التي لم تنج من الضغوط والتحرش، ببعض قياداتها، التي قد يكون لها رأي آخر في الشأن السياسي. كما حصل أكثر من مرة مع قيادات جبهة التحرير-بن فليس، وقبله مهري والكثير من الوجوه التي تداولت على رأس الجبهة –

استراتيجية، يمكن أن نتوقع بسهولة مخرجاتها المؤسساتية، التي ستكون على شكل برلمان هجين من الناحية السياسة، ضعيف الشرعية والفعالية، سيتغلب داخله النائب «المستقل» الفرد، ضعيف وحتى منعدم التجربة السياسية، على حساب الأحزاب. تعتقد السلطة أن التعامل السياسي معه سيكون أسهل، يمكن أن تخلق منهم الأغلبية التي تريدها، بمباركة من بعض أحزاب المنشقين، قد يكون بعض الإسلاميين من مدرسة الإخوان، على رأسهم. هم الذين دخلوا في لعبة السلطة، بشكل مكشوف، منذ سنوات، استهلكوا خلالها جزءا كبيرا من الرصيد السياسي لهذه العائلة السياسية، التي لم تنجح تاريخيا، في كسب ود الجزائريين الجذريين، بمواقفها المهادنة.

لعنة انتخابات، ستتمظهر هذه المرة كذلك، على شكل نسب مشاركة ضعيفة، بل ومقاطعة شبه تامة، كما حصل في الاستحقاق الرئاسي والاستفتاء على الدستور، تأكيدا لهذه السوسيولوجية الانتخابية المعروفة جزائريا، التي دعمها الظرف السياسي المضطرب، المتولد عن الحراك الشعبي. انتخابات – إن جرت فعلا لأن شائعات تأجيلها مازالت قائمة ـ ستؤكد مقاطعة منطقة القبائل، وعزوف المهاجرين الكبير ونسب المشاركة الضعيفة لسكان المدن الكبرى والمتوسطة. سوسيولوجيا، تعكس بصدق كبير جغرافية الحراك الشعبي، الذي عبّر عن نفسه داخل هذه الفضاءات التي تسكنها أغلبية الجزائريين 67%، والتي كان وراءها كقوة اجتماعية داعمة الشباب والفئات الوسطى الحضرية، وكل القوى الاجتماعية التي أفرزتها التحولات الاجتماعية والثقافية، التي عاشها المجتمع الجزائري في العقود الأخيرة.

الحراك الشعبي، كما الانتخابات، التي فشل الحزب السياسي في الاستفادة منها كقاعدة عامة، لتوسيع قاعدته الشعبية وربط علاقات جديدة مع المواطن الجزائري، العازف عن الانخراط والعمل الحزبي الدائم، وهو يعبر بالعكس بقوة، عن اهتمام بالغ بالشأن السياسي العام عبر الحراك. بكل الخطورة التي يمكن توقعها من هذا الوضع، الذي يجد فيه النظام السياسي نفسه في مواجهة مباشرة مع المواطنين، بدون وسائط سياسية. في ظرف، سيكون أصعب وأكثر اضطرابا في الفترة المقبلة، ليس بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي، القابل للتدهور أكثر فقط، بل بسبب عجز النظام عن إيجاد حلول لمسألة تسييره بأزمة الشرعية التي يتخبط فيها، منذ عقود. فشلت الانتخابات على الطريقة الجزائرية، باللعنة المرتبطة بها، في أن تكون حلا ولو جزئيا لها. بعد أن زاد الحراك الشعبي في تعريتها.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك