لماذا تأخر تبون في إستعادة أموال الشعب المنهوبة من رجال أعمال مسجونين؟

IMG_87461-1300x866

تم الاعتراف منذ سنوات طويلة قبل سقوط نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بأن مستويات الفساد في الجزائر بلغت حدود حرجة جدا لم تعد معها الأدوات التقليدية لمكافحة الظاهرة قادرة على تحقيق نتائج تذكر.

رغم سن الجزائر لتشريعات جديدة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وانضمامها إلى اتفاقيات دولية متعددة الأطراف في المجال، إلا أن نزيف نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج استمر في وضح النهار، وفي أحيان كثيرة بتغطية من مسؤولين كبار في الدولة.

معروف أن عملية استرداد الأموال تمر بثلاث مراحل، وهي إثبات الأملاك وتحديد مكانها كمرحلة أولى، وثانيا صدور أحكام نهائية، ثم ثالثا، وجود اتفاقيات قضائية ثنائية ومتعددة الأطراف لاسترداد الأموال المنهوبة. مع التأكيد على أن التشريعات الوطنية والدولية في اغلبها تنص على عدم تقادم الدعوى في مجال محاربة الفساد.

لقد حذرت منظمة شفافية دولية ( Transparency International) تقارير دورية بأن منسوب الفساد في الجزائر بلغ مداه، ولم تتحرك حكومات بوتفليقة المتعاقبة، بل اعتبرت ذلك تهجما مقصودا ضد الجزائر وزعما من هذه المؤسسة المستقلة، بأن سلطات الرقابة في البلد قاصرة عن حراسة المال العام. غير أن صحة ذلك ثبت بالدليل بمجرد إندلاع مظاهرات 22 فبراير 2019 واستقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وسجن وهروب العشرات من كبار المسؤولين منذ ذلك.

سُجِنَ رؤساء حكومات ووزراء والعشرات من رجال الأعمال ومسؤولين في مستويات قرارا عديدة على مستوى الحكومة والقطاع الاقتصادي والبنوك، وقدمت الخزينة العمومية والبنوك المملوكة للدولة، الأدلة على الأرقام الفلكية لخسائرها من جراء السطو على المال العام، إلا أنه ظهر تلكأ في المضي نحو القرار الذي ينتظره الشعب الجزائري وهو استعادة أمواله المنهوبة من قبل العصابة طيلة 20 وربما 30 سنة الماضية.

نقاط ظل في مسار المحاكمات؟

الاستعراض التاريخي السابق لمسار المحاكمات الخاصة بقضايا نهب المال العام خلال الفترة السابقة، يكشف عن وجود نقاط ظل كثيرة تخفي وجود رغبة في تعطيل المسار على أمل حدوث إنقلاب ما، قد يمكن من عودة النظام السابق بشكل أو بآخر كما تحلم بذلك العصابة التي تقود ثورة مضادة من داخل السجن، وهو ما تنبه له رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أعلن عنه صراحة في لقاءه الدوري الأخير مع وسائل الإعلام الوطنية.

الثورة المضادة تمولها العصابة من السجن هذا ليس اتهاما أو تجنيا، فقد سبق وأن أُعلن رسميا أن علي حداد، أرسل وهو في السجن مبلغ 10 مليون دولار إلى شركة لوبيينغ أمريكية لإدارة حملة للضغط على الحكومة الجزائرية من أجل إطلاق سراحه، والأمر لا يختلف لبقية رجال الاعمال الاخرين الذين يقومون منذ فترة بضخ مبالغ كبيرة لتمويل وسائل إعلام جزائرية ومواقع أجنبية ويوتيبور في الخارج، لشن هجومات ضد الحكومة ولتأليب الرأي العام. لقد بلغ بهم الأمر إلى درجة الترويج لفكرة أن النظام السابق رغم فساده، أفضل بكثير من الحالي.

إن تعطيل مسار المحاكمات وعدم تسريعها للمضي نحو اصدار أحكام نهائية، يكشف عن وجود مجال صراع مرير بين الرغبة الصادقة القوية في محاربة الفساد إلى نهايته، وبين من يريد الحفاظ على الوضع كما كان عليه قبل فبراير 2019. لقد فتح التأخر في صدور الأحكام النهائية، الباب على مصراعيه، أمام الضغوط والإغراءات من جهة، والتشويه الشخصي من جهة ثانية، لكل منجز يحققه الرئيس عبد المجيد تبون، على صعيد مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وتحقيق الالتزامات التي قطعها أمام المواطنين خلال ترشحه لرئاسة الجمهورية.

صمت بنك الجزائر؟

على عكس الكثير من البنوك المركزية حول العالم، لم يسبق وأن خاض بنك الجزائر المركزي في موضوع الأموال المنهوبة خلال العقود الأخيرة، أولا، لكونه يتحمل جزء كبير من المسؤولية بسبب آليات الرقابة المنتهجة في مراقبة عمليات حركة رؤوس الأموال من وإلى الجزائر من جهة، وثانيا، بسبب صمته أمام حالات التدخل السياسي في تسييره  منذ التعديل الأول لقانون النقد والقرض سنة 2001 والتعديلات المتعددة التي تلت ذلك طيلة العشريتين الماضيتين.

وحتى وإن ظل بنك الجزائر ملتزما الصمت لسب من الأسباب، إلا أن إدارة الجمارك تعرف بدقة مطلقة حجم السلع والخدمات التي دخلت البلاد على مدار العشرين سنة الأخيرة، كما وتعرف المديرية العامة للضرائب حجم الامتيازات الممنوحة لفلان أو علان من الناس الذين استفادوا خلال حقبة الرئيس المستقيل وحتى من الأشخاص الذين استفادوا في الظل وتربحوا بحكم مناصب المسؤولية التي بلغوها وما اكثرهم في جزائر الأمس.

لم تقدم أي تقديرات رسمية حول حجم الأموال المنهوبة من قبل النظام السابق وزبانيته. كما لا توجد أرقام رسمية دقيقة عن قيمة الأموال المهرّبة إلى الخارج، إلا أن خبراء مؤسسات مالية دولية قدروا ذلك بنحو 20 % من إجمالي واردات البلاد خلال 15 سنة الأخيرة على الأقل، أي ما يناهز 160 مليار دولار على الأقل مضاف غليها حجم العمولات والرشاوى في الصفقات العمومية المنجزة أو الجاري إنجازها في مجال مشروعات البنية التحتية أو الخدمات المختلفة.

مهما كانت مزاعم فريق الدفاع عن رجال الأعمال الموجودين في السجن اليوم، فإن مصدر الأموال التي اختلسوها هي بالنهاية أموال الخزينة العمومية، وكانوا قد حصلوها سواء في شكل قروض أو في شكل مشروعات بطريقة غير قانونية أو من خلال الامتيازات الضريبية والجبائية والجمركية غير مشروعة، أو حتى في شكل تنازل غير قانوني عن أصول تابعة للمجموعة الوطنية، وبالتالي سيكون من غير الطبيعي، الصمت عن عدم استردادها، أو على الأقل استرداد الجزء الموجود داخل الجزائر، والمتمثل في عشرات آلاف الهكتارات من العقار الصناعي الذي استولى عليه هؤلاء بغير وجه حق وعشرات الوحدات الصناعية التي أنجزت بقروض بنكية غير مستردة ومصانع تم خوصصتها خارج إطار القانون وقروض بنكية مضخمة وأملاك منقولة وغير منقولة متواجدة على الأقل داخل البلاد في انتظار مرحلة ثانية تمتد الى حصر الأملاك المهربة الى الخارج والتي يمكن التعامل معها في اطار الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف التي وقعت عليها الحكومة الجزائرية.

 الثورة المضادة تقودها شبكة المستفيدين من الريع

من الخطأ الاعتقاد أن الثورة المضادة يقف وراءها فقط مجموعة من رجال الأعمال المسجونين وبعض الوزراء ومسؤولين في بنوك عمومية وبعض الدوائر الحكومية من الصف الثاني عموما.

إن هذا الاعتقاد سيحصر مسألة استرداد الأموال ضمن نطاق ضيق جدا لا يتعدى بعض المليارات من الدولارات، وبالنهاية سيترك أكبر المستفيدين خارج الدائرة يتمتعون بثروات هائلة حصلوها بطرق غير مشروعة، لأن أغلب رجال الاعمال المسجونين هم في الحقيقة مجرد أسماء مستعارة لأصحاب الثروات الحقيقين الذين يفضلون الظل. وبالتالي يصبح من الضروري الذهاب إلى ما هو أبعد من رجال الأعمال والوزراء المسجونين مسألة أمن قومي وضمانة لمناعة حقيقية للجسم الوطني، تحقيقا لمسار العدالة واستكمالا لاسترجاع هذه الأموال في الداخل والخارج، مهما كانت الاكراهات الوطنية والتعقيدات الدولية.

دون اتخاذ الرئيس، سلسة من القرارات السياسية الهامة، سيبقى ملف استعادة الأموال المنهوبة حبراً على ورق، وبلا قيمة عملية رغم بعض التصريحات التي تعقب كل حكم على فرد او مجموعة من العصابة التي كانت تحكم البلاد طيلة العقدين الماضيين.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. المصطفى

    كيف يمكن تحصيل مبالغ مالية من المسجونين وهي لا تساوي شيئء مقابل ما تم صرفه على لقيط العسكر البوليزاريو منذ 45 سنة وهي مبالغ لو ثم توظيفها لخدمة الشعب الجزائري الشقيق لما راينا ما وصلت له البلاد والعباد من تدهور

الجزائر تايمز فيسبوك