تدخلات الجيران و الخارجية يفشل ثورة ليبيا في بناء دولة ديمقراطية حديثة ومزدهرة؟

IMG_87461-1300x866

أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الليبية، عدم قدرة الثوار الذين أطاحوا بنظام القذافي على بناء مؤسسة عسكرية موحدة، تحتكر القوة، وتتولى إدماج الثوار بشكل فردي، وتنهي فوضى السلاح.

وحاول قادة الجيش الذين تم تعيينهم في الفترة بين 2012 و2014، توحيد المؤسسة العسكرية، وإدماج كتائب الثوار فيما يسمى “الدروع”، لكن ذلك لم يحقق الهدف المرجو، حتى بعد إعادة إدماج عناصر مدربة من كتائب القذافي المنحلة.

إذ تشكلت كتائب ومليشيات مسلحة على أساس مناطقي وإيديولوجي تتبع شكليا وزارة الدفاع، لكن لكل منها قيادتها الخاصة ومناطق سيطرتها ونفوذها، وأدى ذلك إلى مواجهات فيما بينها واغتيالات واختطافات طالت حتى مسؤولين كبار في الدولة.

وفي ظل هذه الأجواء أطلق حفتر، منتصف مايو 2014، “عملية الكرامة”، فعمّق الأزمة الأمنية في البلاد.

وأخطر ما تسببت فيه “عملية الكرامة” تقسيم المؤسسة العسكرية على أساس مناطقي، حيث انحاز وزير الدفاع ومعظم كتائب شرق ليبيا لحفتر، بينما أعلن قائد الأركان ومعظم كتائب الغرب والدروع، دعمهم للمؤتمر الوطني العام في طرابلس.

وعرقل حفتر بشكل رئيسي أي محاولة لتوحيد المؤسسة العسكرية خارج سيطرته، واستطاع إحكام قبضته على المنطقة الشرقية بعد سيطرته الكاملة على مدينة بنغازي في 2017، ثم مدينة درنة في 2018، ومعظم مدن الجنوب في 2019.

وعكست إدارته للمنطقة الشرقية رغبته في تأسيس نظام عسكري لا يختلف كثيرا عن نظام القذافي الذي أطاحت به الثورة.

حيث يستقبل حفتر، عبد الله الثني، رئيس الحكومة المؤقتة (غير المعترف بها دوليا) وزير الدفاع، في مكتبه بمنطقة الرجمة وكأنه رئيس جمهورية وليس كضابط يخضع لسلطة مدنية، وكذلك الأمر بالنسبة لعقيلة صالح.

وقوّض حفتر الاتفاق السياسي الموقع في 2015، وعطل أتباعه في مجلس النواب محاولة منح الثقة لحكومة الوفاق، ولمسودة الدستور.

وتسبب هجومه المفاجئ على طرابلس، في 4 أبريل 2019، في إلغاء مؤتمر جامع برعاية أممية لحل الأزمة الليبية.

وحتى بعد إخفاق حفتر في السيطرة على العاصمة، أعلن نفسه رئيسا على كامل ليبيا، لمجرد خروج بعض أنصاره في عدد من المدن لتفويضه رئيسا بطلب منه.

إذ مثّل حفتر وثورته المضادة أكبر عائق أمام انتخاب رئيس للبلاد وبرلمان بولاية كاملة من خمس سنوات، والدخول إلى مرحلة الاستقرار السياسي.

اقتصاد منهار

لم تكن المطالب الاقتصادية ضمن شعارات الثورة الليبية على عكس الثورتين التونسية والمصرية، نظرا لأن الوضع المعيشي لليبيين في عهد القذافي كان مقبولا بفضل ثروة النفط وقلة عدد السكان، رغم البنية التحتية المحدودة للبلاد.

لكن إقفال حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران، لحقول وموانئ النفط بالمنطقة الوسطى في 2013، كبّد البلاد خسائر بمليارات الدولارات، خاصة أن برميل النفط تجاوز سعره حينها 100 دولار.

وتعرضت المنشآت النفطية بالهلال النفطي لدمار جزئي ما بين 2014 و2015، بعد إطلاق حكومة الإنقاذ في طرابلس عملية الشروق العسكرية لتحرير المنطقة من مليشيات الجضران المدعومة من حفتر.

لكن مليشيات حفتر عادت لتسيطر في 2016، على الهلال النفطي بالكامل، وتطرد منه حرس المنشآت النفطية التابعين لجضران، بعد إعلان الأخير ولاءه لحكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دوليا).

وما بين 2016 و2017، وقعت عدة اشتباكات بمنطقة الهلال النفطي، وتمكنت أطراف مناوئة لحفتر من استعادة أجزاء من المنطقة لفترات قصيرة، قبل أن تفرض مليشيات الشرق هيمنتها بالكامل على الموانئ النفطية بعد سيطرتها على قاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية جنوب الهلال النفطي في 2017.

وأثرت هذه الاشتباكات بشكل رئيسي على مداخيل البلاد بالعملة الصعبة، نظرا لأن صادرات النفط تمثل المورد الأكبر.

وحاول حفتر عدة مرات الاستحواذ على مداخيل النفط لتمويل حروبه، لكنه فشل لعدم اعتراف المجتمع الدولي سوى بمؤسسة النفط والبنك المركزي في طرابلس.

وفي يناير 2020، أوقفت مليشيات حفتر تصدير النفط، لحرمان الحكومة الشرعية من مداخيل البلاد، ما دفع الناس إلى الانتفاض ضدها، وكبد هذا الخيار الانتحاري خسائر كبيرة للبلاد، وتسبب في انقطاعات مستمرة للكهرباء بسبب نقص الوقود.

وتراجعت مداخيل النفط من 53.3 مليار دولار في 2012، إلى نحو 8 مليارات دولار في 2020، وقدر البنك المركزي خسائر البلاد بسبب إغلاق النفط ما بين 2013 و2020 نحو 180 مليار دولار.

وهذه الأرقام توضح الوضع الصعب الذي يعيشه اقتصاد البلاد، وانعكس ذلك سلبا على حياة الناس، وأدى ذلك إلى خروج مظاهرات متفرقة في طرابلس وبنغازي وعدة مدن أخرى للاحتجاج على تردي الأوضاع الاجتماعية وارتفاع الأسعار ونقص الوقود وانقطاع الكهرباء، واستشراء الفساد.

فخلال عشر سنوات عقب الثورة، أدى إخفاق البرلمانيين في وضع دستور للبلاد إلى فراغ سياسي ودستوري، استغلته الثورة المضادة بقيادة حفتر لتقسيم المؤسسة العسكرية، ومحاولة السيطرة على الثروة النفطية ما أدى إلى انهيار اقتصاد البلاد، واشتعال حروب أفقرت الشعب.

لكن خروج الليبيين في مظاهرات شرق البلاد وغربها وجنوبها، دفع أطراف الأزمة إلى تقليص حجم مطالبها وطموحاتها ما سهل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، واختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس حكومة وحدة وطنية.

ويبقى التحدي أمام قيادة البلاد الجديدة معالجة الاختلالات الكبرى، وعلى رأسها الخروج من المأزق الدستوري، وتوحيد المؤسسة العسكرية من خلال إنهاء مشروع حفتر العسكري أو احتوائه على الأقل، وحل الأزمات الرئيسية لاقتصاد البلاد، وإنجاح المصالحة بين مختلف أطياف الصراع.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. Elarabi ahmed

    الأنظمة العسكرية لاتحب ولاتريد الأستقرار لدول الجوار فدالك يسبب لها مشاكل . وبعبارة أوضح  ( الأشياء تقاس بضدها  ). فعند ضعف الجار تظغط وتبتز وعند القوة تنافق وتهادن

  2. أيت السجعي

    ليس هناك قضية تدخلت فيها القوة الإقليمية العظمى وجدت حلا مناسبا نظرا لأن النظام المعلوم إياه يخشى من نهوض نظام ديموقراطي بجماهرية القذافي قد تمتد عدواه لداخل مكة الثوار ويابان إفريقيا والتي اتجهت مؤخرا إلى تنمية مهمة عن طريق مد اليد وقبول العطايا والتبرعات من قطر و أمريكا والصين وروسيا وهو ما يثير الحيرة والعجب خاصة إذا علمنا أن رأس النظام "المزور اللي جابوه العسكر ما كانش الشرعية " كان قد رفض اللجؤ للإستدانة حفاظا على حرية يابان إفريقيا في دعم فلسطين والبوليزاريو وإذن فهل قبول العطايا والصدقات سوف لن يرهن قرار القوة الإقليمية أم أنهم يعتقدون بأن الدول الغنية سوف تبذر دولاراتها دون المطالبة بالمقابل؟

الجزائر تايمز فيسبوك