تساؤلات مقلقة حول إسقاط "قضية التآمر" على توفيق مدين

IMG_87461-1300x866

 لم يكن الحكم ببراءة قائدي جهاز المخابرات الفريق محمد مدين المدعو توفيق، ومن معه في "قضية التآمر على الجيش"، مثيرًا للجدل في حدّ ذاته في وسط الجزائريين، بقدر ما أثار أسئلة حول هذا التحوّل الكبير في موقف القضاء العسكري، من الإدانة بعقوبة القصوى إلى الإدانة بالبراءة التامّة، وإن كان رموز النظام السابق قد عادت إلى الحكم مجدّدًا، بعدما أدينت في الحراك الشعبي. 

فتح هذا الموقف الباب واسِعًا لرصد الأسباب والظّروف التي دفعت القضاء الى تغيير موقفه القانوني من القضية، والبحث في الظروف السياسية المحيطة بالقضية منذ بدايتها في نهاية  مارس 2019، وصولًا إلى أحكام الإدانة في  سبتمبر 2019، إلى تثبيت الحكم في فبراير 2020، ثم الحكم الأخير بالبراءة في جانفي الجاري.

صفقة سياسية

 اختلفت المواقف والتحاليل بين النخب الجزائرية حيال الحكم الصادر،حيث ذهب البعض إلى اعتباره تصحيحًا لحالة شهدتها الجزائر منذ أسابيع الحراك الشعبي، فيما يرى البعض أنه من الضروري مساءلة العدالة الجزائرية، بل وضعُها في قفص الاتهام بدورها.

من الواضح أن وجود قائد أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح في السّلطة، حتى وفاته في الـ 26 من شهر كانون  ديسمبر 2019 ، كان العامل الأبرز في تشكيل ملفّ ، وتحويل الاجتماع المثير للجدل محلّ القضية والشخصيات الأربعة، إلى "قضية تآمر على الجيش"، ومن ثمّة تثبيت أحكام الإدانة في حقّهم، ومن الواضح  أيضًا أن غيابه ورحيله عن المشهد الجزائري، فتح الباب واسعًا لمراجعة ملفّ القضية، سواءً كانت هذه المراجعة القضائية ذات بعد سياسي قائم على أساس قانوني صرف، قضى بتصحيح أخطاء قائد الجيش السابق وإلغاء الدوافع السياسية للقضية، أو على أساس تفاهمات سياسية لعبت فيها قيادة الجيش الجديدة بقيادة السعيد شنقريحة، الدّور الأبرز في توفير التّغطية لغلق القضية نهائيًا.

استثمار الحراك

التعاطي مع الأحداث يفترض قراءة لفهم ما يجري في الجزائر منذ الوثبة الثّورية، أو ما يمكن توصيفه بـ"النَّفَس الثّوري" الذي حصل في الجزائر خلال العام 2019، حيث يعتقد الباحث في علم الاجتماع السياسي، نور الدين بكيس، أن "الجميع أخطأ في استثمار الأحداث عندما تساهل البعض في الرضوخ لرواية النّظام من جهة، ومن جهة أخرى عندما بالغ البعض الآخر في تضخيم قوّة الحَراك، مما أعاق وصول صوت من كانوا يطالبون بالمراجعات قبل فوات الأوان".

وعرّج الباحث في تشريحه لمسار الفترة ما بين 2019/2020، وما صاحبها من قضايا عرضها القضاء الجزائري في المحاكم، وما أفرزته من إقرار تبرئة وجوه من نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حيث قال إنّ هناك ثلاثة أخطاء عطّلت استثمار الأحداث، وظلّلت الفهم الحقيقي لتلك الوقائع؛ "أوّلها الاعتقاد الخاطئ بأن حملة الاعتقالات لرموز النظام حركة إصلاحية بريئة من داخل النظام ناجمة عن لحظة ثورية شعبية".

أما ثاني الأخطاء، حسب الأستاذ بكيس، يتعلّق بـ "اعتقاد الجماهير المعترضة تملك القدرة على تغيير النظام، من دون الاستعانة بجزء من النظام"، وثالث الأخطاء يتمثل في "ضرورة النّأي بالنّفس عن الاستثمار في صراع أجنحة النّظام، بناءً على تصوّرٍ ساذج بأن الصراع سيُفضي في الأخير لإضعاف كلّ الأطراف وفسح المجال واسعًا لهيمنة الحراك".

وبالمحصّلة، فإن هذه العقبات التي تشبه الشّجرة التي حجبت غابة المتغيرات في أيّة لحظة ثورية أو حراك شعبي، أحدثت جدلًا وسط الجزائريين؛ أو ما أسماه الأستاذ بكيس بـ "التلاسن والتنمّر و الاستهزاء بين مختلف مكوّنات الجماهير التي كانت تواقة لتغيير النظام، مما يضعف ويشتت الوثبة النفسية للحراك ويوجهها نحو الإبداع في جلد الآخر وجلد الذات، لمحاولة الهروب من الشعور بالعجز عن تحقيق الإنجاز".

وأضاف في هذا السياق أننا مررنا "بتجربة قصيرة لمحاولة التغيير، لم تكن مكلفة بشكلٍ يحوّلها إلى تجربة رادعة تعطّل كل الرصيد الذي تراكم لدى جيل جديد لمحاولة تغيير الأشياء".

وبنظرة متفائلة قال محدث "الترا جزائر" إنه "في ظرف وجيز وبأقلّ التكاليف، تلقى الجزائريون دروس مكثفة في التنشئة السياسية والتعرّف على طبيعة النظام، وأدوات إدارة الصراع والبقاء".

بالنسبة لبكيس، فإن هناك مخرجين اثنين من بين الخيارات المتاحة، وهما: "إمّا الهروب إلى الأمام بتبادل الاتهامات والبحث عن التجرّد من أي التزام، أو أن نستثمر بكل ما أوتينا من قدرات وإمكانيات لتغيير هذا الواقع وبناء غدٍ أفضل يعبد الطريق لرفع سقف التطلّعات".

قوّة أم ضعف؟

بهذا المعطى القضائي الجديد مع بداية السنة، ينظر الكثيرون بعين اليأس لمآلات الحَراك الشعبي، من جهة توقّف المسيرات بسبب الأزمة الصحيّة، ومن جهة أخرى، من زاوية تشتّت مكوّنات الحراك وتبادل التهم بسبب خلاف حول القيادة، أو إيجاد مكامن نقاط الضعف فيه، علاوة على حالة الإحباط التي أفرغته من مطالبه خصوصًا بعد القرار الأخير للمحكمة العسكرية بالبليدة.

في هذا السياق، يرى الناشط الحقوقي والمحامي سعيد شرايطية، أنّ مكونات الحراك الشعبي خسرت حلقة مهمة في الفورة الثّورية التي شهدتها معظم الولايات الجزائرية، مشيرًا أن ما جرى في عام واحدٍ ليس مقياسًا للحديث عن انتهاء الحراك الشعبي، بل هو عبارة عن " وثبة نفسية للكثيرين، أو بالأحرى رؤى متجدّدة عن الواقع السياسي في البلاد، والرغبة الجامحة نحو التغيير".

وأضاف شرايطية قائلا:"لا يمكننا العودة إلى ما قبل 2019، بسبب وجود وعي جمعي بضرورة التغيير، إذ بإمكان هذه الجموع الغفيرة وخاصة الشباب البحث عن فضاءات أوسع وأرحب، بهدف تحقيق مطامح التغيير السياسي"، على حدّ قوله.

دور الإعلام

في خضم الاحتجاجات الشعبية والمسيرات التي جابت الجزائر في العام 2019، لعب الإعلام دورا ازدواجيا من حيث مخرجات الرّسالة الإعلامية والخِطاب المتداول خلال غليان الشارع، خاصة وأن الواقع السياسي آنذاك قدّم معطيات جديدة لم تكن في حسبان السلطة الحاكمة، أمام تحدي الذهاب لعهدة رئاسية خامسة.

اليوم أمام تبرئة المحكمة للمتهمين في قضية "التّآمر على الجيش"، يطرح الكثيرون سُؤالًا جوهريًا حول تماهي الإعلام الجزائري مع الأحداث، بل ووجد نفسه مرة أخرى في "مأزق حقيقي"، حسب تصريح الإعلامية إيمان عويمر لـ"الترا جزائر"، موضحة أن الاعلام اليوم بدأ يفقِدُ مصداقيته أمام الرأي العام، وأنّه قبل سنة من الآن "هاجمت القنوات التلفزيونية والصحافة المتورّطين الأساسين في قضية التآمر على الجيش، في عهد الراحل قائد الأركان السابق قايد صالح، دون الاكتفاء بإيراد الخبر فقط، بل تمادت بعض الوسائل الإعلامية في الهجوم على تلك الشخصيات، وها هي اليوم تتحدّث عن تبرأتهم من قِبَل المحكمة العسكرية، وكأن شيئًا لم يحدث".

وترى المتحدثة أن ما يجري في غرف الأخبار اليوم "يُثبِت ان الإعلام في الجزائر يخضع لتعليمات وهو في خدمة السّلطة دائما، ولا يملك هوامش للحرية في التعاطي مع الأحداث، ولا حتى جانب للمناورة" على حدّ تعبيرها.

كثيرة هي الثغرات التي يطرحها الإعلام في علاقته مع السّلطة أو في علاقته مع الحريات والديمقراطية بشكل عام، إذ يذهب الباحث في الإعلام الأستاذ مصطفى بلحية في حديثه عن أهمية تجاوب الإعلام مع الأحداث، والتفاعل معها، بمختلف القوالب الإعلامية، ويفسّر الأحداث "بطرح كل الأسئلة المتاحة من أجل توضيح الصورة والمشهد السياسي للمتلقي، ولا يمارس الإعلام من أحادية النظرة والاتجاه الواحد".

ويوضّح الباحث بلحية في تصريح لـ"الترا جزائر" أن هذا الأمر ينخرط في مهامه الأساسية، ولا يخرج عن وظيفته في تنوير الرأي العام، وإزالة اللبس عن ما حدث في هذه القضية بالذات"، متسائلا:" ماذا وقع بالضبط وهل يمكن أن نعيد شريط الأحداث للوراء لنتثبّت من الوقائع، وكيف سيتعاطى الإعلام مع هذه المستجدّات التي يمكن وصفها بـ"المتناقضة؟".

وبصورة أدقّ، قال: "نحن لا نتحدّث فقط عن المسألة كمضمون للخبر، ففي تلك المرحلة أي في 2019، لم تتوان القنوات التلفزيونية عن استضافة نخب هاجمت الرباعي المعني باجتماع "التآمر"، وهو ما كان يبدو أن القنوات الإعلامية تلقّت أوامر فوقية لفعل ذلك، فهل كنّا وقتها أمام مقتضيات مرحلة تطلبت تلك التغطية وذلك التعاطي الإعلامي مع الحدث؟".

من خلال هذه المستجدّات والأحداث المتغيرة بشكلٍ سريع، يبدو أن الإعلام لازال يُحارب من أجل ربح معركة الخدمة العمومية واحترام أخلاقيات المهنة، والانتصار لأدواره المجتمعية وحرّية التعبير، والاستفادة من فترة الحراك لتجاوز الفترة الماضية من حكم الرئيس السابق.

فتيحة زماموش

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك