الإعلام والإعدام كوسيلة قصاص ضد من سولت له نفسه تعنيف المرأة في الجزائر

IMG_87461-1300x866

حالة شيماء -19 سنة – التي تم الاعتداء الجنسي عليها وقتلها، ثم إحراق جثتها في العاصمة لم تكن الوحيدة، فقد تكلمت الصحافة في نهاية الأسبوع نفسه تقريبا عن حالة السيدة التي قتلها زوجها الكهل ببندقية صيد في إحدى المناطق الريفية في الشرق الجزائري. فتاة أخرى وجدت مقتولة ومفحمة الجثة في ولاية سطيف. حالات يتم الترويج الإعلامي لها من قبل مختلف الوسائط، تعطي الانطباع للمواطن الجزائري بانتشار كبير للعنف المسلط ضد المرأة تحديدا. في غياب إحصائيات رسمية طويلة المدى، تقيس لنا بشكل قطعي، مدى انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة داخل المجتمع الجزائري، التي ذكرت بصددها 39 حالة قتل منذ بداية السنة الحالية.

على الرغم من أن كل ما يملكه الجزائري من معطيات حول ظاهرة العنف بصفة عامة، وضد المرأة تحديدا هي إحصائيات مجزأة، قد تكون لفترة قصيرة – شهور-في أحسن الأحوال- تحاول قياس انتشار الظاهرة، بعد تسجيل حالات عنف تهز الرأي العام، كما هو حاصل هذه الأيام، لتسكت عنها بعد ذلك. الأهم من الإحصائيات ربما، التي يمكن الوصول إليها حتى ولو بشكل غير رسمي، هو غياب الدراسات العلمية الرصينة التي تتطرق للظاهرة بالبحث والتقصي، إذا استثنيا بعض الأطروحات الجامعية التي يشرف عليها الأساتذة، وينجزها الطلبة للحصول على شهادات التخرج، لنكون بذلك امام أحد نقائص الحالة الجزائرية، غياب البحث العلمي، لترشيد النقاشات الاجتماعية وتوجيهها.

في غياب الباحث والمتخصص، الذي احتكر الكلام عن ظاهرة العنف هو، الصحافي المبتدئ، من قسم التحقيقات، في اكثر من وسيلة إعلامية تخصصت في استغلال مثل هذه الظواهر للزيادة في عدد مشاهديها وقرائها، عن طريق استغلال حرقة العائلات، والأمهات تحديدا، للترويج للإعدام كعقوبة قصاص وحيدة، تقدم كحل جذري وسحري لكل المشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها المجتمع الجزائري، الإعدام كقصاص، الذي يجد الكثير من القوى السياسية المدافعة عنه، على غرار القوى الدينية والمحافظة ـ مثل العديد من التجارب الدولية التي ارتبط فيها الدفاع عن الإعدام بالقوى السياسية اليمينية – وهي تعتمد على قراءة دينية نصية، تجد قبولا كبيرا عند الكثير من الأوساط الاجتماعية الشعبية، التي بقيت بعيدة عن أفكار العصر، وقيمه الرافضة لعقوبة الإعدام، خاصة عندما يتعلق الأمر بجهاز قضائي مسيس، غير مستقل وغير مهني، كما يتبين في يوميات الجزائريين.

الترويج للإعدام كوسيلة قصاص، الذي لا يأخذ بعين الاعتبار تجربة الكثير من المجتمعات التي حاربت الجريمة من منابعها، وليس في تجلياتها الأخيرة، تمكنت من التخفيف منها بدرجات كبيرة، لكنها لم تقض عليها نهائيا، كما هو حاصل في مجتمعات أوروبا الشمالية، لا كما تفعل مجتمعاتنا التي تريد الانتقام من الجاني وإعادة نشر سلسلة العنف بإعدامه. مجتمعات تؤمن بأن العنف منتوج مجتمعي يفسر بظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية مركبة، يجب أن لا تختصر في الانتقام من الجاني، الذي قد يكون في الغالب ضحية، تعرض لعنف، يعيد إنتاجه في مرحلة ما من حياته، عندما تتوفر بعض الشروط، التي يجب البحث عنها للتحكم فيها. وضع انتبه له المشرع الجزائري، الذي علق تطبيق عقوبة الإعدام منذ بداية التسعينيات. بعد حادثة تفجير مطار العاصمة في صيف 1992. في عز الأزمة الأمنية والسياسية التي عاشها البلد، على الرغم من أن القضاء الجزائري ما زال ينطق بحكم الإعدام لحد الساعة، من دون أن تصل به الجرأة إلى إلغائه من قانون العقوبات الجزائري، كما يُطالب به الكثير من المؤسسات الحقوقية الدولية، وبعض القوى السياسية والاجتماعية المحسوبة على التيارات العصرية، بما فيها الحركة النسوية، حتى وهي تتضامن مع العائلات المفجوعة. قرار إلغاء النطق بإلغاء حكم الإعدام، الذي يتطلب شرعية مجتمعية، وبالتالي سياسية، لا يملكها النظام السياسي الجزائري، ولا أي نظام سياسي في المنطقة العربية، التي ما زالت تعيد انتاج العنف بأشكال متعددة من بينها النطق بحكم الإعدام من قبل قضاء مسيًس وغير مستقل.
يحصل كل هذا التركيز على الانتقام من الجاني، على الرغم من أن الكثير من المعطيات الاجتماعية والاقتصادية توضح بشكل لا لبس حوله، أننا أمام شروط مجتمعية غاية في الصعوبة والتعقيد، لا يمكن بأي حال إغفالها في قضايا العنف بصفة عامة، والعنف ضد المرأة تحديدا، وهي ترتبط بالاختطاف والاغتصاب الجنسي، كما بينته حالة شيماء المغدورة. كان الأجدر التعامل معها بجدية وبعد نظر، بدل الهرولة بالدعوة لتطبيق الإعدام على الجاني، الذي يجب معاقبته، على الرغم من ذلك على ما ارتكب حتى لا يسود منطق اللاعقاب داخل المجتمع الإنساني الذي لا يمكن تصور غياب كلي داخله لمستويات عنف مهما كانت بسيطة. فالضحية في هذه الحالة الذي نتكلم عنها – شيماء- تعرضت مرة أولى لاغتصاب جنسي من قبل من وعدها بالزواج. وعمرها لا يتجاوز 16 سنة، تسكن حيا قصديريا – عشوائيا. من عائلة فقيرة وأم مطلقة عاطلة عن العمل، وأب مزواج وغائب تماما عن المشهد، لم يظهر ولو مرة واحدة للكلام عن قتل وحرق ابنته التي تعرضت لاغتصاب ثان في غياب من كان يفترض حمايتها، باختصار نحن أمام مشهد كارثي على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، داخل ما يشبه المدينة التي تتكدس فيها أغلبية الجزائريين ـ وهم يعيشون تحولات من كل نوع، بعد انتقالهم السريع للعيش في هذه المدينة – الغابة التي اختفت فيها أشكال التضامن الريفي، التي تعودوا عليها، من دون أن ينتجوا قيم ومعاملات المجتمع العصري الذين يعيشون بعض مظاهره الخارجية.
مدينة – غابة، لا يقتصر العنف ضد المرأة والبنت على شوارعها وفضاءاتها العامة، بل داخل الفضاء العائلي والمدرسي، الذي تتعرض داخله البنت – والطفلة الصغيرة – إلى عنف متعدد الأشكال من أقرب الناس لها، كما يدل على ذلك الكثير من المعطيات الإحصائية، فالأب يعتدي والاخ يغتصب وزوج الأم يقوم بالشيء نفسه، وحتى المعلم والإمام. لم تفلت منه لا البنت المحجبة ولا السافرة. لا الكبيرة في السن ولا الصغيرة. ولا الطفل الصغير ولا المراهق. كدليل عن اضطراب مجتمعي في السلوكيات والقيم في حاجة إلى دراسة واتخاذ قرارات شجاعة متعددة الأوجه، يجب أن لا تختصر في ذلك الحل السحري، الإعدام.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. السميدع من القارة الاطلسية المغربية

    لا يا اخي ان القاتل يجب اعدامه و لا يجب خلق الاعذار و المبررات لان خلق الاعذار تجنبا لاعدام المجرمين هو من يزيد من استفحال الجريمة و انتشارها و لهذا يجب على الدول الاسلامية ان قبلت الديموقراطية فالتكن بتحفظ و لا تفرض على الشعوب الاسلامية القوانين الوضعية لانه ما يصلح للغرب ليس بالرورة يكون صالحا للمسلمين و لهذا الاعدام و لا غيره مع عدم التسرع لتكون الجريمة ثابتة في حق القاتل بعد سنة من البحث و قطع الشك باليقين كي لا ييظلم احدا.

الجزائر تايمز فيسبوك