الدستور الجزائري القديم الجديد نفس العيوب والتحديات

IMG_87461-1300x866

لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها أن تنظم حياتهم السياسية، وعمل مؤسساتهم وعلاقاتهم كمواطنين بدولتهم.

ما يحصل هذه الأيام مع الدستور الجديد، الذي دعا إليه الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون، يؤكد هذه الحقيقة التاريخية، التي تقول إن الدستور الجزائري، عادة ما يظهر للوجود في وقت الأزمة، بعيدا عن التوافق السياسي الذي يفترض أن يكون، مطعونا في شرعيته، كما حصل بالنسبة لأول دستور جزائري، مباشرة بعد استقلال البلاد عام 1963، الذي لم يصمد أكثر من ثلاث سنوات، ليتم تعليق العمل به بعد الانقلاب مباشرة.

دستور تمت مناقشته والمصادقة عليه، كما جاء على لسان عباس فرحات رئيس المجلس التأسيسي، في قاعة سينما، من قبل ما سمي في تلك الفترة بإطارات الحزب الواحد، بدل نواب المجلس التأسيسي المنتخبين شعبيا، كما كان تطالب به بعض القيادات السياسية، من أمثال حسين ايت أحمد. طريقة إعداد الدستور ومناقشته، التي بقيت كعقدة مستحكمة، أخلّت بشرعية النظام السياسي المنبثق عن مرحلة ما بعد الاستقلال، لتستمر معه إلى الآن.

ارتباط الأزمة السياسية، وحتى الأمنية بالدستور كان حاضرة في باقي المحطات السياسية، التي تم فيها اقتراح دساتير جديدة على الجزائريين، من قبل كل رئيس جديد، سواء تعلق الأمر بالرئيس بومدين 1976، أو الشاذلي 1989، أو اليامين زروال 1996، أو عبد المحيد تبون 2020. ليتفرد بوتفليقة باختراق الدستور والدوس عليه أكثر من مرة، بدون ان يقترح دستورا جديدا، كما فعل حين دعا إلى فتح العهدة للترشح، سمحت له بالبقاء على رأس السلطة لمدة عشرين سنة. لم يغادرها إلا تحت ضغط الحراك الشعبي في إبريل 2019. وهو تقريبا ما حصل مع الشاذلي بن جديد، الذي فرضت عليه الاستقالة في 1992، واليامين زروال وهو يقلص عهدته في أقل من سنتين، بعد إصداره لدستور 1996. أول درس تعلمه الجزائريون، من طريقة إعداد دساتيرهم، أنها منزوعة السيادة الشعبية. فآخر من يتدخل في إعداد الدستور هو الشعب، السيد صاحب الشرعية التأسيسية. كما كان الحال في كل المحطات السياسية، غياب للشعب يتم تعويضه بالمناضل الحزبي، أو البرلماني المشكوك في شرعية انتخابه، أو الخبير القانوني، ليكتفي المواطن بالمشاركة في استفتاء مطعون في نتيجته، كآخر محطة في إعداد الدستور، بعد إعلان نسب مشاركة عالية مبالغ فيها لا يصدقها حتى من أعلن عنها. ليكون الدرس الثاني أن الدستور عادة ما ينجز ويخرج للوجود في وقت الأزمة السياسية والأمنية التي تبرر ظهوره، ليكون اول ضحية لهذه الأزمة، التي لن يصمد أمامها في الغالب طويلا، كما حصل في أكثر من محطة تاريخية. كان هذا مصير دستور 1989 ودستور 1963 قبله. في الحالتين انتهى الأمر بانقلاب عسكري، أو ما يشبه الحرب الأهلية.

ما يحصل هذه الأيام مع دستور الرئيس تبون، يعيد تذكير الجزائريين بكل هذه الحقائق، فالرئيس هو الذي اقترح الدستور الجديد كتعهد انتخابي، بعد الحراك الشعبي، الذي طالب بمسار انتقالي آخر مختلف عما جاء به اقتراح الرئيس، الذي لم يكن محظوظا، منذ بداية عهدته، التي صادفته فيها الازمة المالية، وجائحة كورونا، واستمرار الأزمة السياسية، التي لم تبرح النظام السياسي لتظهر على شكل تخبط في الأداء السياسي، أثر في طريقة اخراج هذا النص القانوني. ليلجأ الرئيس إلى الثقافة السياسية نفسها في إعداد دستور، عن طريق لجنة خبراء هي التي أعدت نص الوثيقة، في غياب أي تمثيل شعبي. عيوب إعداد الدستور والمصادقة عليه، لم تكتف بهذا، بل زادت عليها هذه المرة غياب النقاش الاجتماعي، الذي كان حاضرا في محطات تاريخية سابقة، بحجة الوضعية الصحية أساسا، تم الاكتفاء فيها بتوزيع محدود لنسخ من مسودة الوثيقة على الأحزاب والجمعيات والمنظمات الاجتماعية وبعض الشخصيات، ليتم أخيرا تمريره بشكل غريب أمام البرلمان، الذي عاش خلال هذه الفترة فضيحة بيع المقاعد البرلمانية، بعد تصريحات نائب رئيس المجلس الوطني الأسبق، المسجون حاليا، بهاء الدين طليبة، سفّهت تماما، انتخابات 2017 التي كانت وراء هذا البرلمان، وألغت كل شرعية له. مصادقة تمت في يوم واحد، بدون نقاش، اكتفى فيه البرلمان بالاستماع الى رؤساء الكتل الحزبية، وتقرير لجنة برلمانية واحدة، ليصوت على النص بشبه إجماع، كما جرت العادة في البرلمان الجزائري، الذي كان قد صوت في 2008 على اقتراح تمديد العهدة التي طالب به بوتفليقة لنفسه، بدون أن يحضر للجلسة، واكتفى برسالة وجهها للبرلمانيين، الذين صادقوا على الاقتراح. تعديل كان التمهيد القانوني للأزمة التي عاشتها الجزائر، دفع بالمواطن للخروج للشارع في 2019، لإبعاد بوتفليقة من الحكم الذي رفض مغادرته منذ وصوله إليه في 1999.

زيادة على تلك المشاكل في طريقة إعداد الدستور والمصادقة عليها، كرّر دستور تبون 2020 إعادة إنتاج عيوب الدساتير القديمة نفسها، التي غلبت السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وألّهت الفرد على حساب المؤسسة، التي لم تعد مصدرا لصناعة القرار، ومنحت صلاحيات فرعونية لرئيس الجمهورية. وكأن صاحب القرار الذي أعدً هذا الدستور، لا يريد أن يستخلص دروس التجربة السياسية القريبة التي كادت أن تودي بالبلاد إلى كارثة. دستور يبدو الكثير من مؤشرات رفضه عند من يدافعون عن مسار تأسيسي، وفصل للسلطات، ومنح حريات أكبر للجزائريين والجزائريات، بعد معاناة طويلة مع القهر، تكون قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وليس نصا تعود القانون على تقييده والحد منه، لتلغيه الممارسة الفعلية على أرض الواقع.

زيادة على أصحاب هذا التيار من الرافضين للمسعى الرسمي في إعداد الدستور وفي محتواه، تطور الأمر هذه المرة إلى التيارات المحافظة، التي تعودت على القراءة الأيديولوجية والثقافوية للحياة السياسية، وهي تعلن عدم رضاها عما جاء في الدستور من دسترة اللغة الأمازيغية، عكس موقفها المؤيد لانتخاب الرئيس تبون الذي دافعت عنه كمحطة من مسار سياسي، لتكون النتيجة السياسية عدم الرضا عن هذا الدستور من الطرفين، مما يهدد عملية الاستفتاء ذاتها التي قد تعرف نسب مشاركة ضعيفة، رغم التأييد الذي قد يجده هذا الدستور المقترح من بعض القوى، التي قد ترى فيه خطوة إلى الأمام في الخروج من الأزمة، مهما كانت جديتها، وهو موقف الكثير من القوى التي كانت قريبة من السلطة في كل العهود، وما زالت.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. boukedboune la machine a recycler les déchets de Bouteflika et ses marionnettes désarticulés par ses multiples bidouillages et une fois qu'il a fait le tour il va remettre ould Abbes dans le circuit et on va finir par l'appeler Abdelmajid la bricole

الجزائر تايمز فيسبوك