في الليلة الظلماء يُفتقد البدر الأمريكي

IMG_87461-1300x866

تغلّب فيروس كورونا على العالم بسهولة وسرعة. هناك تفسير لهذه الهزيمة الشنيعة التي نعيشها جميعا: العالم تصرف منفردا، فسقطت المجتمعات الواحد تلو الآخر.
طغت الـ«أنا» على الـ«نحن»، وسارعت الدول إلى تعليق صادراتها ووارداتها وغلق حدودها في وجه الآخر. اختفت الاستشارات التقليدية، حتى الشكلية، التي كان يسارع إليها قادة العالم ومؤسساته في أزمات أصغر من هذه ألف مرة، وحلت بدلها الانعزالية والفردانية، والإخفاقات، كنتيجة حتمية.
لكن النصيب الأكبر من الإخفاق واللامسؤولية يتحمله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إذا اتسع نطاق وباء كورونا وحصد ملايين الأرواح، فالمسؤولية الأكبر يتحملها ترامب: المسؤولية السياسية والأخلاقية والعلمية وربما الجنائية.
كان في استطاعة الولايات المتحدة أن تفعل الكثير لصد الوباء. أقل المطلوب منها كان الاستماع لتجارب الدول الأخرى والمجتمعات، ثم التعلم منها وقيادة العالم نحو وضع أقل خطورة.
هذا كله لم يحدث. ما حدث هو العكس تماما. عندما «وصلت الحرارة» إلى عقر داره، اختار ترامب أسهل الحلول لكن أكثرها غباءً وكلفة: غلق الولايات المتحدة في وجه العالم ووجه الأوروبيين، أقرب حلفاء بلاده، حتى من دون إبلاغهم بالأمر!
تصرفَ ترامب بذهنية منحرفة وباستهتار سياسي نادر. تصرفَ بعقلية انتقامية لأنه كان يعتقد أن بلاده بعيدة عن الوباء أو كفيلة بالتغلب عليه بمفردها. قراره ذاك، غير المسؤول وغير الضروري، ضرب أسواق المال والاقتصاد العالمي في مقتل.
كان يُفترض، فيه كرجل أعمال أولاً، أن يدرك أن مجرد التفوه بذلك القرار وسط تلك الظروف العصيبة سيُحدِث زلزالا. وهو ما حدث فعلا إذ اقترب الاقتصاد العالمي من الانهيار، وخسر أناسٌ وظائفهم ورواتبهم وغابت الثقة في المؤسسات، من دون أن يستفيد ترامب وأمريكا شيئا. ناهيك عن العالم الذي تضاعفت أوجاعه ومعاناته، ليس من غلق المطارات الأمريكية (مَن سيفكر في السفر حتى لو بقيت المطارات مفتوحة؟) بل من تداعيات ذلك القرار الأحمق وأبعاده الاقتصادية والمالية في عالم هشّ تتأثر أسواقه سلبا بتصريح من هنا أو من هناك.
كان في إمكان ترامب أن ينفّذ القرار والسياسة نفسهما بذكاء وهدوء ومن دون تهريج. لكن فاقد الشيء لا يعطيه. كان بإمكانه أن يمنع دخول من يشاء ويقلص بشدة عدد الرحلات التي تصل أمريكا من أوروبا، ومن غير أوروبا، من دون أن يصرخ كما فعل في ذلك اليوم المشؤوم ويتسبب في كوارث لبلاده وللغير. أخطر من كل هذه التداعيات والاضطرابات التي يتسبب فيها ترامب يوميا، مُضيّه في هذا الطريق الأعوج مدفوعا بإيمان خاطئ بأن بلاده تستطيع بمفردها السيطرة على الوباء وإعادة الحياة إلى طبيعتها.

لم يكتف الرئيس الأمريكي بأخطاء استراتيجية يرتكبها الواحد تلو الآخر، فقاد نفسه إلى حروب هامشية مع صحافيين ومراسلين، ليس هذا توقيتها على الإطلاق، وحرب دبلوماسية وكلامية مع الصين بلا داع وبلا طائل.
لا تفسير للإصرار على تسمية «فيروس كورونا» بـ» الفيروس الصيني» سوى أنه غرور وجهل سيُعيي صاحبه.
هذه الانحرافات لا تقل خطورة على العالم من الفيروس ذاته.
العالم اليوم بحاجة إلى أمرين عاجلين: الأول قيادة عاقلة ورشيدة ومسؤولة، جماعية أو فردية. والثاني عمل جماعي يبدأ فورا، بترامب أو من دونه، يشترك فيه رجال السياسة والحكم وأوساط المال والاقتصاد والمؤسسات الأمنية والخدمات الطبية والجهات العلمية.
القيادة الرشيدة تتوقف عن التعاطي العبثي مع الكارثة التي يعيشها العالم. وتُجبر مَن يهوون هذه التصرفات، كالرئيس ترمب، على إبداء قليل من الإنسانية والجدية. أما المشاورات والعمل الجماعي فمن شأنه أن يعيد ثقة الناس في المؤسسات وفي الإنسانية، كمكسب معنوي في الدرجة الأولى، ثم العمل باتجاه تخفيف المعاناة وتحقيق المكاسب الميدانية والمادية.
من دون هذا التعاون، الأكثر من ضروري، أتساءل مثلا كيف ستستعيد أوروبا ثقة الإيطاليين المساكين أو الإسبان في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله بعد أن خذلتهم في أحلك الظروف وتركتهم لمصيرهم المشؤوم.
العالم بحاجة إلى التوجه نحو الصين للاطمئنان عليها والتعلم منها. وبحاجة إلى التوجه إلى إيطاليا ومواساتها، وإلى إيران وتعليق العقوبات المفروضة عليها لأن استمرارها في هذه الظروف المأساوية، لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة. وبحاجة إلى تذكّر إفريقيا التي ستموت عن بكرة أبيها لو تسرب إليها الفيروس بالوحشية التي تسرب بها إلى أوروبا.
أخطأت الصين في البداية عندما قللت من خطورة الفيروس وتعالت على مساعدات مقترحة من منظمة الصحة العالمية. لكنها نهضت من رمادها ولقّنت العالم درسا في الانضباط والصرامة. بدل الاستمرار في شتمها و«معايرتها» بالفيروس، سيقدم ترامب خدمة أفضل لشعبه لو استفاد من تجربتها.
تهاوَنَ النظام الحاكم في إيران مع الفيروس في البداية، لكن الذي يدفع الثمن اليوم ملايين الإيرانيين يحبون الحياة ويتمسكون بها مثل الأمريكيين والأوروبيين وأكثر.
تركت إيطاليا الأمور تفلت من بين يديها باستخفاف في البداية، لكنها اليوم تبذل قصارى جهدها، وحيدة، لاستعادة زمام الأمور، والعالم يتفرج.
من أجل هذا كله يحتاج العالم إلى زعامة رشيدة ومسؤولة، لا يستطيع ترامب أن يوفرها لأنه لا يعرفها. من دون هذه الزعامة والعمل المشترك الصادق، سيذهب عمل الدول منفردة هباءً منثورا مهما أنفقت من مال وجهد. وسيكون التغلب على الفيروس في بلد بمفرده، أو جزء من العالم دون الأجزاء الأخرى، نصرا مؤقتا ومحدودا.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. Mounir Idba

    السلام عليكم في رأي المتواضع يوجد رجل واحد وهو ملك المغرب محمد السادس الذي اأبان عن حنكته وحبه لوطنه وشعبه وجاليته وضيوفه شكرا لك ياملكي شكرا لك على حماية اسرتي وعائلتي واصدقائي واخواني والله. من كل اعماقي

  2. الحرب العالمية الثالثة

    مقال رائع تبدو فيه حسرة الكاتب على الواقع واضحة ولكن للنظر للأمر ببصيرة، فما يحدث الآن هو الغاية والوسيلة معا. فانعزال أمريكا يضعف شريكها القادم او المحتمل أو لنقل الفعلي، وما يخسره الصينييون اكبر بكثير من اي دولة أخرى في العالم. فمهما عاد السير في اوهان فهو سير شخص ضائع في مقبرة كبيرة لا يعرف مدخلها ولا مخرجها ولا حتى أسماء ساكن القبور ! الصين ضربت الصين غدرت الصين خسرت الصين انتهت !

  3. BOUKNADEL

    LA SITUATI0N AUX USA S’AGRAFE DE PLUS EN PLUS ET CHAQUE JOUR APP ORTE S  LOT DE DIZAINES DE CAS DE PERS0NNES C0NFIRMÉES ATTEINTES DE C OR0NAVIRUS DES CENTAINES DE M ORTS DÉJÀ DE DÉCLARÉS A TRAVERS LE PAYS DEPUIS LE DÉBUT D'APPARITI0N DE CE VIRUS RAVAGEUR AUX USA . APPAREMMENT POUR Mr TRUMP, SAUVER L'EC0NOMIE DU PAYS D0NT SES INTÉRÊTS PERS0NNELS BIEN ÉVIDEMENT , SERAIT PRIM ORDIALE PLUS QUE TOUT. TOUJOURS DANS SES SPEECHS QUOTIDIENS Mr TRUMP CHERCHERAIT A MINIMISER LES RISQUES DE RAVAGE QUE POURRAIT CA USER CETTE P ANDÉMIE INC0NTRÔLABLE A S0N PAYS. Mr TRUMP ESPÈRE VOIR LA FIN DU C0NFINEMENT AVOIR LIEU LE 12 AVRIL ,SEL0N LUI ,D 'ICI LA 0N POURRAIT VAINCRE CE TERRIBLE VIRUS A TRAVERS UN VACCIN EFFICACE CAPABLE ANÉANTIR CETTE BÊTE RAVAGE USE . UN VŒU PIEUX PEUT ETRE DU FAIT QUE CE FLÉAU DE C OR0NAVIRUS INC0NNU JUSQU' A AUJOURD 'HUI DE NOS SCIENTIFIQUES SPÉCIALISÉS DANS LA RECHERCHE, S'EST M0NTRE RAVAGEUR EN CHINE ,EN ITALIE,EN FRANCE ET AILLEURS DANS LE M0NDE. . IL FAUDRAIT PRENDRE TRÈS AU SÉRIEUX CE FLÉAU DE C OR0NAVIRUS QUI SÉVIT DANS LE M0NDE ENTIER ET QUI AVAIT DÉBUTÉ EN CHINE OU IL A FAIT DES RAVAGES ET QUI CES DERNIERS TEMPS CA USE CHAQUE JOUR LA M ORT DE CENTAINES DE PERS0NNES EN ITALIE ET CA C0NTINUE DE FAUCHER DES VIES HUMAINES CHAQUE JOUR MALHEURE USEMENT DANS CE PAYS EUROPÉEN PRIS DE COURT PAR CE FLÉAU DÉVASTATEUR IMPRÉVU ET AUQUEL LE PAYS NE S’ÉTAIT PAS PRÉPARÉ. . UNE ATTITUDE DE Mr TRUMP S'IL TIENT A ENCOURAGER A METTRE FIN AU C0NFINEMENT D'ICI LE 12 AVRIL,AL ORS QUE LE C OR0NAVIRUS C0NTINUE DE SÉVIR DE FAÇ0N SÉVÈRE DANS S0N PAYS, SERAIT UNE DECISI0N HASARDE USE QUI SERAIT JUGÉE INAPPROPRIÉE ET DESASTRE USE EN CETTE PÉRIODE DANGERE USE CRITIQUE ET A HAUT RISQUE QUE TRAVERSE S0N PAYS , UNE AVENTURE A HAUT RISQUE QUI POURRAIT APP ORTER S0N LOT  ANT DE M ORTS PAR C OR0NAVIRUS. LA LEVÉE DU C0NFINEMENT GÉNÉRAL ,SI ELLE EST ADOPTÉE DANS CE PAYS AVANT LA DISPARITI0N COMPLÈTE DE CE M0NSTRE FLÉAU DE VIRUS M ORTEL, POURRAIT C0NSTITUER UNE CATASTROPHE INCOMMENSURABLE DE GR ANDE ENVERGURE AUX C0N SEQUENCES INCALCULABLES POUR LES USA DE TRUMP. QUE DIEU SAUVE L'AMERIQUE ET LE M0NDE ENTIER DU DÉSASTRE DE CE VIRUS DÉVASTATEUR.

الجزائر تايمز فيسبوك