حالة الجزائر نقاط القوة والضعف في مواجهة كورونا

IMG_87461-1300x866

رغم أن جائحة كورونا واحدة إلا أن طرق التعامل معها كثقافة ومجتمع مختلفة، كما القدرة على التغلب عليها ومقاومتها. اعتمادا على إمكانيات اجتماعية وتنظيمية ومالية – لا تقتصر فقط على الجوانب الصحية – لا تتشابه بين أي حالة وطنية وأخرى.
الحالة الجزائرية تخبرنا أن تطورا نوعيا مهما في التعامل مع الوباء قد انطلق شعبيا ورسميا، بعد انتقال الوباء من الصين البعيدة إلى أوروبا القريبة، فقد استهان المواطن الجزائري، وشكك في خطورة كورونا عندما كانت الأمور متعلقة بالصين البعيدة، رغم حضور يد عاملة صينية كثيرة بالبلد، لكن التخوف بدأ بمجرد وصول الوباء إلى إيطاليا وفرنسا، خاصة وهو يكتشف أن أول حالة كورونا معلن عنها في الجزائر كانت لإيطالي يشتغل في البترول في الصحراء الجزائرية. في حين كانت الحالة الثانية لمهندس إيراني يعمل في ولاية أدرار توفي بدون أن يتمكن من المغادرة، كما فعل زميله الإيطالي.
نحن إذن أمام عولمة قاتلة هذه المرة، بواسطة قطاع النفط، الذي يربط جنوب الجزائر ضعيف الكثافة الديموغرافية بالعالم، مثل شمالها المربوط مباشرة بأوروبا، عن طريق شبكة نقل جوي وبحري كثيفة، تضمن سيولة بشرية عالية بين ضفتي المتوسط. هذا الوضع الذي يفسر كيف كانت الحالة الأولى لوباء كورونا بين الجزائريين في ولاية البليدة، بالقرب من العاصمة، دخلت مع معمر جزائري مقيم في فرنسا نشر الفيروس بين عائلته وأقربائه بعد حضوره لزفاف أحد معارفه. ليعلن عن اكتشاف الحالة في فرنسا بعد عودته من عطلته. لتكتشف السلطات لاحقا أنها تستطيع غلق الجامعة بسهولة، لكنها لا تقدر على غلق قاعات الأفراح التي تصر عليها العائلة الجزائرية بشكل جنوني، كما حصل في عنابة الأسبوع الماضي. مدينة معروفة بشغف نسائها بامتلاك الذهب والتزين المبالغ به، في مثل هذه المناسبات، لدرجه أن العنابية قد تفضل الطلاق، إذا منعت من الذهاب إلى عرس، تستعرض فيه ذهبها على صديقاتها ومعارفها.

المقهى بالنسبة للرجل الجزائري من الأماكن، التي ستجد السلطات صعوبات في فرض الحجر الصحي عليها، حتى بعد أن استطاعت الإعلان عن غلق المساجد وتعطيل صلاة الجمعة، التي تقبلها المواطن الجزائري ورفضتها بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الديني، في مناكفة سياسية ـ دينية واضحة، في مجتمع مازال يفضل فيه الرجل المكوث بالساعات في المقاهي يوميا، على البقاء في المنزل. وهو ما سيزيد حتما من صعوبات فرض الحجر الصحي بين أبناء ثقافة مازالت تصر على أن الفضاء الخاص ـ المنزل للمرأة والأطفال والفضاء العام للرجل، داخل مدينة، تسكنها غالبية الجزائريين، تقلصت فيها بشكل كبير الخدمات كالمطاعم والمسارح ودور السينما، لم يبق فيها إلا المقهى الشعبي وقاعات الشاي للبنات، كفضاء مسموح لهن فيه بالتدخين في مجتمع مازالت فيه المرأة تختفي لكي تدخن سيجارتها. وهو ما عبر عنه المواطن الجزائري بالنكتة والصورة هذه الأيام، بعد الإعلان عن نوع من الحجر الصحي سينطلق بشكل أكثر جدية بداية هذا الأسبوع، اكتشف أثناءه الجزائريون شقاء زوجاتهم وشقاوة أبنائهم، ليعود البعض إلى المطالعة ومشاهد الأفلام بكثافة، لم تكن معروفة لديهم، داخل هذا المجتمع، الذي عانى كثيرا من أزمة السكن، وضيق المساكن وقلة القراءة. رغم انتشار التعليم في العقود الأخيرة.
مصادر قوة أكيدة يمتلكها المجتمع الجزائري في مواجهة وباء كورونا، قد لا يكون من بينها هذه الثقافة المصرة على القرب الاجتماعي، التي تعبر عن نفسها بالإكثار من اللقاءات العامة، واحتكاك جسدي يظهر عند الجزائري قبل الجزائرية بالإكثار من البوس والعناق، لمن يعرفه ولا يعرفه، كثقافة متوسطية مشتركة مع الإيطالي وليس الصيني. أكيد أن الهشاشة والضعف التي يعيشها قطاع الصحة، ليست من نقاط القوة، كذلك التي يمكن أن تجندها الجزائر في مواجهة انتشار الوباء الذي أعلن هذا الأسبوع عن دخول البلد مستواه الثالث المقلق، بنسبة وفيات عالية تحتل بها الجزائر المرتبة الأولى دوليا، حسبما أعلن حتى الآن من معطيات دولية مقارنة، في مجتمع شاب يتميز بوضع صحي معقول، عكس المجتمعات الأوروبية الهرمة. قطاع صحي هش وغير فعال في الأوقات العادية، سيكون نقطة الضعف الأساسية في الحالة الجزائرية، حتى بعد الاستنجاد بإمكانيات الجيش، التي لم تسخر لحد الساعة، ليبقى عدم الثقة في النخب الرسمية وخطابها ووسائطها الإعلامية، من نقاط الضعف الأساسية في الحالة الجزائرية، وعدم ثقة عبرت عن نفسها في نوع من التكفل الذاتي الذي يقوم به المجتمع، بدون انتظار تدخل السلطات العمومية، التي عبرت عن الكثير من التردد في اتخاذ قرارات جريئة حتى الآن، قد تكلف الجزائريين غاليا في مواجهة هذا الوباء الخطير.
وضع يفسر كيف قرر المواطنون تعليق المسيرات الشعبية ليومي الجمعة والثلاثاء، بدون انتظار خطاب الرئيس، الذي تأخر في الظهور، كتعبير عن قدرات الحراك الشعبي التنظيمية المستقلة، بالذكاء الجماعي، الذي عبّر عنه منذ انطلاقه، واستمر من خلال الكثير من المبادرات الشعبية اليومية التي ينجزها الشباب في مدنهم وأحيائهم التي يسكنونها. لم يعد واردا، كما كان الحال في السابق، الهروب منها والتوجه نحو القرية ـ البلاد، كما كان يحصل تاريخيا. على العكس فقد عاد الفرد إلى حدود الدولة الوطنية، بعد بروز هذه الموجة من العولمة القاتلة، التي كشّرت عن نفسها بواسطة جائحة كورونا التي أعادت الاعتبار إلى الحدود الوطنية، والقدرات الوطنية من كل نوع. عبّر عنها الجزائري المقيم في الخارج بعودة قوية لأرض الوطن في هذه الأيام الحزينة، وهو يعلم وضع البلد الاقتصادي والمالي، الذي لن يكون بكل تأكيد من نقاط قوة الحالة الجزائرية في التعامل مع الوباء، بعد التدهور الكبير في أسعار النفط، وبالتالي المداخيل المالية للبلد، الذي كان أحد تداعيات انتشار الفيروس دوليا، رغم خطاب التطمين الذي مازالت تصر عليه السلطة، مقابل المطالبة بالانتقال إلى مستوى أعلى في التجنيد التي يطالب بها أخصائيو الصحة والكثير من الناشطين، قبل فوات الأوان، وإعادة تكرار السيناريو الإيطالي المجنون.
ونحن نعيش على المباشر دروسا كثيرة في التعامل مع هذا الوباء مختلفة بين شعب وآخر، يفرض علينا الانتباه إلى نقاط ضعفنا الكثيرة، ونقاط قوتنا الحاضرة، على رأسها قدرات شعبنا وتجنيد شبابه، القادر على خلق المعجزات، إذا عرفنا كيف نتعامل معه ونقنعه في هذه الأوقات الصعبة.
كاتب جزائري

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. تقوم العقلية العسكرية الجزائرية على فكرة أن الجيش هو الضامن لأمن وسلامة البلاد ولسير العملية السياسية، بل والجيش ورث البلاد وهو صاحبها ومالكها، وأن الحكومات شبه المدنية التي يضعها من حين لآخر إنما يضعها ليثبت أنها غير قادرة على إدارة الدولة. الأمر الذي يعطي الجنرالات الحق في التدخل السياسي، ومسايرة شأن البلاد والهيمنة على اقتصادها ومواردها الطبيعية. وأكثر من ذلك مباشرة ممارسات إجرامية تتجلى في صنع والاتجار في المخدرات والبشر والسلاح بشكل مفضوح. هكذا ارتأى الجيش أن يدير البلاد تارة بشكل مباشر، وتارة من وراء الكواليس، وأظهر أن انخراطه في الحياة السياسية عبء ثقيل عليه، وأن التزامه أخلاقي، وتكليف لا تشريف، والحقيقة غير ذلك تماماً. لا يخفى على أحد أن الرؤساء المتعاقبين على حكم البلاد كهواري بومدين والشاذلي بن جديد واليمين زروال، كانوا وزراء دفاع قبل أن يتسلموا مناصب الرئاسة. هكذا شعب الجزائر كُتب عليه أن يتيه في فلك تلك الحلقة المفرغة، فكان عليه إما أن يستسلم جبراً، للإدارة العسكرية الاستبدادية أو لإدارة مدنية معينة من طرف العسكر تسير على هواه، يراد لها أن تفشل في إدارة البلاد، لتبقى ذريعة التدخل العسكري قائمة. فقد كان أحمد بن بلة أول رئيس للدولة، وقد حظي بمطلق الدعم من الرجل العسكري الأول في الجيش الوطني بومدين، الذي انقلب بعد ذلك على بن بله، وبقي بومدين محكماً قبضته على السلطة إلى أن توفي عام 1978. وبموت بومدين، تم انتخاب الشاذلي بن جديد بالإجماع. وفي فترة حكمه شهدت الجزائر حياة حزبية وسياسية، لم تعرفها قبل ذلك، فبرزت العديد من الأحزاب السياسية، كان أهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي فازت عام 1990. وقتئذ، تدخل الجيش، وقلب الطاولة برفضه نتائج الانتخابات، فأُعلنت حالة الطوارئ وعادت الدبابات إلى الشوارع، فاستقال بن جديد عام 1992 ليبقى الجيش. اندلعت الحرب الأهلية الجزائرية، أو ما عُرف بالعشرية السوداء. وفي محاولة لاحتواء السخط العام، جاء الجنرالات بمحمد بوضياف كخليفة لبن جديد، ولكن وفي 29 يونيو/حزيران 1992 أي بعد 116 يوم فقط من حكمه للجزائر تمت تصفيته، من طرف جنرالات الجيش، وجهاز المخابرات العسكرية. وفي عام 1993 تم تعيين اليمين زروال وزيراً للدفاع، وفي 30 يناير/كانون الثاني من عام 1994 تم تعيينه رئيساً للدولة، لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، فتح فيها قنوات للتفاوض والحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلا أنها باءت بالفشل، فأمر الجيش اليمين زروال بتنحيه عن الحكم وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة عام 1999، والتي جاءت بعبد العزيز بوتفليقة والذي حصل على 74% من الأصوات، وكان هو المرشح الذي نال دعم المؤسسة العسكرية، وتعاونوا على تخريب البلاد ودمارها ليأتي الجيش بعد ذلك بشخص مرفوض من طرف الشعب خادما أمينا لسياسة الجيش.

الجزائر تايمز فيسبوك