العالم قبل كورونا لن يكون كما بعده

IMG_87461-1300x866

العالم قبل كورونا لن يكون كما بعده. ولا ننسى أن إرهاصات العالم الجديد، أو لنقل النظام العالمي المقبل، كانت قد بدأت أصلاً قبل ظهور فيروس كورونا الذي وضع العالم أجمع على المحك وأظهر نقاط ضعف البعض ونقاط قوة البعض الآخر. لا نريد أن نقول أبداً إن جائحة كورونا لها دوافع سياسية أو استراتيجية أو اقتصادية، لكن الفترة التي سبقت الجائحة اتسمت بكثير من التوتر والصراع الخفي بين أمريكا والصين على قيادة العالم. يكفي أن نتذكر الضجة التي رافقت الخلاف الأمريكي الصيني حول شركة هواوي الصينية لتكنولوجيا الاتصالات قبل أشهر، فقد وصل الأمر بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الضغط على الأوربيين والبريطانيين خاصة كي يمتنعوا عن شراء الموبايلات الصينية وخاصة هواوي، وعدم التفكير باستخدام تقنيات الاتصالات والتواصل الصينية الجديدة. ثم عاد وزير الخارجية الأمريكي قبل فترة وضغط على البريطانيين في القضية نفسها.
وكيف ننسى أيضاً أن ترامب أصدر أوامره لشركة غوغل الأمريكية العملاقة بالتوقف عن تزويد موبايلات هواوي الصينية بنظام تشغيل أندرويد. وفعلاً توقفت غوغل فوراً، وأصبح مقتنو أجهزة هواوي غير قادرين على استخدام تطبيقات أندرويد. وترافقت تلك الأزمة الصينية الأمريكية وقتها مع اعتقال كندا لابنة صاحب شركة هواوي في محاولة للضغط وشيطنة الشركة الصينية العملاقة التي بدأت موبايلاتها تنافس بقوة أجهزة آبل الأمريكية الشهيرة. وقد وصل الأمر بالمسؤولين الصينيين إلى السخرية من موبايل آبل عندما طلبوا من الرئيس الأمريكي ترامب بأن يستبدل موبايله الأمريكي بموبايل هواوي لأنه غير قابل للاختراق. طبعاً من السخف الاستهانة بهذه التعليقات الصينية والردود الأمريكية عليها، فهي ليست مجرد مناكفات صبيانية، بل هي مؤشر على الصراع المحتدم بين الصين وأمريكا على قيادة العالم اقتصادياً وتكنولوجياً.

وقبل وباء كورونا كانت أمريكا تعلم علم اليقين أن الاقتصاد الصيني الصاعد بقوة الصاروخ سيزيحها عاجلاً أو آجلاً عن عرش العالم الاقتصادي والمالي، فالنمو الاقتصادي الأمريكي لا يزيد عن اثنين في المئة منذ زمن بينما معدل النمو الصيني وصل قبل مدة إلى ثلاثة عشر في المئة ثم انخفض إلى ثمانية في المئة والآن استقر على ستة في المئة. بعبارة أخرى، فإن الاقتصاد الصيني ينمو بمعدل ثلاثة أضعاف الاقتصاد الأمريكي. ولو استمر هذا النمو لعشرة أعوام فقط فهذا يعني أن الصين ستكون صاحبة أكبر ناتج إجمالي قومي في العالم، بينما ستتراجع أمريكا إلى المرتبة الثانية. وقد جاءت جائحة كورونا الآن لتزيد مخاوف أمريكا من النهوض الصيني العظيم. ماذا لو تمكنت الصين من إنتاج لقاح ناجع لفيروس كورونا أفضل من اللقاح الأمريكي وبسعر تنافسي جداً؟ ألم يتوسل الرئيس الأمريكي العلماء الألمان قبل أيام لبيعه لقاحاً ألمانياً بدأت تطوره صناعات الدواء الألمانية؟ ألا يريد ترامب من خلال احتكار اللقاحات الإبقاء على الريادة الطبية والدوائية في الأيدي الأمريكية؟ ماذا لو نافسه الصينيون في هذا المجال وسحبوا البساط من تحت أمريكا وصارت الراية العلمية في الصين بدلاً من أمريكا؟
واضح تماماً أن الصينيين بدأوا يتخلون عن التكنولوجيا الأمريكية، بدليل أنهم استعاضوا عن نظام أندرويد لتشغيل موبايل هواوي بنظام تشغيل صيني جديد ينافس غوغل؟ وحتى في الجانب الطبي والدوائي، بدأت الشركات الدوائية الصينية تعمل على إنتاج عقار لمعالجة فيروس كورونا بعيداً عن الاحتكار الأمريكي. وهذا يشكل أكبر تحد للريادة الأمريكية منذ عقود.
ولا ننسى أن الصين لم تبدأ بعد بإنتاج السلاح على نطاق واسع، وبالتالي فإن أمريكا قد تبدأ بمواجهة الصين على الصعيد العسكري قريباً. وهذا يدعونا إلى التساؤل: من سيخرج منتصراً من جائحة كورونا؟ ألا يمكن أن يكون الوباء العالمي مقدمة لتغيير موازين القوى في العالم؟ هل سمعتم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش قبل أيام وهو يشن هجوماً غير مسبوق على الاتحاد الأوروبي وأمريكا بعد أن خذله الغرب في محنة كورونا؟ ألم يقل الرئيس الصربي حرفياً إننا بدأنا نفكر جدياً بالاعتماد على التعاون والشراكة مع الصين بدل الغرب؟ ولا ننسى أنه يتحدث من قلب أوروبا. ولا شك أن الاستراتيجيين يعرفون أكثر من غيرهم خطورة التصريحات الصربية في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ العالم. ولا ننسى أيضاً أن أمريكا والاتحاد الأوروبي خذلا أيضاً إيطاليا العضو البارز في الاتحاد في محنة كورونا، وقد شاهدنا كيف هرعت الصين لمساعدة إيطاليا لمكافحة الوباء وأرسلت فرقاً متخصصة ساهمت في وقف الوباء في يوهان الصينية. وهذا بدوره يؤشر إلى أن جائحة كورونا تصب في صالح الصين وتشير إلى صعود الصين وتراجع الغرب في وقت الأزمات والكوارث العالمية. وقد شاهدنا كيف نجحت الصين في محاصرة الوباء بجهود جبارة وتنظيم والتزام وصرامة لم نجدها لا في أوروبا ولا في أمريكا.
هل سيبقى العالم كما كان بعد أزمة كورونا أم إننا مقبلون على نظام عالمي جديد لا نقول بقيادة الصين، بل على الأقل بمشاركة الصين وغيرها من القوى الصاعدة بعد أن ظلت مقاليد النظام الدولي في أيدي الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي؟

د. فيصل القاسم

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. من كان يتوقع أنه سيأتي يوم يناقش فيه الإنسان موضوع مَن منَّا سنَتَخَلَّى عنه ؟ ومن سنَتركه يواجه مصيره، وهلاكه ؟ من منا سيكون له سرير ومن سيُحْرَم منه ؟ ومن منا سيُخَصَّص له جهاز تنفس، ومن سيبقى مخنوقا ؟ ومن منا عليه أن يموت، أو يستحق أن يموت لأن مكانه يستحقُّه شخص آخر يستحق الحياة ؟ من كان يظن أن يفكر النظام الدكتاتوري في الجزائر في ضرورة اللجوء إلى" الفرز "؟ وأن الفَرْز سيصبح ضرورة وحاجة مُلحَّة، بل واجبا أخلاقيا، وأن على الشعب أن يطبع معه، ويتعامل معه كواقع، وكحلّ وحيد ممكن، أمام تفشي الوباء، وأمام عجز المستشفيات عن استقبال كل الحالات التي ستُعرَض عليها بالآلاف، وما يَلزم لذلك من أجهزة تنفس اصطناعي، ومن موارد بشرية مؤهلة ؟ لذلك سيكون الحل هو الانتقاء ، وهو الفرز، وبعبارة أصح، على النظام أن يفرط في المسنين، وفي الذين يُزعجونه ويُضايقونه... لا شيء في دائرة الضوء إلا الفراغ وخراب الأرض، ولا غذاء في الأفق... من كان يتوقع كل هذا ؟ من كان يتوقع كل هذا الشر ؟ لا أمل للمُسنّين، لمن بلَغوا الثمانين، ثم السبعين، والستين، والخمسين، وهكذا... دون الحديث عما يُرافق العملية من فساد وزبونية ومحسوبية، وعن من سيدفع أكثر ليَحْصُل على سرير، وعلى جهاز تنفس اصطناعي... وقد بَلغت الوقاحة عند النظام الفاشل بالجزائر لدرجة ترحابه بفيروس كورونا، أطلقوا عليه في الكواليس لقب "مناعة القطيع"، ويعني النظام الجزائري بذلك أن لا تتدخل الدولة، وتتراخى في فرض حجر صحي، وفي حظر التجول، وفي فرض التباعد الاجتماعي، وأن تدع الفيروس يتفشى، وتدعه يدمر، وتدعه يصيب نصف السكان أو أكثر، وتدعه يقتل مليون شخص أو أكثر... وبعد ذلك، وبعد التضحية بمن ماتوا، سيكتسب هذا النظام مناعة ذاتية من كوفيد 19، ويتمنى عودته التي يتوقع أنها ستكون أقوى سنة 2021، كما لو أنه أمام نظرية اقتصاد للبشر، يتركز على عدم التدخل في سوق الحياة والموت، وكما لو أنه أمام داروينية جديدة، وانتقاء طبيعي جديد، ولا مكان ولا سرير ولا عناية إلا لمن يرى النظام ضرورة بقائه في الحياة، والباقي إلى الجحيم، دعه يموت ، دعه ينتهي... ولكي لا نصل إلى هذا النقاش، ولكي لا نصل مضطرين إلى الفرز، ولكي لا نطبق مرغمين مناعة القطيع، ولكي نقطع الطريق على همجية النظام المافيوزي ، فلا يوجد حل عملي وممكن، إلا أن لا نَبْرَح بيوتنا، وأن نتباعد اجتماعيا قدر الإمكان، ونطبق تعليمات المنظمة العالمية للصحة، أن نبتعد عن بعضنا البعض، وأن نُفَرّق صفوف الحراك الرافض لهذا النظام الدكتاتوري على أمل ترميمها وجمعها فيما بعد، كي نتوحد من جديد، ونلتقي في المستقبل القريب أصحاء مواصلين الحراك إلى غاية تحقيق أهدافنا.

  2. ولد السالك

    شكرا للدكتور الصحفي فيصل القاسم على هذا المقال الرائع الذي يحلل أزمة فيروس كورونا من جانب جيوستراتيجي، كما أشكر المشرفين على الجزائر تايمز على النشر.

الجزائر تايمز فيسبوك