رغم سياسة تخويف الشعب شباب الحراك "كورونا ولا انتوما"

IMG_87461-1300x866

لم يتخلّف الحراك الشعبي في الجزائر، منذ بدايته قبل أزيد من سنة كاملة، عن التفاعل مع كلّ التطوّرات المجتمعية الراهنة، سواءً الأحداث الداخلية والخارجية، بما في ذلك انتشار فيروس كورونا القاتل، وإعلان وزارة الصحّة الجزائرية تسجيل أوّل حالة في البلاد.

رسائل كورونا

بخلاف الهلع الذي تشهده المجتمعات الأخرى، بفعل الفيروس ومخاوف انتشاره، وإمكانية أن يحصد آلاف الأرواح، عمد الحراك الشعبي في الجمعة الأخيرة الـ 54، إلى تحويل موضوع فيروس كورونا إلى حالة سياسية، تجسّدت في هتافات ساخرة وإسقاطات على النظام، ولخصتها شعارات المحتجين، تمحورت في مجملها، حول أنّ النظام الذي يدير شؤون البلاد منذ عقود، هو أكثر ضررًا للجزائر من فيروس كورونا.

 توسّعت مسيرات الحراك الشعبي في الجزائر، من تناول المطالب المرتبطة بالتغيير السياسي، إلى شعارات مواكبة للأحداث الاقتصادية والاجتماعية، بإسقاطها على مطالب التغيير التي يرفعها الشارع. وتحويلها إلى رسائل ترد بها الجماهير المحتجّة على ما يصدر من السلطة الفعلية من قرارات، وما تريد أن تسوق له من خطوات نحو إيجاد حلول لحمل المحتجّين على التوقف من الخروج إلى الشارع.

كورونا ولا انتوما"، شعار حمله كثير من الشباب خلال الاحتجاجات الشعبية في الأسبوع الـ 54 من عمر الحراك الشعبي، اذ اعتبر فريد الذي كتب هذا الشعار صباح يوم الجمعة الماضية، قبل توجّهه للمشاركة في المسيرات بقلب الجزائر العاصمة، رفقة مجموعة من أصدقائه، في حديث إلى "الترا جزائر"، إنه تبادر لذهنه هذا الشعار، عقب الترويج الكبير لمخاطر الفيروس علي الصحّة العامة للمواطنين عالميًا، وعقب تسجيل أول حالة اصابة بالفيروس، وتحذيرات الوزارة من خطورته على الجزائريين، وخصوصًا في التجمعات الشعبية، على حدّ قوله.

هذه المخاوف بحسب المتحدّث، لم تثبط من عزيمته في المشاركة في مظاهرات الحراك الشعبي، بل ذهب بعيدًا بالقول، إنّنا كرافضين للظلم والفساد نرى أن "نقبل بانتشار الفيروس، ولا نقبل باستمرار بقايا النظام السابق ورموزه في الحكم".

يبدو أن المخاوف من الفيروس، لدى الجموع الغفيرة التي خرجت كالعادة للشارع في الجمعة، أقل حدّة من عدم تلبية مطالب الحراكيين، ممن يطالبون بإطلاق سراح الموقوفين من النشطاء في المسيرات، وتنفيذ القانون والعدالة التي تحترم المساواة بين الجميع، وهي المخاوف التي جعلت من الجمعة الأخيرة عبارة عن تحدٍ للفيروس ومخاوف العدوى، التي لازالت في بدايات مخاطرها، وتحمل عديد الاستفهامات دولياً، إذ تُرجمت هذه الفكرة في لافتة تقول: "كورونا فيروس أقل خطرًا من النظام"، وهو الشعار الذي يحمل معه قراءة سياسية وألية، مفادها أن الجزائريين تجاوزوا الخطاب الرسمي في علاقة مع دقّ ناقوس الخطر، حيال تسجيل حالة رعية إيطالي مصاب بالفيروس، وشكوك حامت حول عدّة حالات أخرى عبر عدّة ولايات.

هذا الطرح الذي يفيد قراءة سياسية أخرى، بحسب الناشط السياسي الحقوقي فريد سعدون، من منطقة برج منايل شرق الجزائر العاصمة، إذ قال إنّ الحراكيين من مختلف توجّهاتهم وأعمارهم "يرفضون أن تستغل السلطة الحالية، تفشّي فيروس كورونا في عددٍ من الدول، ووصوله للجزائر لحظر التجمّعات من الجماهير مثل ما فعلت بعض الدول الأخرى".

وواصل الحقوقي سعدون، أنه من الطريف في هذه الزاوية بالذات، أن "الجماهير التي خرجت في الجمعة الأخيرة، لم تتجاوز هذه الخطوة، بل توقّفت عندها، وتحوّل الشارع الجزائري إلى الحديث عنها بسخرية من جهة، وبتحدّي للسلطة وسياسة التخويف، المرتبطة بالصحّة العمومية وصحة المواطن من جهة أخرى".

يؤكّد الناشط السياسي، على أن فيروس كورونا، تحوّل من وباء إلى تعبيرات سياسية، من حيث أن شبّه المحتجون تراكمات السنوات التي حكم فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بالوباء أيضًا، ترجمته لافتة "فيروس كورونا ولا حكم العصابات والخونة"، وهو ما يعكس أن مخاوف الجزائريين مازالت مركزةً على التوجّس الشعبي، من أفراد محسوبة على ما سمّيَ إعلاميًا منذ بدء الحراك الشعبي بـ "العصابة"، بل يتعدّى الأمر الى اعتبار هذه العصابة، التي ترسّخت في مختلف دواليب الحكم والإدارات، مثل فيروس كورونا القاتل المتنقّل بالعدوى.

الاحتجاج في مواجهة التحذيرات

ما هو ثابت في الحراك الشعبي، أنه أعطى صورًا مختلفة عن تنوع في الأفكار والمطالب، المرتبطة بالحقوق والعدالة والحرّيات ومحاكمة مختلف المتورّطين في تجويع وتفقير الشعب الجزائري، خلال العشريتين السابقتين، كما قالت الناشطة الحقوقية سعيدة بوتليليس في حديث إلى "الترا جزائر"، مؤكّدة على أن "كورونا، لم تكن في نظرة المحتجّين فيروسًا يثبّطهم على الخروج للشارع؛ بل زادتهم إصرارًا على المواصلة في حمل السلطة الحالية على تنفيذ المطالب".

يتفق هذا الحديث، مع ما حملته عدّة شعارات في الشارع الجزائري، تتعلّق بالوباء الخطير، وهتافات الجماهير المحتجّة، بل ذهبت تلك التعبيرات نحو اتّهام السلطة ومن ورائها وزارة الصحّة والسكان وإصلاح المستشفيات، بـ "تخويف الجزائريين".

حمل هذا الاتهام، تكذيب قطاعٍ واسع من الجزائر لانتشار الفيروس في الجزائر، وهنا جاء شعار، "يا ماما خوفتونا ياو كورونا ولا انتوما واش كورونا؟"، في مقابل ذلك، استبعد كثير من المتظاهرين نظرية التخويف التي تتّهم بها السلطة بهدف توقيف الحراك، ووضعها في خانة التفاعل الشعبي، مع كل معطيات الأحداث التي تعرفها الجزائر وتجاوبهم معها، هنا، يقول الأستاذ في علم الاجتماع سعيد تازير لـ "الترا جزائر" إن الحالة الحركية للمجتمع، ومواصلة الخروج للشارع للتعبير عن رفض المحتجّين لقرارات السلطة السياسية، ولمختلف التحذيرات التي أطلقتها، المرتبطة بالجموع الغفيرة او ما يسمّى بـ "الحشد الجماهيري أو الحشود"، لها تعبيرات تختلف من أسبوع لأسبوع، لارتباطها باهتمامات المواطنين، وبمختلف الأحداث التي لها علاقة به، وتتّضح من خلال ردود أفعال وسلوكات وشعاراتٍ وهتافاتٍ نسمعها خلال المسيرات، على حدّ قوله.

سياسيًا، يتصل فيروس كورونا، بلغة الفاعل السياسي الجزائري الحالي، باعتبارها سببًا مباشرًا من منظور المحتجّين لتقليل جموع المتظاهرين، ودفعهم نحو التراجع عن الخروج كل جمعة، في مقابل تواصل الاحتجاج منذ أكثر من سنة، او باعتبارها " أداة يمكن أن تستغلها السلطة الحالية، لتقليص حجم الجماهير بدعوى الوقاية من تفشّي الوباء من جهة، وحمايته من جهة أخرى".

انخراط في السياسة.. رقابة ومتابعة

بين الشارع والفعل السياسي، يعتبر كورونا، أحد المتغيرات الحاصلة، لا يمكن التحكّم فيها، تبعًا للأحداث المتواترة اليومية التي يتعرّض لها المواطنون، فالفرد الجزائري بـ "فضل الشبكات الاجتماعية تحوّل من وضعية الفرد اللامبالي، إلى وضعية الفرد المتابع باستمرار للأحداث الداخلية المحليّة والوطنية والدولية"، كما قالت الباحثة في الاتصال السياسي أمال علي الهادفي، في حديث لـ "الترا جزائر"، إذ يتابع ويساير هذه الأحداث ودمجها في مطالب الحراك الشعبي، وهو ما لمسناه في "شعار جيبو الصاعقة ولا كورونا مش رايح تحبسونا"، وهو دليل حسبها على أن أي قرار أو تصريحات للحكومة، باتت مادّة دسمة ولها عدّة رسائل وبكلمات قليلة في شعارات المحتجين، تضيف المتحدّثة.

تستطرد الباحثة الهادفي قائلة، إن هناك نظرة سلبية اتجاه الساسة في الجزائر، وحالة انعدام ثقة بين المواطن وهذه السلطة في علاقة مع الوباء رغم خطورته، كما تتّفق المتحدثة بأن" تصريحات وزير الصحّة وتحذيراته في لاوعي المواطن، الذي ما زال يحتجّ، هي محاولة لثنيه في الاستمرار في تقديم مطالبه والإصرار على تحقيقها".

بعيدًا عن نظرية المؤامرة، وعدم انسياق المحتجّين مع مخاوف العدوى التي يمكن للفيروس أن يُحدثها في أوساط التجمّعات والمتظاهرين، يقرأ متابعون للحراك الشعبي في الجزائر، أن مضامين شعاراته تتغيّر تبعًا لسياق الأحداث والأخبار المتداولة، وإسقاطها الفعل السياسي، إذ لا يمكن أن يكون الفيروس الخطير إلا أحد الأسباب التي يتّخذها النشطاء في الشارع، وسيلة في تنويع مخرجات ذلك الزخم الشعبي في المظاهرات، ورفع سقف التعاطي مع ما تقدّمه السلطة السياسية، لتوقيف الغليان الشعبي وتمرير برامجها، من خلال ما يُعلن عنه في كل مرة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

فتيحة زماموش

 

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ابو نوح

    مباشرة بعد انتشار الواسع والسريع لوباء كورونا في العالم . الحكومة الغير الشرعية سوف تستفيد وبشكل كبير من التأثير الواضح على الحراك الذي سوف ينقص شيءا فشيءا وبشكل ملحوظ الى ان لا يبقى له اثرا يذكر في الشارع ، وبالتالي سوف تعود حليمة إلى عادتها القديمة

  2. خوف غير مسبوق من حيث سرعة انتشاره، وتنوع مصادره، وتعدد أسبابه، وتباين دوافعه، يغطي الشعب الجزائري بشكل رهيب، وإذا ما تأملنا واقعنا بشكل أكثر قرباً سنجد أن الخوف بات سمة من السمات التي تميز مجتمعنا وصولاً إلى الحد الذي يجيز لنا تسمية بلادنا “البلاد المسكونة بالخوف”. فالخوف بات يسكن قلوبنا ويطاردنا بشكل دائم، إنه الخوف من كل شيء، ومن أي شيء، بصرف النظر عن مصدره، أو قربه منا. فخوفنا أولا من البوليس ومن الجيش ومن المحكمة ومن الديوانة ومن السجن، ومن الكوارث الطبيعية، من القمل، من بوحمرون، من اختطاف أبنائنا وقتلهم، ومن الحرب، ومن التدخين، من السمنة، من الأمراض، من الهاتف النقال، من المأكولات، ومن اللحوم والأسماك، وحتى الماء الذي نشربه... وسائل إعلامنا الفاشلة المرتشية، نجحت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تصنيع الخوف، ونشره، وتعميمه، وعولمته بفاعلية فائقة وبسرعة مذهلة، حتى صار بإمكاننا القول إننا نعيش ضمن مجتمع يحمل سموم فكرية وأوهام ومخاوف مَرضية. هنا في الجزائر، نظام عسكري دكتاتوري ومؤسسات، تعمل بشكل مدروس على تصنيع ثقافة الخوف وبشكل مقصود من أجل تحقيق أهداف خاصة ومصالح ذاتية يعرفها الجميع. منذ الاستقلال والشعب الجزائري في فخ اسمه  (سياسة المتاجرة بتخويف وذعر الشعب ). هدف الطغمة الحاكمة كان ولا يزال هو إحكام سيطرتها بشكل أكبر من خلال ترويع الناس، ودس الخوف في قلوبهم ونفوسهم من أجل إبقائهم في حالة دائمة من عدم الثقة بمجتمعهم وأرضهم ومستقبل بلادهم، فلا يجدون فرصة أمامهم للتخلص من هذه الحالة سوى تبنيهم الحلول التي يقدمها لهم النظام الإعلامي والذي يدعي أنه يقوم بالتصدي للخوف الذي هو بالأساس من قام بزراعته وتثبيته، وبالتالي قبولهم الطرق التي يراها ملائمة ومناسبة لمحاربته أو القضاء عليه ضمن استراتيجيته الأساسية. ويعتمد النظام الجزائري على صناعة الخوف لدى الشعب من أجل كسب ولائه وتأييده في ما يقوم به من أفعال إجرامية كالاتجار في الكوكايين وصناعة الأقراص المهلوسة وترويجها إضافة إلى تجارة البشر والسلاح والترويج لتهديدات خارجية، وعدو متربص بالبلاد يجب درئه وإبعاده ، مع زعزعة الاستقرار بالمنطقة لتغطية أفعالها ، ومواجهة الخطر المزعوم، وبهذا، يكون هذا النظام قد وجد في التدابير الأمنية التي ينتهجها ذريعة يستند إليها في هروبه من مواجهة الأزمات الحقيقية الداخلية. نظام يتجنب فتح حدوده مع المغرب تحت ذريعة المخدرات وهو يصنعها ويتاجر فيها. هكذا ترويض الشعب منذ الاستقلال وتحويله لقطعان ضعيفة خانعة منصاعة غير قادرة على تغيير واقعها المؤسف. سياسة الترويض هذه، رغم فساد الحكام وضعف همتهم، استمرت أمدا طويلا فكانت عواقبها وخيمة على الشعب الجزائري تجلت في مستوى التخلف الحضاري وتفاقم معدلات الفقر والجهل والظلم والاستنزاف لموارد وطاقات وثروات البلاد. لا شك أن الطغاة الدمويين في الجزائر أتقنوا فن الترهيب والتخويف ولم يزل الخوف هو الشعور المشترك بين مختلف أطياف الشعب منذ زمن بعيد، ويتلخص هذا الخوف من السجن والتعذيب والفقر والحرمان والمستقبل، وهو الخوف الذي وصل أحيانا كثيرة إلى درجة الرعب والشلل التام والانطواء والتخلف .. ورغم ما يكنّه القلب من بغض شديد وكراهية لهذا النظام فإن هذا الأخير لا يزال جاثما على رؤوس الناس ولا بوادر لإسقاطه تلوح في الأفق.

الجزائر تايمز فيسبوك