هل هناك إسلاميون داخل الحراك الشعبي في الجزائر؟

IMG_87461-1300x866

نجح الجزائريون في الحفاظ على وحدة شعاراتهم السياسية، ومطالبهم لمدة سنة كاملة، اتفقوا خلالها على رفض الدخول في أي صراعات عقائدية، بعد أن اقتنعوا أنهم أمام لحظة سياسية موحدة، لن يسمحوا بأن تُخترق من قبل قراءات أيديولوجية وثقافوية، عانت منها الجزائر الكثير. رغم هذا الإجماع الحاصل بين أبناء الحراك إلا أن ما يحصل هذه الأيام من اصطفاف أيديولوجي حاد، يمكن ان يعيد النظر في هذه القناعة الجماعية التي كرستها يوميات الحراك ودافعت عنها بشراسة.

محاولة اختراق أيديولوجي طفت على السطح بقوة، بعد التصريحات الأخيرة لرئيس حركة مجتمع السلم الدكتور عبد الرزاق مقري، التي اتهم فيها قوى علمانية قال عنها إنها متطرفة، تريد ركوب الحراك. ليضيف أن هذه القوى مخترقة من قبل الماسونية الدولية وفرنسا، مشيرا إلى أن هذا يميز جزءا من حراك العاصمة على الأقل، الذي تدعمه قوى إعلامية ممولة من الخارج، مرتبطة بهذا التيار العلماني المتطرف، الذي لا يريد الذهاب الى الانتخابات، ويرفض الحوار السياسي، لأنه مدرك لحجمه الجهوي المحدود.

توصيف يعرف الجزائريون من يقصد به الدكتور مقري، داخل الساحة السياسية التي قد تكون هذه الحروب الإعلامية بداية تنافس انتخابي سابق لأوانه بينها. اعتمادا على قراءات مختلفة للساحة السياسية، والسيناريوهات الممكنة المتولدة عنها. في وضع سياسي هش، يتميز بضغط سياسي قوي للحراك الشعبي، واضطراب في أداء السلطة الفعلية، التي لم تعد تملك أدوات عملها السياسي القديمة، وعلى رأسها أحزاب الموالاة، والمركزية النقابية، وجمعيات المجتمع المدني المدجن، ما يفرض عليها بسرعة البحث عن بدائل جديدة، قد يكون بعضها من داخل الحراك نفسه، كما بدأ يظهر ذلك بعض المؤشرات، ومن خارجه بعد إعادة تشكيل الخريطة السياسية، لتتكيف مع ميزان القوى السياسي الجديد المضطرب وغير المستقر. هجوم مباغت قام به الدكتور مقري على حلفاء الأمس، داخل صفوف المعارضة، لا نجد له تفسيرا، إلا بقرب الاستحقاقات الانتخابية التي ستحصل نهاية السنة، داخل هذه الساحة السياسية المضطربة وهي تبحث لها عن إطار قانوني وسياسي جديد لن تتوضح تفاصيله، إلا بعد المصادقة على التعديلات الدستورية الجديدة، هذا الصيف، وما سيأتي بعدها من قوانين منظمة للعمل الحزبي والانتخابات.

لفهم سر هذا الهجوم المباغت الذي قام به الدكتور مقري على بعض القوى الفاعلة على الساحة السياسية، ومحاولة شيطنتها، يجب عدم الاكتفاء بما يحصل في الجزائر، بل في الخارج كذلك، في المنطقة العربية تحديدا، ليس هذه السنة بل منذ 2011 التي عرفت بروز ظاهرة الإسلام السياسي الإخواني، في أكثر من حالة عربية، دون الجزائر. بعد النجاحات التي حققها إخوان تونس ومصر وحتى المغرب. استثناء جزائري إخواني لا يريد مقري أن يتكرر معه بعد حراك 2019. وهو على رأس حركة مجتمع السلم، خاصة أن الرجل مقتنع أنه الحزب السياسي الوحيد، الذي فلت من السقوط الحر، كما حصل لأحزاب الموالاة، بعد أن نجح في النزول من قارب بوتفليقة في الوقت المناسب 2012. والوصول الى قيادة الحركة بعد تنافس كبير مع قيادات حزبية موالية للسلطة بشكل مفضوح، مازالت حاضرة داخل مؤسسات الحركة، تنتظر فرصتها للانقضاض على الرجل في اول هفوة له. قد تتوفر بمناسبة أي استحقاق انتخابي، أو سياسي مهم في هذا الجو السياسي المضطرب.

مقابل حالة صحية جيدة يتمتع بها الحزب، لوح بها الرجل أكثر من مرة، وهو يستعرضها في الجزائر والخارج، في وقت تعيش فيه قيادة الحركة الإخوانية العالمية الكثير من الاضطراب، بعد فشل التجربة المصرية، التي جعلت مقري وزملاءه في الحزب، يتوجهون شرقا نحو تجارب أكثر بريقا في القارة الاسيوية تركيا – ماليزيا، يمكن أن تستفيد منها المدرسة الإخوانية في الجزائر، رغم اختلاف الشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخ السياسي. باختصار مقري مقتنع أنه أمام فرصة تاريخية لن تتكرر إذا ضاعت، لابد من اقتناصها، ستفتح أبواب السلطة المُوصدة، أما حركة مجتمع السلم التي لا ينافسها في الوصول إليها، إلا هذه القوى العلمانية المتطرفة، المسيطرة على الكثير من مقاليد السلطة المالية والسياسية والإعلامية، التي راكمتها في مدينة الجزائر القريبة، والتي تريد أن تسيطر على حراكه القوي والرمزي داخلها، في حي ديدوش مراد تحديدا.

حراك لم يتمكن التيار الإسلامي بمختلف مدارسه من تسجيل حضور قوي ومتميز داخله، بما فيها حركة مجتمع السلم، التي لا تشارك فيه إلا بشكل محدود، لم يستطع التأثير فيه، ومن باب أولى توجيهه، كما هو حاصل لكل الأحزاب السياسية الأخرى بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية، لما يميز الحراك من مدّ شعبي قوي يتجاوز الظاهرة الحزبية الضعيفة أصلا في الحالة الجزائرية. حركة مجتمع السلم (حمس) التي كانت ومازالت في أكثر من خطاب حول الحراك وحول انطلاقته الأولى، وتبنيه لاحقا، يتراوح بين القول بأنها كانت من المنادين به، وآخر يرفض ذلك ويتخوف من الخروج إلى الشارع، عكس ما فعل التيار الإسلامي الجذري في بداية التسعينيات، ودفع ثمنه غاليا. «خطاب مزدوج» اشتهرت به المدرسة الإخوانية في الجزائر والمنطقة العربية، جعلها محل شك وريبة من القوى الشعبية التي لم تستطع الانغراس بين صفوفها، كما بينه الكثير من المحطات السياسية، التي عاشتها هذه الحركة السياسية، والتي عرفت الكثير من الانشقاق والتنافس بين قياداتها المتشابهة سوسيولوجيا، ديموغرافيا وفكريا .هي ابنة الفئات الوسطى والمدن الصغيرة والمتوسطة الداخلية، التي تريد مقايضة شهاداتها العلمية، بمواقع سياسية داخل مؤسسات النظام السياسي، كخيار وحيد أمامها، لا تنافسها في التقرب منه، إلا هذه القوى العلمانية المتطرفة، صاحبة الحظوة، كما جاء على لسان رئيس الحركة.

التنافس الذي عبر عن نفسه من داخل الحركة نفسها بواسطة الانشقاقات، التي يمكن ان توظفها السلطة الفعلية لإضعاف كل التيار الإسلامي الإخواني، الذي فشل في إنتاج وجوه سياسية وطنية تحظى بالشرعية والقبول بين أبناء التيار، داخل الأحزاب وخارجها. كما ظهر جليا في المحطة الأخيرة للانتخابات الرئاسية التي دخلها بن قرينة المعروف بقربه الكبير من مراكز السلطة. ليبقى التنافس الأكبر مع الحراك وفعالياته التي فشلت كل القوى الحزبية في التقرب منها، ومن باب أولى السيطرة عليها لمدة أكثر من سنة من عمره، تحول مع الوقت إلى الفاعل السياسي المركزي، يتخوف منه الكل ويطلب وده الجميع، رغم كل محاولات الاختراق من السلطة والأحزاب التي تتهم بعضها بعضا بمحاولة ركوب الحراك العصي على الجميع حتى الآن.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. مولود

    طز في مقري كلب المخابرات والإمارات الذين لقنوه هذه الكلمات للقضاء على المظاهرات، الشعب موحد ضد هذا النظام الفاسد، ولن يتوقف عن النضال حتى تستقل البلد.

الجزائر تايمز فيسبوك