بعد عام من الحراك الجزائري محاولات السطو وتمييعه مستمرة

IMG_87461-1300x866

حدّثني مصدر موثوق عن جهود زوجة مسؤول جزائري كبير (جداً) لتبرئة زوجها المسجون في قضايا فساد مالي وسياسي. انتقدتْ هذه السيدة النظام الحاكم بشدة، ثم قالت خلال تبادل أطراف الحديث بثقة: زوجي مع الحراك.. وأنا كذلك!

لا يستغرب مَن خَبَر المسؤولين الجزائريين، ولو قليلاً، هذا الكلام. ولا يُستبعد أن اللواء محمد مدين، لو تسربت إلى الرأي العام أحاديثه الخاصة بعد الإطاحة به، سيصبح هو الآخر معارضاً للنظام ومع الحراك. والكلام نفسه ينسحب على المسجونين معه، بل حتى على أحمد أويحيى الذي تجسدت فيه شرور النظام كلها.

لا يفاجئني كل هذا وأكثر منه. فالمعروف عن المسؤولين الجزائريين أنهم عندما يكونون في مناصب الحكم والمسؤولية، هم مرادف للإخفاق وعدم الكفاءة، وفي كثير من الأحيان للفساد. لكن بمجرد إزاحتهم من المناصب يتحوَّلون إلى معارضين أشداء للنظام، ويصبحون عارفين في مجالاتهم وعباقرة ونظيفي الكف وطاهري النفس مخلصين لوظيفتهم والوطن.

لقد أتيح لي، بحكم المهنة، أن التقيت بعدد من المسؤولين الكبار بعد إقالتهم. لم أسمع من أحد إقراراً بالذنب أو اعترافاً ولو ضمنياً بالإخفاق أو بالفساد. بل سمعت انزعاجاً من النظام ومن عجز «الآخرين»، ثم شكاوى من ضيق الحال تجعل المرء يفكر في مدّ يده إلى جيبه والتصدق عليهم!

لهذا لم أستغرب أن أبرز ما ميّز الاحتفال بمرور سنة من عمر حراك الجزائريين، تلك الجهود المبذولة للسطو على هذا الحراك وتمييعه. كثرت الأساليب وتنوَّعت لكنها بقيت كلها تحت عنوان واحد: السطو والتمييع من خلال ادعاء كل الناس بأنهم أصحاب فضل، والمزايدة في منح أشخاص أفضالاً لا يستحقونها على حساب أصحاب الفضل الحقيقي. الخطاب السياسي الرسمي، مدني وعسكري. تصريحات رئيس الدولة ومَن يدُورون في فلكه. اللغة الحزبية، ولا فارق بين معارضة وموالاة. المنظمات الأهلية والنقابية. الإعلام بشقَّيه، الحكومي والخاص.. كل هذا سُخِّر ليصب في التمييع والسطو. الجزائريون لم ينتفضوا ضد المخلوع وشقيقه وأقاربه فقط، وإنما أيضاً ضد ما كان يرمز له من ممارسات سياسية وحزبية وإعلامية. لكن من طرائف السياسية في الجزائر أن الذين انتفض المجتمع أصلاً بسببهم ومطالباً برحيلهم، احتفوا بالحراك وكأنهم هم القوة المخططة والمحركة له. هل هناك عملية سطو أسوأ من هذه؟

بمنطق ولغة الاحتفال الذي عاشته الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية، كل هؤلاء «حراكيون»! طيب، وماذا عن الذين يصرّون على التظاهر كل جمعة وثلاثاء، بلا ملل، بينما تلاحقهم سياط واتهامات هؤلاء الذين أقاموا الولائم والحفلات التلفزيونية؟

كيف يرضى الرئيس ببقاء العديد من خصوم المخلوع ورموز الحراك في السجون منذ عدة أشهر، بلا محاكمات، ثم يحتفي بالحراك فيصفه بالمبارك ويعلنه يوماً وطنياً؟ وكيف يصمت كل هؤلاء المحتفلون عن وجود رموز الحراك في السجون، ثم يقيمون الولائم بلا خجل؟

في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي كانت زمرة المخلوع تناور لوأد الحراك في المهد. بعد عام بالتمام تناور زمرة، بل زُمَر، أخرى لتنفيذ المهمة ذاتها من أجل الهدف عينه. تغيّرت الواجهة فقط. ومع ذلك يجرؤون على الاحتفال والاحتفاء كأنهم صنعوا معجزة تاريخية، بينما يقبع كثيرون من دعاة التغيير الحقيقي ومَن سعوا له في السجون أو يعيشون حرية مقيّدة خارج أسوار المعتقلات.

مرة أخرى لا غرابة. هي تفرعات الثقافة السياسية المذكورة في بداية هذا الكلام: النظام يصبح شريراً في عيون المسؤولين عندما يلفظهم فقط. والحراك مبارك قبل أن يرفض الخطة التي فرضها النظام ويُبدي إصراراً على الاستمرار. النظام يكون طيباً في عيون ذرّيته فقط عندما يضمها ويوفر لها الامتيازات والنفوذ. ويكون الحراك مباركاً فقط عندما يهلل للانتخابات الرئاسية ويذوب في خطاب قائد أركان الجيش السابق (رغم أنه وصف المتظاهرين في بداية الحراك بالمغرر بهم، ودعواتهم للاحتجاج بالنداءات المشبوهة).

أغلب الذين زايدوا في الاحتفاء بالحراك، من الرئيس تبون ونزولاً إلى شخصيات وهيئات ومنظمات لم تفوّت فرصة لتكريس الفساد السياسي، لا يؤمنون بالحراك ولا يكتفون بتجاهله وإنما يفعلون الكثير لعرقلته وشيطنته.
من سوء حظ هذا الحراك المسكين أن صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، وضمن تغطيتها لذكراه السنوية الأولى، اختارت نشر تحقيق عن دور الشواذ جنسياً في الحراك (عدد الجمعة 21 فبراير). نشرت الصحيفة شهادة اثنين وقالت إن الشواذ، الذين شاركوا في الحراك قبل اليوم كمنتسبين لأحزاب ونقابات وجمعيات، سيتظاهرون في الجمعة 53، نساء ورجالاً، ولأول مرة «بشعارات موحدة تعبّر عن هويتهم الجنسية».

كأن الطعنات التي تلقاها الحراك من ذوي القربى لا تكفي! لم يكن هناك داعٍ لهذه «الهدية» من «ليبراسيون» لخصوم الحراك وهي تدرك تماماً أن المجتمع الجزائري ليس هو السويدي، وأن آخر ما يحتاجه الحراك اليوم هو ذلك التقرير الضحل والمسموم.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. هشام

    مباشرة بعد موقف الحكومة الإسبانية من استقبال وزير ينتمي إلى حزب "بوديموس" لوفد عن جبهة "البوليساريو"، أرجأت السلطات الجزائرية، للمرة الثانية على التوالي، زيارة كان يرتقب أن تقوم بها وزيرة خارجية إسبانيا إلى البلاد، اليوم الأربعاء. وكشفت مصادر إسبانية عن تدخل السلطات الجزائرية، في إشارة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في آخر اللحظات، لتعليق الزيارة الأولى من نوعها لوزيرة خارجية إسبانيا أرانشا غونزاليس لايا. وأجلت الجزائر زيارة رئيسة الدبلوماسية الإسبانية، التي كان يوجد ضمن أجندتها ملف الصحراء المغربية، إلى غاية الأسبوع الأول من شهر مارس المقبل، بينما ربطت مصادر إسبانية أسباب التأجيل بالتقارب بين الرباط ومدريد. ويبدو أن موقف وزيرة الخارجية الإسبانية من استقبال كاتب الدولة الإسباني للحقوق الاجتماعية، ناتشو آلفاريز، المنتمي إلى حزب "بوديموس"، لمن تسمى بـ"الوزيرة الصحراوية للشؤون الاجتماعية وترقية المرأة" قد أزعج الجزائر. وكانت رئيسة الدبلوماسية الإسبانية اتصلت بنظيرها المغربي، وأكدت له أن لقاء الوزير الإسباني لا يعكس موقف الحكومة الإسبانية، وأكدت أن مدريد لا تعترف بـ"الجمهورية الصحراوية"؛ وهو الموقف الواضح والصريح الذي خلف صدمة لدى قيادات "البوليساريو".

  2. من يستمع إلى مطالب الجزائريين الذين يتظاهرون بكل المدن الجزائرية يلمس حجم الاستياء والغضب من السلطة القائمة، ويُدرك أن هذا الحراك ماض إلى زوال، من غير تحقيق المطالب المعبر عنها في كل أرجاء البلاد. الجميع بصوت واحد " يتنحاو كاع ". لكن العصابة الماسكة بالحكم تجعل هذا الحراك في إطار الوقوف والإشادة بإنجازاتها وتطالب بالمزيد من الاعتقالات التي لن تتجاوز أكباش الفداء. من حقنا السؤال : لماذا تنجح الكثير من شعوب العالم بالثورة على أنظمتها والإطاحة بها، ويتعذر ذلك في الجزائر ؟ حتى ينجح الشعب الجزائري في تغيير نظامه العسكري الدكتاتوري الفاسد، يجب أولاً أن يكون الغضب والاحتقان والرفض قد عمّ شرائح واسعة من المجتمع. حتى وإن كان المحتجون الغاضبون في الشارع قِلّة، يجب أن يستندوا إلى تأييد من كثيرين في منازلهم، يجلسون على الأريكة ربما يحتسون فنجان القهوة ويكتفون بمتابعة ما يجري في الشارع عبر شاشة التلفاز أو من خلال هواتفهم الذكية، يكتفون بموقف المتفرجين. وبخلاف ما يعتقده كثيرون، فإن للمتفرجين دور مهم في إنجاح أو إفشال أي تحرك شعبي. فنجاح الشارع يعني تغييراً في الحُكم، وبالتالي عملية ديمقراطية للتغيير. فإذا كان المتفرجون غير مؤيدين للحراك في الشارع وما زالوا يؤمنون بالطبقة الحاكمة، ولا يريدون تغييرها، فعلى الأرجح ستُعيد الثورة إنتاج السُلطة نفسها. وهذا هو الحاصل في الجزائر، فمن الواضح أن المتفرجين لا يريدون التغيير. الأمر الآخر الذي يجب توفره لنجاح الحِراك الشعبي، هو أن يملك الذين يقودون الحِراك رؤية واضحة ومحددة. هذا لا يعني أن يكون الحِراك الشعبي إطاراً تنظيمياً متماسكاً بكتلة واحدة، فالتلقائية والعفوية والشعبوية ضرورية لنجاح أي حِراك. المطلوب أن يكون الهدف من الحِراك واضحاً لجميع المشاركين فيه، والمطالب التي يسعون لتحقيقها واحدة، وأن تكون المطالب تمس أكبر شريحة ممكنة من الجزائريين كي تَلقى التأييد المطلوب. وهذا أيضاً غير متوفر في الجزائر، فالحِراك الشعبي الذي نشهده هو حِراك تلقائي عشوائي، لا رؤية واضحة له، ولا مطالب جامعة، ولا أثر لغضب حقيقي على الوجوه التي تتباهى باللباس الأنيق والنظارات وأخذ السيلفيات. وعند نهاية التظاهر يعود كل واحد إلى عمله ويواصل العمل والإنتاج مما يجعل النظام في حال مطمئنة. لإسقاط هذا النظام الدكتاتوري لا بد من شل الحركة في جميع القطاعات والكف عن الاستهلاك وكل الممارسات الحياتية. بدون ذلك، من المؤسف الاستنتاج بأن الحِراك الشعبي في الجزائر ليس مكتوباً له النجاح، وسيبقى عبارة عن زوبعة في فنجان، وهو أمر تُدركه السلطة جيداً، لذلك هي لا تعبأ كثيراً به، بل ربما تسعد لحصوله بين فينة وأخرى، لأنه يقدمها أمام العالم بمظهر ديمقراطي متسامح يمنح الشعب حرية الرأي والتعبير والتظاهر والاعتراض..

  3. Al Atlassi

    Assez de se promener en chantant chaque semaine dans les rues. Y’a plus personne qui s’intéresse à vos revendications . si vous voulez vraiment changer le système et mettre les vieux kabranates frança dehors, il faut passer à la désobéissance civile . si non votre HIRAK n’aboutira à rien et ne changera rien et vous restez toujours un peuple de 10 fi 3ekel.

الجزائر تايمز فيسبوك