يوم 22 فبراير 2020 لحظة تاريخية ليستعيد «الحراك الجزائري زخمه»

IMG_87461-1300x866

وسط تجاذبات دولية وأزمات محلية، تحل الذكرى الأولى لانطلاق الحراك الجزائري يوم 22 فبراير 2020 في جميع أنحاء البلاد، حيث خرج الشعب الجزائري قبل عام من ذلك التاريخ، معبرا عن رفضه لترشح الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، رافعا صوته بشعارات تتشبث بالحرية والعدالة، بعد استجابته للدعوات المنادية للنزول إلى الشارع.
إلا أنّ نقطة الانطلاقة تلك كانت لها محطات متتالية، منها ما جانب حقيقة الحراك ودعوته، ومنها ما سقط في لعبة التهافت على مغريات السّلطة، غير أنّ النضال الفعلي للمهمشين والمغتربين، بقيت ريحه تجوب شوارع المدن الجزائرية، بكتابات ورسومات وأغان، تمجد «رفقاء الثورة»، مستعينين بحصانة تاريخية لتأسيس عملهم الثوري المناهض للاعتراف بشرعية «السّلطة المتسيّدة»، في صورة أعادت الماضي وإنجازات الثوار الجزائريين زمن الاحتلال الفرنسي، مانحين ثورتهم أحقية محاسبة من تسبب في الكارثة الوطنية، وما آلت إليه البلاد، بعد أكثر من نصف قرن على خروج المستعمر الفرنسي.
ومثلما تشبث ال=نظام بشرعيته التاريخية، وحرصه على استقرار الحدود الأمنية، تمسك الحراك بدوره بسلمية «ثورته» لتجاوز الحدود الثقافية والإدارية والسياسية للكيانات الموازية، إلا أنّ المسيرة الوطنية نحو جمهورية جديدة/ثانية، وحدها كانت كفيلة بأن تعيد جرد ماهية نظام امتلأت خزائنه بحلم «الدولة الوطنية» المنهوب، وتطرح معها تساؤلات أرّقت الكثيرين، ممن رأو مآلات الربيع العربي وانحرافاته الخطيرة، المتمثلة في: من له الحق في الثورة؟ وهل كنا على استعداد للموجة الثانية من الانتفاضات العربية، التي ألقت ظلالها على حراك بدأت خطاباته الرافضة لأي تقارب إصلاحي، تهدد سلميته وتنوعه وتألقه الحضاري؟ وهل أدرك المنتفضون ضد من وسموهم بالديكتاتورية، أنهم بحاجة إلى وسائل مبتكرة من لدن سلميتهم؟ أم أنّ شعار «سلميتنا أقوى من الرصاص»، كان كافيا لإزاحة مستبدين بنفَس مبارك والقذافي؟ أنظمة تفطنت جيدا للتهديدات والمخاطر الناجمة عن تحرك الجماهير ضدها، لتقرن زوالها بتقسيم البلدان العربية وتفشي الإرهاب وعودة النيوكولونيالية.
لم يتوقف الحراك الجزائري باعتباره نقطة انطلاق جديدة لتحريرنا من التبعية الكليانية، عن بث روح المقاومة والنضال داخل ناشطين سياسيين ومثقفين ونخبويين، من خلال حملات توعوية ومبادارت اجتماعية، ولافتات للحرية والعدالة، استلمتها الآلاف المؤلفة عبر كل جمعة، إلى جانب استعادة الشعب الجزائري لقواه الثورية، من خلال صد المحاولات الحثيثة لنظام خمسيني، دأب على تزييف الحقائق وتمييع الفكرة الوطنية، وتسفيه تراثنا وتاريخنا، عبر وسائل قانونية وبرامج تعليمية، وقفت حجر عثرة لمسيرة تحضرنا وتميزنا؛ ما استرده الحراكيون من نزعة تجددت فيها روح الرفض للمشاريع التعسفية والإنجازات الشوفينية، لثلة قليلة بايعت ديكتاتورية حادت عن أقل القيم الأخلاقية والوطنية، لتتنصل عن ما مات عليه الأمير عبد القادر، ومن نحَل شرعته من بعده، من منفيين كليدونيين ونوفمبريين، كما أنّ الحراك أعاد الحياة الاجتماعية التشاركية، ببث روح القيم الإنسانية، المهدورة في ثوب الفخامة والسلطة الأبدية، لم يتوقف الحراك الجزائري عن لململة جراحنا وآلامنا إزاء ضحايا الإهمال الإداري، لقطاعات كان من الأولى أن تشملها برامج التنمية الحقيقية والأغلفة المالية المفتوحة، لا أن تتسلمها أياد تثبت مع كل امتحان وطني فشلها الأخلاقي، في بلورة رؤية حقيقية للتنمية الصحية والسكنية.
كما أنّ «ثورة الابتسامة» فتحت باب المساءلة الشعبية على الترسانة القانونية ومجالسها الدستورية المرصوصة في دفاتر القضاة والمحامين، لا لتختبر فاعليتها أو أهليتها التغييرية، بل لتعيد صياغة ما جاءت به أسفار العهدات المتتالية والمراحل الانتقالية التي سبقتها. لقد شق الحراك الجزائري طريقه نحو التغيير السلمي بكثير من الآمال التي اعترتها بعض المغالطات، كون الثورة تمنح الأفضلية لمجموعة دون غيرها، أو شرعية نضالية تتميز بها عن الأرضية الشعبية، نظرا لاعتماد الكومبرادورية اللاوطنية دليلا ثوريا، يسلب الحواضن المنتفضة تطلعاتها وحقوقها، فبمجرد أن تؤسس الثورة لهدفها وتتجه نحو إسقاط «العصبة الحاكمة»، حتى تتداعى عليها «مخلفات التاريخ» ورهانات الحاضر وإشكالات المستقبل، وسبب ذلك أننا دول نشأت على هيكلية موروثة من كولونيالية، اعتقدت أنّ بإمكانها أن تستحدث نماذج تشبهها، من دون احترام للخصوصية الاجتماعية والثقافية والسياسية لمستعمراتها، ونحن سلمنا بتلك الفرضية التاريخية، التي علّقها الاستعمار في ذاكرتنا وذواتنا، وبدل أن تحل الأسماء الثورية مكان شوارع وأزقة شهدت بشاعة الاستبداد الفرنسي، اكتفينا بخطابات تاريخية، لا محل لها في دفاتر التنمية الحضارية للبلدان التي تبحث لها عن مصالح اقتصادية/سياسية ندية لشعوبها.
كنا نؤمم الثورة لا الثروة، ونكمم معها الأصوات الرافضة للحوكمة الفاشية وقططها الصفراء، كنا كمن يبني بيتا حتى إذا ما استوفى عمارته، قام بهدمه باتفاقيات دولية وبرامج هزلية تسرقه طوبة طوبة، يختلف الكثيرون حول مقاربة الحراك الجزائري بالربيع العربي وامتدادته الجغرافية، إلا أنّ السنوات العجاف التي مرّت بها بلدان الربيع العربي، ربما كانت كافية لتوعية وترشيد الحراكيين، وتذكيرهم بمخاطر الانجرار خلف الدعوات المتطرفة، والنزعات الراديكالية، فالحراك الجزائري مقارنة بالانتفاضات العربية أقل حدة مما شهدته ليبيا وسوريا واليمن، من استخدام مفرط وممنهج للقوة، ورفض للوساطات الإصلاحية، وأقرب منها ما لم تدرك المجتمعات المتظاهرة «شبكة الاستغلال الدولي» المستثمرة في الحركات التحررية، بدفعها نحو مزيد من التأزيم والعنف والتطرف، كنا على شفا جرف هاو للانجرار نحو خدعة ثورية تروجها أصوات لطالما تصلبت بموقفها ضد «الربيع العربي»، زاعمة أنّ ما تواجهه أنظمة الممانعة، وأمراء المقاومة حرب كونية لسحق البيئة العربية وتاريخها الممزوج بحكايات الشرق والإسلام والحضارات المتعاقبة، فهل يعقل أن يتبرأ «العقل الحراكي» من ثورة فبراير الليبية؟ وقد رصدت قنوات دولية طائرات العقيد معمر القذافي تقصف المساكن المدنية، وهل يدرك الحراكيون أنّ ثمة «خطيئة ثورية» استجدتها الأحداث المتسارعة بليبيا، وذلك بدعوة المجلس الانتقالي الليبي للثورةK بتدخل السلاح الجوي للناتو، من أجل صدّ القصف العشوائي للطائرات الحربية للزعيم معمر القذافي، في حين ظل موقف حلف شمال الأطلسي إزاء العدوان الأسدي ضد المدنيين السوريين يلفه الكثير من الغموض والخذلان الدولي، علينا أن نتذكر أن الثورة الحقيقية بدأت من سوريا وليبيا واليمن ومصر وتونس، ليست كحالات استثنائية عن دول العالم، بل كفعل تحرري يتشارك فيه الثوار أينما وجدوا، لرأب صدع ما تنتجه الخطابات المتشنجة عن التخوين والتزييف السلطوي، وتعزيز الهوية الثورية بسد الفجوات والقنوات التي تنمو فيها طفيليات الثورة المضادة.

واجهت شعوب المنطقة العربية الكثير من العنف والعدوان التاريخي، من أنظمة توارثت عن الكولونيالية بربريتها وهمجيتها، أنظمة مستبدة تخفت وراء صور تاريخية، لا علاقة لها بما ترتكبه من مجازر ثقافية وهوياتية، فراحت تستثمر في بناء السجون وتوسعتها، لا استحداث المستشفيات وترقيتها، وتقديم التحفيزات الاستثمارية الدولية، من دون تطعيم للسوق الوطنية بكفاءات محلية وتجنيبها المضاربات الاحتكارية، كنا ضمن هيكل تخلّص من مؤسساته العمومية لصالح استعمارية جديدة بوحدات رمزية، فما استطاع كبراؤنا من دعاة النهضة والوطنية، أن يوقفوا ذلك التفكك المريع، الذي أصاب ارتباطنا الوطني، لقد تحللنا من التزامتنا الأخلاقية المفضية إلى رفض التعصب لفكرة المشروع الأوحد، وجحدنا مسيرة قرن ونصف القرن من نضال ضد الهمجية الفرنسية، لبناء دولة تقوم أساساتها على العدالة والحرية والإنسانية، وها نحن اليوم ننظر بكل فخر إلى ما أحدثه الحراك الجزائري من استفاقة جماهيرية، تبحث لها عن «أرضية وطنية» آمنة تحفظ لها اختلافها وتنوعها الاجتماعي، وتؤذن باستجابة حضارية لها إن اقترنت حركتها التحررية بأسباب غير ذاتية، بل تظل مرتبطة بالحق الذي كفلته الإنسانية لنفسها في الثورة، حق لطالما وقف الثوار وأشياعهم يلخصون مطالبه، بعيدا عن تطلعات الشعوب المقهورة، وهم يرسمون بذلك لوحة ثورية، لا تختلف أبعادها وألوانها عن تلك التي رسمت زمن التحرر من الاستعمار، ليقف الحراكي والثوري في طابور الديكتاتورية لتعزيز رغباته الفردية، ولا عجب أن تذهب ريح الثورة من اختلاف أبنائها وصراعاتهم الجانبية.
ربما يعتقد البعض أنّ عاما واحدا كان كفيلا لتنحية عصبة حاكمة من سدة السلطة، وهم يتناسون أنّ الديمقراطية القيصرية، تخول المستبد التنازل عن العرش لصالح ديكتاتوريات متشظية، تحتال بالحرية على الأمن والاستقرار الوطني، لتدخل الثورة منعرج المليشيات وأمراء المفاوضات ومناطق النفوذ، علينا أن ندرك أنّ الحراك الجزائري كونه حدثا مفصليا نحو «مستقبل أفضل»، يحتاج إلى نفس ثوري/إصلاحي طويل محفوف بمخاطر كثيرة، تبدأ من «بنية الجبهة الاجتماعية الداخلية» لتواجه بمرونة المصالح الإمبريالية الضاربة ساحات الانتفاضات العربية بالاختراق والتحريف والتزييف، فالسنوات التسع التي قضاها الربيع العربي في تصفية الساحة النضالية، لم تكمل دورتها الثورية، لتستتب على لحظة مفصلية مواتية كي تعيد الحق في الثورة، لأولئك الذين همشوا فثاروا لا ليموتوا، بل ليعيشوا حياة تليق بإنسانيتهم.

نورالدين قدور رافع

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ALGÉRIEN AN0NYME

    EN RÉALITÉ, NI L 'ALGÉRIE NI LE PEUPLE ALGÉRIEN N'A ABSOLUMENT RIEN A ATTENDRE DE C0NCRET NI DE POSITIF DE LA PART D 'UNE MARI0NNETTE DE PRÉSIDENT FANTOCHE ,UN TRAÎTRE DE TABOUN ,QUI A VENDU S0N H NEUR ET SA DIGNITÉ A VIL PRIX,C0NTRE UN FAUTEUIL DE LA H0NTE QUI LUI EST OFFERT PAR LES SINISTRES CAP ORAUX SES MAÎTRES QUI L'  T INSTALLÉ COMME PI0N DE LEUR RÉGIME MILITAIRE FANTOCHE. LA LUTTE DU BRAVE PEUPLE ALGÉRIEN C0NTINUE ET NE CESSERA JAMAIS TANT QUE LES RÉSIDUS POURRIS HÉRITÉS DU CLAN MAFIEUX DE BOUTEEF DÉCHU,NE S0NT PAS CHASSÉS DU POUVOIR QU'ILS DÉTIENNENT ILLÉGALEMENT ET ILLÉGITIMEMENT..

  2. النغاس الحق مر في الجزائر

    القاعـــــــــدة: للنظام قاعدة يقولها تحت كراسيه: أتركوهم ينبحون ولا شيئا يفعلون..........الخ بمعنى مادام هم لم يفسدوا يكسروا يحطموا فلا شيء اتركوهم ينامون في الشارع يخسر ادراهم الركبة فطوره يعي الخ فلا يفعلون اي شيء ـــ النظام يقول نحن في الميدان وهم في الشوارع التالي فيهم عطشان تاتي ايام اسابيع شهور سنين لايقدرون على شيء مثلهم مثل **** الفيس الذي فرض الجهاد **** ثم اعياه التعب والفقر والهم والغم فحط سلاحه واستسلم هكذا سيكون للحراك. ونهايته تاتي ايام اشهور وسيقف الحراك بدون فائدة {{ النظام الجزائري لم يسقط بالسلاح وأنتم تسقطون بسلمية سلمية مستحيل ياعيانين ــــــ

  3. B

    كرونولوجيا المسيرات السلمية امتدت من قبل وليست خراطة واهلها من بادر. يتذكر الجزائريون جيدا تسريب قناة النهار لوصف سلال القبيح لأهل الاوراس وخروج مسيرة كبيرة جدا في باتنة حتى وصلت لبيت زروال وخروجه لهم والحديث إليهم. الرافضون العهدة الرابعة من حركة رفض. مسيرة الشرطة لعام 2015. ومسيرات متقاعدي الجيش والأطباء وغيرهم. كما تضيف تاريخ عام وهو 2009 وحرب غزة وخروج أهل العاصمة في مسيرة سلمية. أمام المسيرات التي تتم كل يوم جمعة خصوصا 22 فيفري 2019 مفرد ذلك لحركة مواطنة والتي اجتمعت قبل ذلك بأسبوع وحثت على التظاهر. تفاعل كثير من الفاسبوكيين مع ذلك على اعتبار أن كثير من الجزائريين شعروا بإهانة في ترشيح شخص لا يقدر على قيادة بلد ثلثي سكانه شباب !

الجزائر تايمز فيسبوك