لماذا يصر الحراك في الجزائر على مطالبهم السياسية الواحدة

IMG_87461-1300x866

الفرضية السوسيولوجية المركزية التي تقول إن الإنسان ابن بيئته وموقعه الاجتماعي، الذي يميزه ويدافع عنه. الحراك في الجزائر يريد أن يلغيها أو يعطلها مؤقتا على الأقل، لغاية تحقيق مطالب الحراك السياسية الجماعية الطاغية، التي تتجاوز الفروق والحواجز الاجتماعية الحاضرة في كل مجتمع حديث. بعد أن أعلن أن الجزائر امام لحظة سياسية من الدرجة الأولى، يجب أن لا تبالي أمامها بأي مطلب اقتصادي أو اجتماعي فئوي، مهما كان. قد يعطل تحقيق هذه المطالب السياسية التي تحظى بتوافق كبير بين أبناء وبنات شعب الحراك.
عدت هذا الأسبوع إلى هذا النقاش، الذي يميز الساحة السياسية الجزائرية، منذ فترة وأنا أقدم دراسة حديثة لي حول الحركة النقابية. بحضور مجموعة من القيادات النقابية، وجمع كبير من الشباب من الجنسين، أثار حضوره فضولي وجعلني أتفاءل بمستقبل الحركة النقابية في الجزائر، كموضوع بحث على الأقل، إن لم يكن تجربة نضالية عند فئات شابة لم تعشها مباشرة. هي التي تعيش حالة هشاشة مهنية كبيرة، نتيجة ما ميز سوق العمل بتوجهاتها الليبرالية السائدة منذ فترة. فئات شابة بمن فيهم النساء، تملك في الغالب نظرة سلبية للعمل النقابي الأحادي، كما سمعت عنه وصادفته، لم تعشه بكثافة كما كان الحال في السابق مع فئات عمالية أكبر سنا.
طلب إلغاء السوسيولوجيا، أو تعطيلها على الأقل، الذي كان حاضرا بقوة أثناء هذا النقاش، لحين تحقيق المطالب السياسية، التي تعتمد على شرعية ممارسات فعلية على أرض الواقع، كما تعكسها يوميات الحراك الشعبي، الذي يمكن أن تصادف فيه أسبوعيا، كيف يسير في المسيرة نفسها، الشاب البطال ابن الحي الشعبي، جنبا إلى جنب مع رب العمل الصغير والحرفي وأستاذ الطب والمرأة الماكثة في البيت والطالبة، إلخ. طلب عبًر عن نفسه من خلال هذه القناعة التي توصل لها شعب الحراك: أولية المطلب السياسي على ما عداه من مطالب اقتصادية واجتماعية فئوية، مهما كانت شرعيتها وإلحاحها داخل نظام سياسي مبني على قاعدة اقتصاد سياسي ريعي، يستطيع تلبية بعض من المطالب الفئوية، لشراء سلم اجتماعي مؤقت. يفضل أن يتنازل بصددها إذا كانت تحمل محتوى اقتصادي واجتماعي فئوي، لكنه يرفض في المطلق التنازل عندما يتعلق الأمر بمطالب سياسية جماعية، يعرف أنها يمكن أن تكون ضربة قاضية بالنسبة له وهو يعيش حالة ترنح واضحة. واقع جعل النظام نفسه وبعض أدواته النقابية والإعلامية هذه الأيام، امام إصرار الحراك على مطالبه السياسية، يصل إلى مرحلة حث لبعض الفئات المهنية على الاتجاه نحو إضرابات فئوية، يمكن أن تخلط أوراق التحالفات التي نسجها الحراك مع النقابات المستقلة الحاضرة كظاهرة نقابية – سياسية، يمكن أن يكون لها مستقبل كبير في جزائر الغد. هي التي تبنت مطالب الحراك السياسية كأولويه مطلقة، مرحليا على الأقل، على حساب العمل النقابي المطلبي، الذي يمكن أن تعود إليه هذه النقابات، بعد حل الإشكالات السياسية المطروحة على الساحة الوطنية. وهو الموقف نفسه الذي تتخذه القوى السياسية الحاضرة داخل الحراك، وهي تتعايش في ما بينها لا تتنكر لقناعاتها، لكنها لا تصر عليها على حساب ما يجمع الحراك الشعبي المتنوع والمتعدد، الذي يتحاور يوميا ويستمع لكل الآراء المتعايشة داخله في حرية مطلقة.

استراتيجية تعتمد على قراءة للواقع السياسي، تمنح أولوية قصوى للقطيعة مع النظام السياسي، الذي أهدر المال العام وعمم الفساد، وضيع على الجزائريات والجزائريين فرص التطور والإقلاع الاقتصادي، وتحقيق الرفاهية التي لن تكون ممكنة الا بتغيير قواعد اللعبة السياسية، وبناء جزائر سياسية جديدة، يطالب بها الحراك الشعبي. قراءة تم تبنيها بسرعة والقبول بها، رغم بعض التحفظ من قوى يسارية حاولت أن تُولف بين السياسي والمطلبي، لتقتنع في الأخير بأحقية المطالبة بأولوية السياسي، والدخول في منطق رفض السوسيولوجيا، الذي تبناه الحراك حتى لدى هذه التيارات المتعودة على القراءة الطبقية الصارمة. المآل نفسه الذي وجدته المطالب النسوية أو غيرها من المطالب الفئوية الأخرى، التي أصر شعب الحراك رغم ذلك، على القبول بها كشعارات وخطاب داخل يوميات الحراك، بدون أن تتحول إلى أولوية على حساب المطالب السياسية، التي حصل اتفاق كبير حولها، منذ الأسابيع الأولى للحراك، على غرار مطلب الحريات الفردية والجماعية، وفتح الإعلام العمومي والخاص، واستقلالية العدالة، وإطلاق سراح معتقلي الرأي، وغيرها من المطالب المعروفة التي يقبل النظام ببعضها على مستوى الخطاب، لكنه يرفض التعامل معها بجد على أرض الواقع.
نظام بينت الأحداث الأخيرة أنه بمراكز سياسية متعددة، لا تملك بالضرورة موقفا موحدا من هذه المطالب، ولا من طريقة التعامل معها، ما يزيد في غموض المشهد السياسي، بعد شهرين من انتخابات رئاسية لم تحظ بالقبول الشعبي بها، كألية تنظيم ولا بمخرجاتها، لم تساعد حتى الآن في فتح آفاق جديدة أمام الجزائريين.
شعارات كثيرة رفعها الحراك الشعبي تعبر عن هذه الروح، قد يكون شعار خاوة، خاوة، الذي رفعه الحراك في بدايته الأكثر تعبيرا عنها، وهو يعبر عن روح كتلة اجتماعية – تاريخية، تريد أن تتعامل كقوة سياسية واحدة لتحقيق أهداف وطنية لا تريد أن تحيد عنها، معتبرة أنها أمام لحظة تاريخية تستطيع فيها تحقيق ما عجزت عنه لسنوات بل ولعقود. وهو ما يمكن ملاحظته في تلك العودة القوية للجزائريين والجزائريات، للمشاركة في المسيرات، وهم على أبواب الاحتفال بالذكرى الثانية للحراك كما عبرت عنه مسيرات الجمعة 52.
عودة قوية للمشاركة في المسيرات والمطالبة بالمطالب نفسها، لم تشهدها العاصمة والمدن الكبرى فقط، بل في الكثير من المدن الداخلية التي تحضر نفسها للاحتفال بهذه الذكرى في جمعة 21 فبراير المقبلة، بعد أسبوعين من الان، ستكون بلا شك محطة جديدة لتأكيد وحدة الجزائريين وإصرارهم على مطالبهم السياسية الواحدة الموحدة امام نظام سياسي حاول تفريقهم واللعب على خصوصياتهم الثقافية والجهوية، أكثر من مرة، أوصلته إلى العودة إلى بعض اطروحات الأنثروبولوجيا الكولونيالية التي كذبتها الحركة الوطنية وثورة التحرير. في أكثر من محطة تاريخية. نجح الشعب الجزائري خلالها في القفز على ما يفرقه، لتحقيق ما يوحده، تماما كما يفعل هذه الأيام.

ناصر جابي

 

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. حرية التنقل وإحتجاز الصحراويين بالقوة من طرف عصابة البوليساريو داخل إصطبلات مخيمات" الذل والمهانة". المتكلم في الفيديو هو أحد العائديين من تندوف وحضر وتمكن من تصوير هده اللقطات التي تظهر كيفية احتجاز هم داخل المخيمات كشف المنتظم الدولي للخروقات التي يرتكبونها البوليساريو في مجال حقوق الإنسان حيث تعتبر مخيمات تندوف سجنا كبيرا ، والصور التي تطالعنا على شاشات التلفزيون تؤكد ذلك، كما أن المنظمات الإنسانية وشهود عيان عائدون إلى المغرب يؤكدون ذلك ومنهم من يأتي بصور حية أو لقطات يتمكن من تصويرها بهاتفه المحمول.

  2. يا أهل الخير الطفلة هواري مايا من ولاية الجلفة بحاجة ماسة الى عملية تفوق قيمتها 4مليار وهي بحاجة الى مساعداتكم ناس الخير الي ميقدرش يعاونا بالدعاء والنشر في المجموعات ربي يبارك فيكم بلاك توصل لناس الخير ساعدنا بالنشر الدال على الخير كفاعله وجزاكم الله خيرا 0673736226.رقم هاتف البنت.

  3. أصبحت البوليساريو وعرابتها الجزائر عاجزتين تماما عن صد الضربات المتتالية التي وجهتها لهما الديبلوماسية المغربية، والتي انتقلت في السنوات الأخيرة من الاكتفاء بالدفاع إلى اتخاذ موقف هجومي، حيث كللت هذه السياسة بنجاحات كبيرة مكنت من سحب البساط من تحت أقدام المرتزقة في معاقل تاريخية لها بإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وسيرا على نفس النهج، أدت العلاقات المتميزة التي تربط المغرب بدول القارة السمراء من دفع عدد منها إلى فتح قنصليات عامة لها بالصحراء المغربية، على غرار غامبيا والغابون وإفريقيا الوسطى وساحل العالك وجزر القمر وساوتومي وبرينسيبي، وهو ما أفقد أعداء الوحدة الترابية للمملكة صوابهم. آخر الضربات جاءت هذه المرة من بوركينا فاسو والتي صادقت حكومتها رسميا على قرار يقضي بفتح قنصلية عام لها بالداخلة في الأسابيع القليلة القادمة، كما ينتظر أن تعمل دول أخرى على اتخاذ قرار مماثل قريبا.

  4. أصبحت البوليساريو وعرابتها الجزائر عاجزتين تماما عن صد الضربات المتتالية التي وجهتها لهما الديبلوماسية المغربية، والتي انتقلت في السنوات الأخيرة من الاكتفاء بالدفاع إلى اتخاذ موقف هجومي، حيث كللت هذه السياسة بنجاحات كبيرة مكنت من سحب البساط من تحت أقدام المرتزقة في معاقل تاريخية لها بإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وسيرا على نفس النهج، أدت العلاقات المتميزة التي تربط المغرب بدول القارة السمراء من دفع عدد منها إلى فتح قنصليات عامة لها بالصحراء المغربية، على غرار غامبيا والغابون وإفريقيا الوسطى وساحل العالك وجزر القمر وساوتومي وبرينسيبي، وهو ما أفقد أعداء الوحدة الترابية للمملكة صوابهم. آخر الضربات جاءت هذه المرة من بوركينا فاسو والتي صادقت حكومتها رسميا على قرار يقضي بفتح قنصلية عام لها بالداخلة في الأسابيع القليلة القادمة، كما ينتظر أن تعمل دول أخرى على اتخاذ قرار مماثل قريبا.

الجزائر تايمز فيسبوك