التغطية الإعلامية لرئاسيات الجزائر تضليلٌ و تطبيل على المباشر

IMG_87461-1300x866

سارت التغطيات الإعلامية للانتخابات الرئاسية في الجزائر، في اتجاه واحد منذ فتح مراكز الاقتراع وإلى غاية عمليات الفرز، وأجمعت القنوات التلفزيونية العمومية والخاصّة، على نقل صور المشاركة "الكثيفة" وتصريحات المترشّحين للرئاسيات ورصد عملية تصويت الوزراء والمسؤولين والولّاة والفنانين، غير أنّه من كان يُتابع تغطية المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ الأمر كان أشبه بتغطية انتخابات رئاسية في دولتين مختلفتين.

زخم المراكز والتصريحات

اتفقت مؤسّسة التلفزيون والإذاعة الجزائرية بكلّ قنواتها، وحتى القنوات التلفزيونية الخاصّة المحليّة على نقل تفاصيل العملية الانتخابية، بتناولها من زاوية واحدة والاصطفاف مع موقف السلطة، من خلال برمجة يومٍ مفتوح بالاعتماد على تقنية البث المباشر، للترويج لنسب المشاركة، وتثمين العملية الانتخابية التي أقرّتها السلطة الفعلية في البلاد، كأحد مخارج الأزمة السياسية.

كرّس الإعلام الجزائري خلال تغطيته للرئاسيات، نظريتين قويّتين من نظريات الإعلام التقليدي؛ وهما نظرية تأطير الأخبار والتماهي مع تصوير ما تراه السلطة الفعلية إيجابيًا من وجهة نظرها، وتمرير ما يُمكن تمريره من تصريحات تصبّ في اتجاه واحدٍ؛ وهو تزكية الانتخابات شعبيًا من خلال الصور والمشاهد التي تؤثثها صور التوافد الكبير على مراكز الاقتراع، حتى وإن كانت قديمة كما كشفتها بعض الصفحات الفيسبوكية.

اعتمدت القنوات أيضًا، على نظرية حارس البوابة في بثّ ونشر كلّ الصور المثمّنة للحلّ الانتخابي وتمجيد العملية برمّتها، دون فتح الفضاء الإعلامي للرأي الآخر ووجهات النظر المخالفة أو المنتقدة، وهو المسلك الذي تريده السلطات الجزائرية. هنا، يُشير الأستاذ في الإعلام نبيل زروقي في حديث إلى "الترا جزائر"، إلى تركيز الإعلام على أهميّة الانتخابات ودفع المواطنين نحو التصويت، ونشر وبثّ صور وتصريحات المواطنين التي تنصبّ في "اختيار الانتخابات من أجل الوحدة الوطنية ومن أجل الجزائر".

في مقابل ذلك، تجاهلت هذه القنوات العمومية والخاصّة، مسيرات العاصمة الجزائرية الرافضة للانتخابات والمواجهات الأمنية في عدد من ولايات الوطن، إذ خرج المواطنون الرافضون للانتخابات في احتجاجات ترفض العملية الانتخابية، وحدثت اقتحامات لعدد من مراكز الانتخاب، وتحطيم صناديق الاقتراع وبعثرة الملفات والأوراق في الشوراع تعبيرًا عن هذا الرفض، فضلًا عن العزوف الانتخابي الذي شهدته عدّة ولايات استئناسًا بنسب المشاركة التي أعلنت عنها السلطة العليا للانتخابات.

كانت المرّة الثانية، التي يُمتحن الإعلام الجزائري بعد فتح مجال السمعي البصري، وتغطيته لرئاسيات نيسان/أفريل 2014، غير أنّ التغطية الأخيرة كانت "غير متكاملة الأركان بحسب مواثيق وأخلاقيات المهنة"، كما تقول الناشطة الإعلامية شهرزاد لشهب في تصريح لـ "الترا جزائر"، مشدّدة على أن هذه القنوات، أظهرت قصورها بانحيازها إلى "مشهد واحد" مرتكزة على "القفز على هذه الأحداث التي شهدتها مختلف شوارع العاصمة الجزائرية، والتي كانت شبيهة بمظاهرات الجمعة في كل أسابيعها السابقة".

حراك الشارع

في الشارع، كانت الصورة مغايرة تمامًا؛ مسيرات ومظاهرات عجّت بها شوارع العاصمة الجزائرية تزامنًا مع تواصل الحراك الشعبي، ورفضًا لهذه المحطّة السياسية "المبتورة" بحسب نشطاء الحراك الشعبي والمتظاهرين في تصريحات متفرّقة لـ "الترا جزائر"، إذ اعترف البعض بمدى ضرورة مواصلة الضغط على السلطة الفعلية وعدم الذهاب نحو "أنصاف الحلول" وانتخاب رئيس بلا شرعية ولا مشروعية، ومواصلة المسيرات الرافضة للوجوه الجديدة القديمة المرشّحة لكرسي رئيس الجمهورية.

لكن رغم ما عاشته الشوارع الجزائرية من مسيرات سلمية، إلا أن الأصوات الإعلامية أغمضت أعينها عنها وصمّت آذانها عن الرأي الآخر، كما فعلت في الأيّام السابقة، فضلًا عن عدم تطرقها إلى عمليات غلق بعض المراكز وإلغاء الانتخابات فيها، حتّى قبل انطلاق الانتخابات في بعض مناطق الوطن، ناهيك عن المواجهات التي حدثت بين محتجّين وقوّات الأمن المكلفة بتأمين العملية الانتخابية، إذ وصفت بـ "الأفعال المعزولة التي لا يمكنها إيقاف طموح الملايين" بحسب ما أوردته في تقاريرها المتابعة للعملية الانتخابية ليوم كامل.

من جهته، حاول رئيس السلطة المستقلة للانتخابات محمد شرفي، التقليل من تأثير هذه الأفعال على سير الانتخابات، معترفًا في المقابل من ذلك بـ "السير الحسن والطبيعي لانتخاب المواطن عبر مختلف ولايات الوطن".

كل ذلك، تجاوزته وسائل الإعلام، رغم الحشد الافتراضي عبر الفضاء الأزرق الفيسبوك الذي غذّى التغطية الإعلامية من مختلف المناطق، وتغطية المسيرات بالعاصمة الجزائرية عن طريق خاصّية النقل المباشر رغم بطء تدفق الإنترنت.

وكما تغاضى الإعلام الجزائري عن "المواقف المعارضة والمقاطعة للانتخابات"، طوال فترة الاحتجاجات الأخيرة، فإنّه اليوم يكرّس مبدأ "انتخاب الجزائريين من أجل الجزائر وليس لنا سوى الجزائر"، بحسب التصريحات التي رصدتها "الترا جزائر" طيلة اليوم عبر تغطية القنوات العمومية.

وصفة مكرّرة

من جهتهم، انحاز محلّلون سياسيون على بلاتوهات التلفزيون العمومي والخاص لوجهة نظر السلطة، وركّزت تدخلاتهم على أن "إجراء الانتخابات ما هي إلا استجابة شرعية لمطالب الحراك الشعبي في التغيير"، كما قال المحلّل السياسي على القناة الوطنية الأولى أحمد ميزاب، معلنًا أن العملية ناجحة بكل المقاييس بفضل مرافقة الجيش الجزائري المرابط في الحدود وفي المناطق الصحراوية، لافتًا إلى أن "انتخابات الخميس هي أقوى ردٍّ على المشكّكين في نزاهتها، إذ لأوّل مرة في تاريخ الجزائر، يتمّ فيه تحييد الإدارة عن واجهة تنظيم الانتخابات وتحويلها إلى سلطة مستقلّة، لها حريّة التصرّف في تنظيم والإشراف والإعلان عن نتائج المشاركة في كلّ فترات العملية الانتخابية"، على حدّ تعبيره.

اللافت أن مختلف القنوات التلفزيونية، تصدّرها وسم" #الجزائر_تنتخب". الشاشات في القنوات التلفزيونية، سواءً ذات العمومية أو الخاصة، ذهبت جميعها نحو تأكيد أن انتخاب رئيس الجمهورية حق وواجب على كل جزائري، متجاهلة تمامًا المسيرات التي جابت شوارع العاصمة الجزائرية وأصوات الجزائريين الرافضين لأطوار وشروط الانتخابات.

كما صوّرت القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة، مشاهد توافد المواطنين على مراكز الاقتراع وتأطير العملية بصورة واحدة تحت عنوان واحد؛ "الإقبال على مكاتب التصويت عبر مختلف ولايات الوطن"، وهو ما اعتبره متابعون" تضليلًا إعلاميًا عبر الدعاية لفائدة فكرة واحدة دون التطرّق إلى الرأي الآخر المعارض للحلّ الانتخابي". هنا، تقول المختصّة في الاتصال السياسي سعيدة سطمبولي في تصريح لـ"الترا جزائر"، إنه  تم تركيز القنوات بشكل واضح على "مشهدية انتخابية، تعرض تصريحات المواطنين الداعين إلى انتخاب رئيس الجزائر، لأجل الوحدة الوطنية وتهدئة النفوس".

وكرّرت معظم القنوات مشاهد المواطنين الذين يسارعون نحو مراكز التصويت، مثلما استخدمت صور كبار السن الذين أقدموا على الانتخاب، دليلًا على ذلك المواطن الذي لم يتأخّر عن تأدية واجبه الانتخابي رغم كبر سنّه وعجزه عن المشي، لتتّضح أن بعض الصور المستخدمة من طرف القنوات تعود إلى خمس سنوات مضت، وهو ما فضحته منشورات أهاليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق، تجاهلت قنوات جزائرية ما يحدث في الشارع الجزائري من احتجاجات، وغضّت الطرف عن حجم التصويت في ولايات منطقة القبائل، التي شهدت نسب مشاركة ضعيفة جدًا بحسب أرقام السلطة المستقلة للانتخابات نفسها.

يبدو أن نسبة المشاركة، كانت من المخاوف التي حاول المحلّلون الالتفاف عليها في بلاتوهات التلفزيون، بالتأكيد على أن" نسبة المشاركة ليس هو الرهان الحقيقي في الانتخابات الرئاسية، ولكن هو بناء جزائر الغد".

فتيحة زماموش

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك