سياسة تبادل الأدوار في نظام الحكم في الجزائر

IMG_87461-1300x866

في الجزائر، ينطوي نظام الحكم على نواة صلبة هي سلطة الجيش، التي تولت دور عرَّاب يقود سياسة فائقة، فوق الأحزاب ومؤسسات الدولة، يكتفي بتحريك خيوط اللعبة السياسية وتنتهي دائما إلى «تفريخه» لرؤساء يمثلون دولة العسكر. وهذه اللعبة المُحْكمة تَوَاتَر عليها النظام، وصارت عنده قاعدة مَكِينة بعد الانقلاب على أول انتخابات ديمقراطية شهدها الجزائريون في حياتهم الحديثة والمعاصرة عام 1992. فقد ارتكب الجيش جريمة دولة عندما اغتال في لحظة واحدة «الثورة التحريرية» باغتياله المجاهد والمناضل محمد بوضياف، واغتيال الشعب عندما ورّط البلد في أتون حرب أهلية، لاتزال تداعياتها إلى اليوم. ولعلّ هذا ما يجعل السلطة الحالية أو بقاياها يتحرَّجون من سلطة الشعب، ومن النظام الديمقراطي، ويصرّون على التعامل مع الرَّعية بدل المواطن.

ولِفَهم الآلية التي يشتغل عليها نظام الحكم في الجزائر، منذ أن تفاجأ بأن العصر لم يعد للعسكر، وأن كل شيء إلى الحياة المدنية والسياسية، وأن نظام الحكم يجب أن يَنُوس بين المُوالاة والمُعارضة كأفضل طريق إلى معرفة الحق والقانون والعدالة والواجب والدولة، خلاف ذلك ذهبت سلطة العسكر إلى العِناد والاستماتة في الحكم، بلعبة تزييف وعي الجزائريين بحقائق السياسة عبر لعبة تبادل أدوار لِلاعب واحد يُغَير من مَكانه ومن جلده ومن بشْرَته أيضا، أي يشْطُرُ نفسه شطرين أو حزبين، على ما فعل حزب جبهة «التحرير» الوطني في عهد الرئيس ليامين زروال، الذي اشترط إبعاد «الفاسد الصيت» جبهة التحرير، وإحلال حزب آخر محله، يكون نسخة مزيفة من الأول، أطلق عليه «التجمع الوطني الديمقراطي»، حيث كل حزب ينشط ويؤدي دور المعارض، عندما يكون النصف الآخر في السلطة، أي أنهما أسَّاسا معاً لُعْبة سياسية جديدة لم تنشئ الفعل السياسي بمعناه النبيل والسليم للكلمة، بقدر ما أنها أرْسَت لعملية تشكيل دولة العصابة، تتغذى مع الوقت من سياسة المعارضة المؤيدة دائما للنظام القائم.

جبهة «التحرير» الوطني هي التنظيم الذي عاث في البلد بكل أشكال الفساد، على ما نحضر ونسمع من محاكمة أشرار الحكم السابق، هو ذاته « التجمع الوطني الديمقراطي» تنظيم الأشرار ، على ما يشهد عليه الجميع اليوم، لأن رَأْسَه الأول يوجد في السجن ويُحاكم في أكبر عملية سَطْووانتِهَاك للمال العام في تاريخ الجزائر في كافة عصورها التاريخية، ورَأْسه الثاني الذي يتأهب لكي يكون الرئيس المقبل لدولة الجيش. تلك هي المفارقة الصارخة الذي آلت إليه عملية سياسة تبادل الأدوار بين الحزبين الحاملين للصورة والشكل الواحد، في مشهد تبادلهما لحظة في الحكم ولحظة أخرى في المعارضة، وفي السجن مرة وخارج السجن مرة أخرى، على أن تَبْقَى نَواة النِّظام بيد قيادة الجيش، على ما يفعل «القايد»، في معركته لتنظيم رئاسيات يَطْلع فيها حَتْمًا «رئيسا مدنيا» يُمَثّل بامتياز نظاما متواريا فوق، وليس خلف، مؤسسات الدولة.

سياسة تبادل الأدوار بين الواحد المنشطر إلى اثنين، واحد يَحْكُم وآخر يعارض بالتأييد، بدأت مع دخول الجزائر لحظة الشعور بالديمقراطية، واهتدت إليها قيادة الأركان، بعد ما تأكدت أن حزب جبهة التحرير، صار العدو الفاجر الذي تستهويه «الشكارة» أكثر من أي اعتبار آخر، وبعدما نسي ما معنى أن تكون في حزب يناضل من أجل إصلاح الوضع، ومنافسة الحزب الحاكم بما هو أفضل وأنفع. كل ذلك صار بلا معنى، عندما استبعد مفهوم المعارضة من القاموس السياسي، ومن ثم إعدام المجال العام بمصادرة خاصية النزاهة والمصداقية وعمومية الدولة ومرافقها، لكي تُكَبّل في حبائل سلطة الدولة العميقة، لأن مصادرة المجال العام يعني من جملة ما يعني تعطيل العمل بفكرة العدالة ومفهوم الحق ومعنى القانون.

عندما خاض الشعب الجزائري حَرَاكه العظيم، كان أول مطالبه وأكبرها، ولا يزال، أن «يزول النظام بكامله»، الطريق الأسلم لتأمين إمكانية وجود معارضة تصحح الوضع الفاسد الذي قد ينجم عن وصول حزب إلى سدّة السلطة، ويصير الأمر إلى إمكانية تناوب الحكم، وليس تبادله على ما هي لعبة السلطة العسكرية في الجزائر، منذ مطلع التسعينيات. ولعّلنا لا نحيد عن الحقيقة، إذا ما قلنا إن أصل اعتراض بقايا السلطة الحاكمة، ونصفها الآخر المسجون على الحراك، هو هذا بالضبط، أي الخوف من الإفراج عن المجال العام وتحرير مؤسسات الدولة من نواتها العسكرية، ومن ثم إفساد لعبة تبادل الأدوار التي لم تعد تنطلي على الشعب في المدن وفي الخارج، لكن بقايا السلطة عمدت هذه المرة إلى استثمار علمياتها في الجنوب الجزائري، ومن لهم الرغبة في عملية النهب المنظم في دورتها الجديدة لما بعد 12/12/2019.

لعبة تبادل الأدوار بين الواحد المؤيد والمعارض في الوقت ذاته، هي التي أضرتّ بالحياة السياسية، وأفسدت الوطن ونُخَبه ومُواطِنِيه. وفي كل الأحوال، فإن المسار الذي آل إليه الوضع بسبب لعبة تبادل الأدوار، أنها أفضت من لعبة بين تنظيمين في جوف حزب واحد، يناصر ويعارض بشكل متعاقب، لا يُغَيِّر من الأمر، إلى الإصرار على توطين نظام العصابة في عمق الدولة، لأنها منطوية على الفاعل نفسه. والأمر لم يَتَغَّير في اللحظة الراهنة، حيث دخل فعل الحَرَاك إلى الفعل السياسي والمجال العام، لكي يجبر بقايا السلطة أن تحاكم نصفها الآخر، في عملية تبادل الحكم والسجن، لا نعرف مخرجاته بالضبط، لأنها في كافة الأحوال، تعد هذه المحاولة سابقة جديدة، لم يألفها النظام السياسي في الجزائر، إلا على صعيد أدنى، حيث يقبل الشخص أن يزور السجن لكي يخرج ثريا وفق ما سطّرته وسنّته عصابة الأشرار، التي تشرف على عملية دخول وخروج مجرمي الحق والمال العام.

وعليه، أخيرا، ولعّله أولا، فإن الاعتقال والمصادرة وإبعاد المعارضة عن مجال الفعل السياسي، ومن إمكانية الوصول إلى سدة الحكم، تبقى دائما الفعل المشترك بين بقايا السلطة الحاكمة والمسجونة، وقد سبق لها وقطعت العهد الشرفي من أجل تجشم القدرة على الدخول إلى السجن والخروج منه بعد ما تكون قد فقدت كل اعتبارات الشرف والحياء والمروءة. لا نطوي هذا المقال إلا ونعطي الشاهد على ما نذهب إليه في سياسة تبادل الأدوار في الحكم والمعارضة بين الواحد المجزأ، بين جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. فقد يُصَار إلى تجزئة المجزأ بين رئيسين للتجمع الوطني الديمقراطي، حيث يقبع الرئيس الأول للحزب في السجن، ويُنْتَظر الرئيس المؤقت له أن يكون رئيساً جديداً للعهدة الخامسة، وفق نظرية تبادل الأدوار مرة في السجن ومرة أخرى في الحكم. وعلينا أن نتصور جميعاَ ما إذا كان الشِّبل الطليق يستطيع أن يبقي الأسد في عرينه. ضرب من المحال، لا يدور إلا في خلد عصابة أحكمت سيطرتها على مقاليد السلطة وتأبى أن تتنازل عنها.

نور الدين ثنيو

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ابو نوح

    في سنة ١٩٩٠ كانت الانتخابات الجزاءرية وفاز فيها الإسلاميون ولو بقيت الامور كما رسمها الشعب وتسير كما أحبها ان تكون ، لكانت أحوال الجزائر والجزاءريين حاليا عند حسن ظن الجميع ولكانت كل الاموال التي تهدر من طرف غير الامناء على هذا البلد قد ص فت في صالح العام ولكن ماذا حدث الجيش الغى كل شيء واصبح يتحكم في كل شيء من وراء الستار وبقي البلد يترنح في مكانه دون ان يبرح من مكانه . ونفس المشهد نراه هذه الايام

الجزائر تايمز فيسبوك