يا حكام الجزائر لماذا لا تحاكِموا كبيرهم الذي شجعهم على السرقة

IMG_87461-1300x866

القليل مما قيل في المحاكمة الجارية بالجزائر العاصمة لكبار المسؤولين في عهد المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، يكشف عن عصابة حقيقية استولت على بلد ونهبته مثلما يستبيح لصوص مزرعة لا صاحب لها.
تناولت المحاكمة، التي هناك الكثير مما يقال في نواحيها التنظيمية والقانونية والقضائية، قضايا فساد ورشاوى واستيلاء على المال العام في نشاط اقتصادي واحد هو تركيب السيارات الأجنبية داخل الجزائر عبر امتيازات تُمنح على أعلى مستوى لأكثر الناس حظًّا وحظوة وقربا من المخلوع وشقيقه. ثم قرر القضاة إلحاق قضايا تمويل الحملة الانتخابية التي كانت سترشح المخلوع لفترة رئاسية خامسة، بالملف الأساسي.
رائحة المال القذر تزكم الأنوف في الملفات المطروحة. ثروات طائلة ضخَّها «رجال أعمال» و«مستثمرون»، ليس لهم من الاستثمار والأعمال إلا الاسم، في حسابات حملة المخلوع أو انتقلت نقدًا بين المكاتب بغرض تمويل ما كان سيُصبح مذبحة سياسية أخرى في سجل الجزائر الجريحة. رؤساء حكومة ووزراء استغلوا نفوذهم ومناصبهم لتحقيق ثراء زوجاتهم وأبنائهم وأقاربهم. وزراء لا كفاءة لهم سوى في نهب المال العام لم يقصّروا في إهداره.
في الجزائر التي تعاني من نقص فادح في السيارات، ويضطر الناس إلى الاستنجاد بوساطات ودفع رشاوى والانتظار شهور طويلة من أجل الحصول على سيارة حقيرة يدفعون ثمنها غاليا، يصبح الفوز بامتياز تركيب السيارات الأجنبية وتسويقها، مثل ليلة القدر، وصاحب الامتياز أقوى من وزير وجنرال، وأغنى مما لو مُنح آبار نفط في الصحراء أو مناجم ذهب.
تركيب السيارات الأجنبية وتسويقها ليس أهم وأخطر ما هنالك، مقارنة بمجالات وأعمال أخرى مثل النفط والإلكترونيك والمنشآت القاعدية. كما أن تمويل حملة العهدة الخامسة ليس الأكثر «فضائحية»، إذ هناك الرابعة والثالثة وحتى الثانية، وهي عهدات عندما تُفتح ملفاتها، قد تبدو الخامسة متواضعة.
بغض النظر عن المسؤوليات الجنائية الموزّعة بين أكثر من شخص على أكثر من مستوى، والتي يجب أن يدفع أصحابها ثمن ما ارتكبوا، المسؤول الأول والأكبر عن هذه المذبحة هو الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة. ولهذا يجب أن يحاكَم هو أيضا. هو الذي أسّسَ ثقافة اللصوصية والفساد ونهب المال العام. احتقر الناس واشترى ذممهم بسعر بخس فزرع فيهم الذل والإيمان بأن كل شيء في الجزائر يُباع ويُشترى، بما في ذلك الإنسان. وهكذا أصبحت اللصوصية والذل السياسي عنوانا لفترة حكمه المشؤومة.

لا يمكن تصديق أن بوتفليقة، بكل دهائه الشخصي ولؤمه السياسي وجنون العظمة الذي استبد به، كان يجهل أن الجزائر استبيحت في عهده. ولا يمكن تصديق أن ذلك الفساد الرهيب استشرى فقط بعد 2014 عندما فقدَ المخلوع قواه البدنية والذهنية وسلّم مفاتيح البلاد لشقيقه الأصغر وحفنة من الأشرار من حوله. 2014 كانت السنة التي انكشفت فيها الفضيحة عندما لم يعد ممكنا التستر عليها بسبب جشع اللصوص وافتقارهم للقناعة والعقل. تزامن ذلك مع صراع صامت بين أجنحة النظام شجع على خروج الفضائح عن السيطرة، منها فضيحتا سوناطراك 1 و2 وبطلهما الوزير السابق شكيب خليل، وأيضا ما سُميَّ قضية الطريق السيّار وبطلها الوزير السابق عمار غول الذي كان يصف المخلوع بـ« الأب المجاهد». تزامن كذلك مع شكاوى في الخارج عبر الشرطة الدولية ومحاكم دول عدّة منها كندا وإيطاليا.
محاكمة بوتفليقة فعلٌ وطنيٌ يجب أن يتحقق، إنصافا للجزائر ولخيراتها وإكراما لأرواح الذين كانت ممارساته سببا في موتهم كمدا، والذين بسببه التهمهم الحوت في أعماق البحار بعد أن تعطلت قواربهم. صحيح أن محاكمته (وغيره) لن تعيد الأموال المنهوبة، أو لا تعيدها بسرعة وسهولة، لكنها ستعيد الثقة في الجزائر. محاكمته ضرورية للجزائريين حتى يطمئنوا إلى أن مَن نكّل بهم، أو كان سببا في ذلك، يدفع الثمن ولو في أرذل العمر. وضرورية للمخلوع ذاته حتى يتصالح مع نفسه ويستقر في وعيه أنه يتحمل مسؤولية تاريخية في المستنقع الذي آلت إليه الجزائر. عدم محاكمة المخلوع، وبالنظر إلى تركيبته النفسية وجنون العظمة الذي يسكنه، سيكرس لديه الانطباع بأنه لم يخطئ لأنه معصوم من الخطأ، وبأن الجزائريين لا يستحقونه بل تآمروا عليه لأنهم جاحدون، مثلما اعتقد منذ 1980 عندما أحاله الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد على مجلس المحاسبة بتهمة الاستيلاء على فائض أموال السفارات والقنصليات أثناء مهامه كوزير للخارجية.
أؤمن إيمان عميقا منذ عقدين بأن «حالة بوتفليقة» هي خليط من السيكولوجي والسياسي، ولذلك يجب أن تراعي محاسبته أمام المحاكم هذا الخليط. ولا بأس من تسييس القضاء مرة بعد أن سيّسه المخلوع 100 ألف مرة.
لا حجة للذين يدفعون بأن الرجل في طاعن في السن وبأن صحته المعتلة لا تسمح بمحاكمته. على هؤلاء أن يتذكروا أن اللصوص والانتهازيين الذي أحاطوا به، وإلى غاية 22 شباط (فبراير) الماضي كانوا يكررون بلا ملل أن صحته في أحسن حال وذهنه أكثر فطنة من أذهان الجزائريين جميعا.
ولا حجة للذين يدفعون بمقولة «ارحموا عزيز قوم ذلّ». لا مكان للعزّة والذل هنا، الرجل استولى على القارب في غفلة من أهله بعد أن أوهمهم بأنه ملاك مخلّص. ولم يذّل، لأنه ما زال يعيش حياة هادئة هانئة أفضل من 40 مليون جزائري حوّل حياتهم إلى جحيم وأفقدهم الإيمان بوطنهم.
كلام العمر والعزَّة والأعذار، إذا كان ضروريا، يُطرح بعد المحاكمة، وليس قبلها. الجزائر اليوم بحاجة إلى دروس وعِبَر لكي لا يفعل بها آخرون ما فعل المخلوع.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ابو نوح

    نعم لما افتضح كيدهم من طرف الشعب ، تبرأ منهم ووضع كل رموز السلطة المدنية التي كانت تشاركه في كل انواع جراءم الفساد في السجن . ولم يمس ولو فردا واحدا من الحضيرة العسكرية التي تبايعه في كل اجرامه ، واصبح هو المشرع الامين الطاهر في البلد . نعم هكذا تدار الامور في بعض الدول العربية ان لم اقل في مجملها

  2. نتساءل عن المدعو مساحل و لحمامرة وبوقطاية والمدخو اللقيط خوليف وكل اللقطاء الذبن كانوا ينبحون وينبحون اين اختفوا ام ان الحزاءر لا تعني لهم شيئا هؤلاء الحشرات كانوا فقط مختصين في زيادة الحطب في النار في موضوع العداء للمروك ووتوهيم الشعب الجزايري على ان المروك عدو الجزاير في حين ان العصابة هي العدو الاكبر بل اكبر حتى من اسرائيل واليوم خلاص يتنحاو قاع مكانش الفوط مدنية ماشي عسكرية

الجزائر تايمز فيسبوك