تاريخ الجزائر لن يهمله التاريخ

IMG_87461-1300x866

أجد نفسي أحيانا مضطرا للوقوف لحظات عند بعض محطات التاريخ الجزائري الذي أعترف أننا مقصرون في التعريف به، برغم أن الشرفاء في العالم كله يعترفون للحركة الوطنية بصلابتها ووعيها منذ أحمد باي والأمير عبد القادر، ويعترفون للثورة الجزائرية بقيمتها التاريخية ويرون أنفسهم جزءا منها، ويعرفون للجزائر الكثير مما قامت به، سواء في إطار التنمية الوطنية أو في ميدان الدفاع عن الشعوب المضطهدة ودعم حركات التحرير الوطني أو في مجال العمل لجعل العالم أكثر عدلا وأمنا واحتراما للقيم الإنسانية.

وأحاول، عندما تتاح الفرصة، تصحيح بعض ما يُكتب مما يعبر عن عدم معرفة بالحقائق أحيانا أو ادعاء الحكمة بأثر رجعي تارة أخرى، وغالبا ما يكون تعبيرا عن توجهات معينة حدث أنها هُمّشتْ أو هَمّشتْ نفسها إثر استرجاع الاستقلال، وسيرا على فهمٍ أراه مُعوجا للمنطق الديموقراطي المتعارف عليه، يعلن بوضوح رأيه بأن صندوق الانتخابات محاولة من الأكثرية لسحق الأقلية، ويرتبط ذلك الادعاء بسلسلة من البكائيات والمظلوميات المفتعلة التي تحاول إخفاء الهدف الحقيقي هو تمكين الأقلية من فرض رأيها على الأغلبية، وهو ما عرفناه إثر العشرية الدموية وتداعياتها المأساوية.

والمضحك أننا عُدنا نسمع هذا الطرح من جديد من بعض من فشلت قياداتهم في دفع المؤسسة العسكرية إلى تجاوز الدستور ومنحهم حق قيادة البلاد بصفتهم نخبة النخبة.

ولقد ووجهت خلال عملي الديبلوماسي بالكثير من المواقف التي تدين تقصيرنا وإهمالنا في التعريف ببلادنا وشرح مواقفها وإبراز الفروق بين تجربتنا الوطنية وتجارب أخرى لها وزنها وقيمتها ولكنها لا تتوافق بالضرورة مع ما عشناه وعملنا من أجله ، ولعل منها موقف طريف مع سياسي في باكستان، كان يتصور أن الجزائر احتفلت إثر استرجاعها للاستقلال بزواج الرئيس أحمد بن بله من المجاهدة جميلة بو حيرد، وقلت له ضاحكا: لماذا لا تضيف أن شاهدي القران كانا نزار قباني، صاحب القصيدة الشهيرة عن “جان دارك” الجزائر، كما أسماها، ومفدي زكريا، مؤلف النشيد الوطني الجزائري.

والمناضل الجزائري الحقيقي، وأيا كان مستواه الثقافي أو الوظيفي، لا يخجل من الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها جزائر الاستقلال، وكانت في معظمها نتيجة لتراكمات مرحلة الاستعمار الدموي الاستيطاني بكل إفرازاته وعن عقود الكفاح الوطني بكل تناقضاته وعن سنوات الكفاح النوفمبري بكل معاناتها وضغوطها والتجاذبات فيها وحولها، وعن نقص الخبرة والتجربة لدي جلّ قيادات واجهت أقوى قوى المتوسط.

وتمازجت تلك التداعيات مع تناقضات نوعية التكوين التعليمي والوسط الاجتماعي الذي نمت فيه معظم قيادات تلك المراحل، برغم أن كلا منهم كان يتصرف من منطق وطني حقيقي، ولكن منسجما مع تكوينه وبصمات بيئته ومجتمعه.

وكمثال بسيط، كان جوهر الخلاف بين القيادات السياسية على مشارف الاستقلال وليد اختلاف التكوين وظروف الحياة بين سياسيين ناضلوا في الحركة الوطنية ثم في الخطوط الخلفية للثورة ويعيشون السياسة بالمنطق الغربي الذي يجعل من التعددية الحزبية أساس الممارسة الديموقراطية ويجب بالتالي أن تكون هدفها الرئيسي، وبين مجاهدين عاشوا مرحلة الكفاح الوطني مع جماهير كانت فريسة للجهل والفقر والمرض، يجسدهم أبناء جيش التحرير الوطني المحارب في الميدان، والذي كانت قياداته ترى، وهي تعدّ لمرحلة الاستقلال، أن الحزب، أيّ حزب، هو تنظيم سياسي يعبر عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لشريحة ما من الشعب، وفي غياب رأسمالية وطنية كتلك التي عرفتها بلدان كثيرة كانت الوضعية إثر الاستقلال هي وضعية شعب يشكل إلى حدّ كبير شريحة واحدة تفرض، مرحليا، وحدة التنظيم السياسي ووحدة القيادة الوطنية ووحدة التوجه التنموي، خصوصا والأغلبية الساحقة تدين بدين واحد ومذهب سنيّ واحد لا تتناقض معه انتماءات مذهبية محدودة الانتشار، ومن هنا نفهم خلفية محاولات التقسيم التي لجأ إليها الاستعمار القديم وتتواصل اليوم عبر بعد امتداداته.

وكان الرأي هو أن أي أحزاب تكونها شخصيات وطنية، وبدون أي تشكيك في قيمتها الذاتية، لن تكون أكثر من نوادٍ فكرية أو إيديولوجية محدودة الأثر الجماهيري، ولعل نشاطها، بما يمكن أن تدعو له أو تحرض عليه، يكون ضررا على عملية التجنيد من أجل التنمية في إطار الوحدة الوطنية يفوق أي نفع يمكن أن تحققه، وهكذا تضطر الدولة محدودة الميزانية في بدايات الاستقلال إلى تمويل مؤسسات ليس لها مردود جماهيري حقيقي وتشجع نشوء تناقضات فكرية يعرفها مجموع المثقفين في كل مكان، تتحول جماهيريا إلى تناقضات سياسية واجتماعية.

وربما كان في هذا التفكير بعض “الطوباوية” أو “المبالغة النضالية”، ولا أرى عيبا في الاعتراف به، وأنا أعرف وضعية القيادات آنذاك وضآلة الامكانيات الاستشارية العلمية وفيضان الآراء المتحمسة لعمل الكثير الكثير.

وكان هناك اتجاه يمثله سياسيون التحقوا بثورة أول نوفمبر 1954 في مراحل متتالية، بدءا من 1956، وتجمع معظمهم في إطار المجلس الوطني، ومن بينهم مناضلون قدامي في الحركة الوطنية بمختلف توجهاتها، كعباس فرحات، الذي تغير موقفه في النصف الأول من القرن العشرين بنحو 180 درجة وتخلى عن نظرته القديمة التي كانت تنفي وجود شعب جزائري له عمقه التاريخي وانتماؤه الحضاري، خصوصا بعد تعنت السلطات الفرنسية تجاه المطالبات بتجسيد عناصر الجنسية الفرنسية للجزائريين ومساواتهم بالأوربيين، وهو التيار الذي كان يمثله مع الدكتور بن جلول وآخرين، كان يُطلق عليهم “الاندماجيون”، وأذكر من جديد بأنهم كانوا مثقفين وطنيين مخلصين للانتماء الحضاري للجزائر، بدليل تمسكهم بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي.

ولأن الثورة الجزائرية كانت محصلة عمل وطني واعٍ فقد رأت في مرحلة معينة أن تعْهَدَ لفرحات عباس برئاسة الحكومة المؤقتة التي أعلن عنها في القاهرة عام 1958، وهو العام الذي شهد تولي الجنرال شارل دوغول الحكم في فرنسا، وأتذكر أن الرئيس بو مدين قال لي يوما بما يُشبه الدعابة: في محاولة لكسب الشارع الأوربيّ اضطرت الثورة إلى وضع “برنيطة” على رأسها.

وبرغم أن فرحات عباس عُزل فيما بعد لاعتبارات رأتها القيادة وحل محله على رأس الحكومة المؤقتة مناضل آخر هو الصيدلي بن يوسف بن خدّة، إلا أن القيادات التي تولت السلطة إثر استرجاع الاستقلال حفظت له، ولكثيرين من القيادات القديمة، حقوقه النضالية، ومنحته إمكانية التألق في إطار المرحلة الجديدة بأن عهدت له برئاسة المجلس التأسيسي المكلف بإعداد الدستور.

هنا لا بد من التذكير بأن القيادات آنذاك كانت تعيش ذيول وضعية مرتبكة، فبعد فشل مؤتمر طرابلس 1962 نتيجة لتعمق الخلاف بين الحكومة المؤقتة وقيادة جيش التحرير الوطني، والتي كانت بعض بنود محادثات “إيفيان” واحدا من أسبابه، رأى العقيد هواري بو مدين أن الوضعية تتطلب التكامل بين القيادات التاريخية للثورة الجزائرية (والتي كانت آنذاك في سجن الاستعمار) وبين القيادات الميدانية التي نشأت بعد تكوين هيئة أركان جيش التحرير الوطني، المنتخبة من القيادات الميدانية المقاتلة، وعناصر المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي نجت من مأزق طرابلس.

وهكذا أرسِل الرائد عبد العزيز بو تفليقة ليلتقي واحدا من أول ثلاثة بدءوا الخطوات العملية للقيام بالثورة وهو الشهيد محمد بو ضياف ليدعوه إلى قيادة المرحلة القادمة، ويضع كل القوات المقاتلة تحت تصرفه ويضمن له التأييد من رجالات جبهة التحرير الوطني.

وكان المأمول أن يرحب بو ضياف بالعرض ويحدد المتطلبات الموضوعية التي سوف تمكنه من القيام بهذه المهمة، وذلك بالتنسيق مع زملائه المسجونين  الأربعة (بن بله – بيطاط- آيت أحمد – خيضر) لكنه رفض العرض بحدّة من الصعب تفهمها وبحجة أنه يرفض التعامل مع العسكر (وهو ما قبله فيما بعد في 1992 وفي ظروف أكثر سوءا، انتهت باغتياله المأساوي)

واستُمْزج رأي حسين آيت أحمد كما تردد آنذاك، لكن الوحيد الذي فهم متطلبات المرحلة وتجاوب معها كان أحمد بن بله، وهكذا نشأ الحلف السياسي – العسكري بينه وبين هواري بو مدين، وانطلقت مسيرة الاستقلال بمحاولة ضم صفوف كل المناضلين، ولكن ببعض الفتور تجاه عناصر الحكومة المؤقتة، التي لم تدرك أنها كانت مجرد “سفارة كبرى” للثورة، ولم تكن هي قيادتها العليا بأي حال من الأحوال.

ويُنتخب أحمد بن بله بدعم من القوى المنظمة الرئيسية في البلاد، والتي تكاملت فيها جبهة التحرير مع جيش التحرير الذي أصبح الجيش الوطني الشعبي،  وجرت الانتخابات الرئاسية الأولى في جو من الحماس الهائل من شعبٍ فرحٍ بتحرره واستعادة كرامته، كان على استعداد لانتخاب أي مناضل يرفع العلم الوطني ويعلن قيام الجمهورية المستقلة، وكان واضحا أن جبهة التحرير الوطني، وسيرا على منطق الحزب الواحد الذي تم اعتماده، قدمت مترشحا واحدا للانتخابات، التي كانت في واقع الأمر استفتاء.

ومن هنا دهشت وأنا أقرأ ما كتبه صحفي محسوب علينا، قال حرفيا: “لا أحد من الجزائريين العاقلين قال إن الرئيس الأول للجمهورية الجزائرية الناشئة سنة 1962  أحمد بن بلة تم انتخابه بطريقة نزيهة وشفافة وفي ظل تنافس شريف مع منافسيه…وفي المقابل: لا يُنكر أحد ممن عايشوا بداية الاستقلال أن فرحات عباس هو أول من فاز بالانتخابات في المجلس التأسيسي الأول قبل أن يُدفع الى الاستقالة.”

ومفهوم هذا النص هو أن من يختلف معه، ومنهم خادمكم المطيع، يوضع في خندق الجزائريين “غير العاقلين”، ولا أدري ما إذا كان ذلك نقصا في المعلومات أم ليّا لذراع التاريخ لمجرد إدانة مرحلة استرجاع الاستقلال، وإعطاء شرعية مفتعلة لعملية التمرد التي انفجرت، بمنطلق شخصي وحسابات جهوية، متزامنة مع الغزو الأجنبي للحدود الغربية الجزائرية في أكتوبر 1963.

والقول بأن  فرحات عباس كان رئيسا “شرعيا” ولم يكن بن بله كذلك هو ادعاء تضليلي مضحك، لأن اختيار فرحات لم يكن بانتخاب شعبي وإنما بأصوات أعضاء المجلس التأسيسي ولمهمة محددة هي إعداد الدستور، وكان ترشيحه بإرادة القوى الثورية التي تناقض معها فيما بعد، عندما تصور أن من يُحدد “مضمون” الدستور الجديد هو “تقنيو” المجلس التأسيسي المكلف بصياغة المواد الدستورية وليس “مجموع القوى الثورية” التي كانت تمثلها آنذاك اللجنة المركزية للحزب بقيادة كل من أحمد بن بله ومحمد خيضر وهواري بو مدين وآخرين.

أما انتخاب بن بله فقد كان تعبيرا عن إرادة شعبية هائلة التفت حول مناضل كان رئيسا للمنظمة الخاصة التي أعدت للثورة، وتعرّف العالم عليه ورفاقه منذ اختطاف طائرته في أكتوبر 1956، وكان قبل ذلك واحدا من الثلاثة الذين أشرت لهم واجتمعوا في “مونروج” عام 1953 (والثالث هو علي مهساس) وكان المواطنون يرون بن بله يجلس على قدم المساواة مع كاسترو وشو إن لاي وجمال عبد الناصر وغيرهم من عمالقة ذلك العصر فيحسون بالفخر والاعتزاز، وزعيمهم يتمتع بكاريزما لا تقل عن بقية الزعماء.

وهكذا انتخب الجزائريون بن بله رئيسا للجمهورية بحماس كبير، ولكنه، وبرغم وطنيته وذكائه خضع لمنطق احتكار السلطة، ربما لبعده عن الواقع لمدة ست سنوات في سجن الاستعمار، وهكذا سعى للانفراد بالسلطة وتناقض مع بقية الزعماء ابتداء بفرحات عباس ثم محمد خيضر وبدأ في التخلص من قيادات كانت وراء اختياره (مدغري – قايد احمد – علي كافي – مزهودي – بو تفليقة وآخرين) ثم ارتكب خطيئة إنشاء ميليشيات عسكرية موازية للجيش الوطني، وهو ما رأى فيه وزير الدفاع آنذاك هواري بو مدين ، خطر حرب أهلية، ومن هنا تم عزله في 1965 بعمل انقلابي سلمي، تطور تدريجيا إلى نظام يحمل مشروع مجتمع ما زال الجزائريون إلى يومنا هذا يعتزون به ويحنون إليه، ويؤكد ذلك الالتفاف الشعبي حول الاستفتاء على الميثاق الوطني في 1976 والانتخابات الرئاسية في 1977، وكلها مواعيد انتخابية ناجحة ما زالت راسخة في أذهان المخضرمين، ويحاول الساسة الجدد التعتيم عليها لمجرد القول بأن الانتخابات هي ممارسة لا تنجح في الجزائر، وهي إدانة وقحة للشعب الجزائري.

أما الشاذلي بن جديد فقد رشحته المؤسسة العسكرية فعلا بعد وفاة بو مدين خوفا من تفاقم الصراع السياسي، ومن منطق وطني نبيل، بين دعاة مؤتمر جبهة التحرير (يحياوي) ودعاة مؤتمر الإطارات الوطنية (بو تفليقة) وتزامن ذلك مع قضية “كاب سيغلي” التي تم فيها إنزال جوي من قطر شقيق لخلق اضطرابات في الجزائر، وأتحدى أن يثبت أحد حدوث أي تزوير انتخابي في اختيار الشاذلي، مع الاعتراف بالتضخيم الإعلامي لصراع القطبين المذكورين.

والمهم في كل هذا أن الذين فشلوا في 2019 في سرقة السلطة عبر الضغط على المؤسسة العسكرية لكي تخرج عن الدستور ولتسلمهم مقاليد البلاد كما حدث في بداية التسعينيات، يواصلون محاولة ترسيخ الأكذوبة التي يبررون بها خروجهم عن الإجماع الشعبي الذي وصل إلى اليقين بأن الانتخابات الرئاسية في ظل الدستور، وإن لم تكن هي الأحسن فإنها أقل الطرق سوءا، وهكذا يرددون، بدون أي دليل (وهو ما أنقله حرفيا) بأن : “مسألة الانتخابات في الجزائر وتزويرها والغدر بالرجال من قبل النظام شيء معهود وأصبح تلازما منطقيا ملتصقا بالسلطة ( !!) ولم تتكون قناعة ووعي عامّ بنزاهة السلطات والانتخابات بعد ( !!) وحتى الظروف الطبيعية لم تنشأ، ليس من جانب الامكانيات والأدوات وإنما هناك برمجة للتزوير ووعي زائف بخصوصها وضمير غائب ( وأنا أعرف أن الظروف الطبيعية هي الأمطار والسيول والبرق والرعود، وهذه لا سيطرة لأحد عليها)

والمتحدثون باسم الجماعة التي خسرت رهانها لأنها استهانت بذكاء الشعب الجزائري وبوعيه وعمق وطنيته يدعون بأن “الفراغ الروحي الرهيب الذي تعيشه الجزائر (وهو فراغ في رؤوسهم أساسا)  ترتب عنه وضع نفسي كارثي لاسيما بعد تجميد عمل المصلحين والدعاة (وهم لا يُسمّون لنا هؤلاء الدعاة لنلتف حولهم ضد السلطة الغاشمة !!)

وهم يُجرّمون “تدني مستوى التربية”، والواقع أن مستوى التربية هو أكثر من متدنٍّ، ولكنه نتيجة لسرقة السلطة في التسعينيات وما نتج عن ذلك من فرض المخابرات لوزراء “مطيعين” للتربية، بعضهم من إنتاج جامعات لا قيمة علمية لها، والبعض الآخر من سلالة مشبوهة أحاطت نفسها بالمستشارين الفرنسيين والمتفرنسين، وكان من أهم إنجازاتها حذف البسملة من الكتب المدرسية.

وهم يدينون، عن حق، تدني مستوى الإعلام، لكنهم لا يعترفون بأن سبب ذلك الرئيس هو سيطرة المخابرات قبل عزل قادتها السابقين على كل ما يتعلق بالإعلام، وجعلت من “الكولونيل الزبير” وزير الإعلام الحقيقي ليزرع الفساد في جل المؤسسات الإعلامية، وليفرض هو ومن معه ومن جاء بعده منطق ذهب المعز وسيفه.

والحديث يطول …وأكتفي الآن بالقول أنه من المعيب أن ينسى مواطن جزائري، مجرد مواطن جزائري، فضل المؤسسة العسكرية في ضمان سلمية الحراك الشعبي برغم كل الاستفزازات المسجلة بالصوت وبالصورة، ثم يقدم للأشقاء قراءات مبتسرة للتاريخ، هدفها الرئيس تجريم المؤسسة العسكرية، ويقول، بببغائية مضحكة، إن “رئيس الأركان يخطب في الشعب كل أسبوع من الثكنات العسكرية التي هي مخصصة بالأساس الى الجيش الجزائري ويحشر أنفه في السياسة التي يُحرّمها على غيره من الضباط (أي أنه كان مفروضا أن يُلغى الانضباط العسكري، وهو أساس قوة الجيش الذين يريدون تدمير أسسه، ويستعدون شبابه ضد قادته لخلق فتنة يأملون أن تمنحهم فرص التموقع)

ويصل الأمر بالكاتب إلى حد الاستفزاز المتدني وهو يتهم قائد الأركان بأنه “يتحدث في كل الاختصاصات وكأنه ناطق رسمي باسم الحكومة أو الرئاسة ومخول لذلك رغم أن مستواه محدود ومعروف لدى الجميع !!، يظهر من خلال فلتات كلامه و تركيب التسجيلات وتقطيعها في كل عبارة”.

وهو كلام لا أعتقد أن مؤسسة عسكرية في العالم يمكن أن تتسامح مع قائله، لكنه يحدث في الجزائر لأن السلطات تدرك أن هناك من يذوب شوقا ليستدعيه قسم شرطة فيتقدم للجمهور كبطل لحرية التعبير، وهكذا يتفرعن من لم تطله بعدُ العصا، التي هي لمن عصى.

وهنا نفهم سبب انفضاض الجماهير من حول الحراك الشعبي بعد أن تسربت إليه عناصر رفعت رموزا وشعارات لا تمثل إرادة الشعب، وإذا كانت بعض القيادات انسحبت اليوم تاكتيكيا من الواجهة، ربما لتفاوض على تموقع قادم، فقد ترك الأمر لشراذم من الغلمان تمارس السياسة بالأحجار، ولعله توزيع للأدوار.

دكتور محيي الدين عميمور

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. ya ali ba3ouha

الجزائر تايمز فيسبوك