مآزق نظام العصابة في الجزائر والمآلات المضببة للحراك الشعبي

IMG_87461-1300x866

ما يحدث في الجزائر هو صراع سياسي بين شعب يريد أن يستردّ حقوقه ويجعل مصيره بيده، وجماعات تريد الاحتفاظ بمواقعها والدّفاع عن مصالحها، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث بين ليلة وضحاها، فالثّورة الانجليزيّة استمرّت أكثر من 40 سنة، عرفت خلالها ثورات وثورات مضادّة، والثّورة الفرنسيّة عرفت أيضا عدّة مراحل استمرّت من 1789 حتى 1799، وانتهت بسيطرة البورجوازيّة بعد تحالفها مع نابليون.

النّظام يظهر أحيانا للمتتبّع العاديّ وكأنّه لا يتنبّأ بالمتاعب ولا يتوقّع الحلول للمشكلات، إنّما يكتفي فقط بلعب أدوار كلاسيكية. وللأسف الشّديد، كان ضعف الوعي لدى الشّعب هذه المرّة أيضا عاملا مساعدا للنّظام سمح له بتسيير الشّارع ودفعه حتى لا يقدّم مرشّحا له ولا يذهب إلى الانتخابات، وبالتّالي يبقى الأشخاص الذين يرمزون إلى النّظام هم بدلاء العهدة الخامسة.

يجب ألا ننخدع، فالنّظام هو الذي أسقط بوتفليقة حتى يستمرّ، ضحّى به حتى يحافظ على بقاءه، فإذا كان الشّعب هو الذي أسقط بوتفليقة، لماذا يعجز اليوم عن إسقاط بقية رموز النّظام؟ المتعارَف عليه، أنّ السارق يستحيل أن يلبس الثوب المسروق، لهذا أسرع النظام بتهنئة الشّعب على نجاحه في تنحية بوتفليقة وتأكيده له على أنّه سيرافقه في مسيرته.

من الناحية المنطقيّة أن ننتظر من الانتخابات القادمة أن تكون بالمستوى الذي تطمحه الأغلبية، لأنّ الانتخابات التي لا تلقى ترحيبا واسعا من طرف نسبة جدّ معتبرة من المواطنين، وترفضها أحزابا سياسيّة، وتفرغها من قيمتها الكثير من الشّخصيات الوطنيّة، لا يمكن أن ننتظر منها الكثير، لأنّه مهما كانت نتائجها، ستكون عرجاء، لأنّ الدّولة حتى تتقدّم وبسرعة، ينبغي أن تمشي بأقدام كلّ أبنائها.

كلّ مترشّح هو مشروع فاشل، الانتخابات الرّئاسيّة السابقة كرّست الشرخ والهوّة بين النّظام والشّعب، لكن انتخابات 12 ديسمبر ستكرّس القطيعة النّهائيّة بين الشّعب والنّظام، لهذا لا يهمّ من يكون الفائز، طالما أنّه سيكون فاقدًا للشرعية الشّعبيّة، ويكون مجرّد ممثّل لنظام ينشد الاستمراريّة.

المواطن الجزائريّ لم يعد بإمكانه هضم الخطابات التي تتوعّده بالتّهديد الخارجيّ، وتُرهبه بالخطر الذي يستهدف أمنه، وتُرعبه بالأزمة الاقتصاديّة التي تستهدف قوت يومه، لأنّه سبق له وأن عاش كلّ هذا، واكتشف أنّه كلّما تنازل عن حقّ من حقوقه، إلاّ وطالبته السلّطة بالمزيد من الانبطاح.

بعد نصف قرن، اكتشف الشّعب أنّ النّظام القائم يدور حول نفسه، والشّيء الوحيد الذي يتغيّر هي الأسماء المتداولة على الحكم التي تختصر عملها في بناء نفسها دون إعادة تجديد هذا النّظام بإعادة بنيانه أو على الأقلّ ترميم ما أفسده السّابق، لهذا النّظام الجزائريّ بقي يرواح مكانه في حلقة مفرغة، وعجز على أن يرسم أيّ خط يقود الخطى نحو النّموّ.

ينبغي على هذا النّظام أن يدرك أنّ القطيعة بالمفهوم الابستيمولوجي تحدث في خضم حراك يحمل أفراده نفس الثّقافة، بمعنى مثلما يعرف هذا النظام كلّ نقاط ضعف هذا الشعب، يعرف هذا الشّعب جيّدًا كيف يفكّر هذا النّظام، وبالتالي صاحب النّفس الطويل، والذي يرتكب أقلّ عدد من الأخطاء سيكون النصر حليفه.

ما يحدث الآن في الجزائر لا يمكن إخضاعه لعمليات حسابيّة دقيقة تفضي إلى نتائج يمكن التنبؤ بها مسبقا، لأنّه صراع سياسيّ بأتمّ معنى مفهوم الصراع، صراع بين جماعة ضغط مع جماعات مصالح ضد رغبة الشعب في إحداث تغيير، ومثل هذا الصراع ليس بالجديد في تاريخ المجتمعات والدول، وكشفت البحبوحة المالية التي عرفتها الجزائر وما أنتجته من فساد مستشري، أنّ الصراع قائم على منافع اقتصادية، وكلما كانت المصالح أكبر كلما احتدم هذا الصراع أكثر. لكن أسوأ الاحتمالات التي أخشاها صراحة، أن ينتهي هذا الصراع إلى نتائج جدّ سلبيّة حتى لا أقول كارثيّة.

حسم الصّراع في الجزائر لا ينتهي بمقولة (عليّ وعلى أعدائي)، فالحمد لله لا مكان لـ(نيرون) في الجزائر، لكن سبق وأن دفع الشّعب الثمن باهضا في جولات عديدة من هذا الصّراع في 1963، و1965، و1967، و1988، و 1992، جولات كان الصّراع محسوما لأصحاب المصالح على حساب الشّعب. وكلّ هذا الصّراعات جعلت الشّعب يقتنع بمقولة  جورج أورويل، والتي مفادها أنّه لا يوجد من يمسك بالسّلطة وفي نيته التّخلي عنها طواعية، مثلما تعلّم هذا الشّعب من أبو القاسم الشابي أنّ الشّعب إذا أراد الحياة فلابدّ أن يستجيب القدر.

القطيعة هي التي تهدف إلى بناء ديمقراطيّة حقّة، ديمقراطيّة تنبذ الإقصاء، يستحيل بناء ديمقراطيّة سويّة بروح انتقاميّة، فإذا كان الشّعب فعلا يرغب في معاقبة الأحزاب الموالية للسّلطة، أمامه صناديق الاقتراع لإخراجها نهائيا من السّاحة السّياسيّة.

بالعكس، سيكون بداية لمرحلة جديدة تكون درسا للشّعب حتى وإن كان قاسيا حتى يتكاثف ويلتفّ حول أحزاب تمثّله في البرلمان وفي مجلس الأمة للحدّ من أيّ تجاوز أو استغلال للسّلطة،

هناك أصوات عديدة منادية بتنظيم عصيان مدني أو إضراب عامّ قبل الانتخابات لشلّها وإفشالها نهائيا بغية إجبار النّظام على حزم أمتعة رموزه والرّحيل، لكن لكي ينجح هذا، على الشّعب أن يكون مستعدا لتقديم البديل السّياسيّ، وأقصد هنا بالبديل السّياسيّ، قيام تحالف أو ائتلاف أو تنسيقيّة بين أحزاب سياسيّة ومنظّمات وشخصيات لتشكيل نواة تمثّل الشّعب، ويمكنها التفاوض مع النّظام مباشرة لنقل السّلطة إلى الشعب، لأنّ الشّعب دون قيادة بمثابة قطيع من الغنم أمام وحوش كاسرة، مستعدّة للانقضاض عليه وافتراسه بكلّ شراسة.

لا يمكن اختصار الحراك في يوم احتجاجي يوم الجمعة وفي مسيرات الطلبة يوم الثلاثاء، فالحكيم من يدرك أنّ الوقت يسير بسرعة، بالخصوص إذا لم يكن في صالحك، وكان على الشّارع أن يستفيق من سبات المسيرات ويبحث عن أساليب جديدة لمنح دفع جديد وقويّ لهذا الحراك، لأنّه ضيّع الكثير من الوقت في تنظيم المسيرات عوض البحث عن بدائل.

لا أحد ينكر أنّ الحراك انتصر في بعض معاركه حتى الآن، فهو كان وراء إفشال العهدة الخامسة، وأبعد الكثير من رموز النظام، وأسقط العديد من الأقنعة، وأسمع صوته إلى كلّ العالم، لكنّه للأسف فشل في اختصار المدّة الزّمنيّة في تحقيق مطلبه، مثلما فشل في تقديم قيادات لتمثيله، وهذا الفشل يمكن تداركه، لأنّ الثورة لم تضع بعد أوزارها، وتبقى المعارك محتدمة إلى غاية إجراء الانتخابات الرّئاسيّة. لكن ينبغي أن يسعى الشارع اليوم إلى طرح البدائل والابتعاد عن بعض الأفكار التي أغرقته في الفراغ مثل البحث عن تنظيم مظاهرة مليونية عوض البحث عمّن يأخذ المشعل من المسيرات ويقول للمتظاهرين اتبعوني، لأنّ المسيرات لا يمكنها أن تقدّم أكثر ممّا قدمته.

بالنسبة للطبقة المثقّفة، يجب التّأكيد على أنّه لا وجود أصلا لأيّ طبقة مثقّفة في الجزائر، توجد أسماء لامعة في عالم الثقافة، مثلما لا ينفي أحد وجود مثقفين، لكنّها أسماء غير مهيكلة، ولا تشكّل أيّ وزن، وليس لها أيّ تأثير في أيّ مجال بما فيه الحقل الثقافيّ. أمّا الأحزاب السّياسيّة، فمعظمها نتاج النّظام السّابق، وينطبق عليها المثل القائل (يرفض الحقّ المستفيد من الباطل).لهذا، وضعها الحراك منذ انطلاقته في خانة النّظام.

مثلما يوجد أبطال في الشّرّ هناك أبطال في الخير، النّظام السّابق ميّع كلّ شيء، وعمل منذ الاستقلال على ترسيخ فكرة تقديس رئيس الجمهوريّة فقط، وتقزيم الآخر، لكن هذا الحراك سيجد نفسه مجبرا في يوم ما على الالتفاف حول أسماء جديدة ونظيفة تشكّل تنسيقيّة لتكون نواة حزب أو حزبين أو أكثر لتعويض ما هو موجود حاليا في السّاحة السّياسيّة.

كل المؤشّرات تؤكّد على وجود احتمالين لا ثالث لهما:

الاحتمال الأوّل، دخول أغلب الشعّب في إضراب عام مع عصيان مدنيّ، وفي هذه الحالة، لا يملك النّظام للدّفاع عن مكتسباته غير الذّهاب إلى تعفين الأوضاع بدفع رئيس الدّولة ورئيس الحكومة والبرلمان إلى الاستقالة، وهذا يعني خلق فراغ في المؤسّسات الدّستوريّة، ممّا يفرض إعلان حالة الطوارئ وتجميد الدّستور، ومنح سلطات أوسع للمجلس الأعلى للأمن، والعودة بالجزائر إلى نقطة الصفر.

الاحتمال الثّاني، نجاح النّظام في تنظيم الانتخابات الرّئاسيّة وحسمها في الدور الأوّل، ووضع الشّعب الجزائريّ أمام الأمر الواقع، مع إسراع الرّئيس الجديد إلى تشكيل حكومة جديدة والدّعوة إلى تنظيم انتخابات برلمانية وبلدية مبكّرة، مع التّركيز على اهتمامات جديدة يمكنها تحويل أنظار الشّعب لتهدئته.

ستكون مسكا عاجلا أم آجلا، لكن إلى حين رحيل العصابة، من حقّنا أن نخشى على مستقبلنا، لأنّه عندما تتراقص أعواد الثّقاب فوق علبة الكبريت، علينا انتظار أن تتطاير شرارات النّيران في أيّ لحظة.

د. رشيد حمليل

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك