انتخابات الرئاسة في الجزائر: «زيتهم في دقيقهم»

IMG_87461-1300x866

حرصت السلطة الفعلية في الجزائر على أن تكون القائمة النهائية للمرشحين لانتخابات 12 كانون الأول (ديسمبر) الرئاسية، مقبولة شكلا ومضمونًا، ومتنوعة سياسيا، و«عادلة» تراعي التوازنات الجغرافية (المناطقية). وجادَّة بمعنى خالية من المهرّجين الذين من شأن ترشحهم أو تصرفاتهم السياسية والانتخابية أن تنزع عن الاقتراع وقاره وجدّيته. رأسمال السلطة في هذه الانتخابات هو الجدية، وواضح أنها ترفض أن تضحّي بها بقبول ملفات ترشح مهرّجين أو ثرثارين أحرقوا أوراقهم قبل أن يبدأ السباق. لذلك لم يكن وارداً أن تقبل ترشح أشخاص مثل الصحافي سليمان بخليلي حتى لو أتاها بمليون توقيع داعم (كانت حجة إقصائه أنه جمع 26 ألف توقيع بينما يشترط القانون 50 ألفا). ولم يكن وارداً أن تقبل ترشح آخرين كما جرت العادة في عهد المخلوع.
لكن المهم أن السلطة، بهذه القائمة، ضمنت أن الانتخابات، في كل مراحلها، لن تخرج عن السيطرة. والأهم أنها ضمنّت أن «زيتنا في دقيقنا» أيًّا كان اسم الفائز.
الآن، اطمأنت السلطة الفعلية وتستطيع أن تنام قريرة العين. لا يوجد بين المرشحين من يهدد بهدم معبدها. لا حاجة لها للتزوير، لا تقنيا عبر التلاعب بصناديق الاقتراع ومحاضر الفرز، ولا سياسيا من خلال المسرحيات التي شاهدناها كثيرا في عهد المخلوع. مع هذه القائمة انتفت حتى الحاجة للجنة مراقبة وتنظيم الانتخابات.
التأمل في القائمة الإسمية للمرشحين الخمسة يقود إلى الاستنتاج أن الجوهر واحد وإنْ اختلفت المظاهر والشكليات. تضمنت القائمة مرشحين اثنين أساسيين، هما عبد المجيد تبّون وعلي بن فليس. أُضيف لهم، لزوم التنويع والتشويق، ثلاثة أرانب هم عز الدين ميهوبي وعبد العزيز بلعيد وعبد القادر بن قرينة المحسوب على الإسلاميين. الاعتقاد السائد بين الجزائريين أن تبّون هو مرشح السلطة الفعلية. لكن ماذا لو أن وراء تسويق تبّون كمرشحها المفضل، يكون الجواد الحقيقي لهذه السلطة هو بن فليس؟ ذلك سيكون منتهى الإبداع السياسي، لكن القناعة هي أن السلطة لا تملك الذكاء الكافي لذلك.
المرشحون الخمسة عملوا عند المخلوع وشقيقه، كلٌ على طريقته (حتى بلعيد خدَم المخلوع بترشحه المتكرر في المهازل الانتخابية). لا يعرف الجزائريون أحدا من هؤلاء تمرَّد على المخلوع علنا إلا بن فليس الذي غامر بالترشح ضده في انتخابات (2004 و2014) كان العاقل والمجنون على يقين أنها محسومة سلفا.

واليوم، لا أحد في الخمسة يمتلك شجاعة الخوض في إصلاحات جريئة تذهب إلى حد المسّ في جوهر النظام الموبوء وفساده المزمن. ولا أحد يمتلك قاعدة شعبية كاسحة من شأنها أن تغيّر مجرى الأشياء. ولا أحد يحفظ له التاريخ مواقف استثنائية قادرة على إكسابه ثقة الناس حتى لو لم يحبوه. لا تكفي استقالة هنا أو تصريح مرن هناك لصنع سياسي عظيم. هذه انتخابات استثنائية بمرشحين عاديين أو أقل. الأوفر حظا ليكون رئيسا سيواصل العهدة الخامسة من دون المخلوع، وليمارس البوتفليقية من دون بوتفليقة.
عبد المجيد تبون (من مواليد 1945 في المشرية جنوب غرب الجزائر) أفضل ما بين أيدي السلطة الفعلية. هو أويحيى آخر لكن بجرأة أقل. لو وجدت أفضل منه لتخلت عنه في لحظة. علي بن فليس (من مواليد 1944 في باتنة شرق الجزائر) وكيل جمهورية (مدّعي عام) بمرتبة رئيس حكومة سابق ومرشح رئاسي. لا همَّ له سوى الوصول إلى هرم السلطة بأقل تكلفة. عز الدين ميهوبي (مولود سنة 1959 في المسيلة وسط الجزائر) مثقف أمضى ربع قرن يستجدي مكانا بين لؤماء السياسة. يجب التساؤل مَن وماذا قذف به إلى هذه المعمعة؟ عبد القادر بن قرينة (من مواليد 1962 في ورقلة بالصحراء الجزائرية) النبي الذي بُعث في عام الحراك ليشق صف الإسلاميين. في كل انتخابات يُبعث بين الإسلاميين واحد منهم ليشق صفوفهم. عبد العزيز بلعيد (من مواليد 1963 في باتنة شرق البلاد) تولى قيادة اتحاد الطلبة الجزائريين والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية إلى ما بعد سن الأربعين (طلاب الجامعات الجزائرية يتخرجون قبل منتصف العشرينات من العمر). ترشح «منافسا» للمخلوع في العهدة الخامسة المجهضة، وشوارع البلاد تغلي بالمحتجين والرافضين. وظيفته في الحياة الترشح للانتخابات. سيقضي عمره يترشح بلا طموح إلا أن يُولَّى حقيبة وزارية جزاءً له على منحه نصيبا من الشرعية والمصداقية على اقتراع ما. وحتى هذه المكافأة ما فتئت تتأخر وتبتعد أكثر.
لا يوجد اليوم أكثر سعادة من رؤوس السلطة الفعلية، الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، رئيس الوزراء نورالدين بدوي، وقائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح. فبعد أن كان أسمى طموحهم مرشحا «جادا» وبضع أرانب ينافسونه، نزلت الهدية من السماء وفيها أكثر من مرشح «جاد» وخيارات واسعة من الأرانب.
هناك من يجادل بأن السلطة الفعلية، وبتنظيفها قائمة المرشحين، تكون قد عززت كفة خصوم الخيار الانتخابي في مسألة رئيسية، هي نسبة الإقبال على التصويت. لكن لا يبدو أن السلطة ستتوقف كثيراً عند موضوع الإقبال. حججها كثيرة وجاهزة: العزوف عن التصويت موضة منتشرة في كل دول العالم. جورج بوش الابن تفوق على أل غور في فلوريدا بـ500 صوت من أصل 6 ملايين. نسبة الإقبال في الانتخابات الرئاسية في أفغانستان في أيلول (سبتمبر) الماضي لم تصل 20٪. أستراليا تفرض غرامة مالية على مواطنيها الذين يمتنعون عن التصويت في أيّ انتخابات قومية. الإقبال في انتخابات البرلمان الأوروبي لم يصل يوما إلى 50٪ منذ بداية هذه الألفية… وأمثلة أخرى كثيرة.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. c'est 1962 bis et c'est au tournant qu'il vont s'emparer du haik et kidnapper la belle au haik au nez et a la Barbe du peuple

الجزائر تايمز فيسبوك