مستقبل ليبيا يترنح بين انسحاب أمريكي و انقسام أوروبي وعرب مُهمشون

IMG_87461-1300x866

جدد الرئيسان الأمريكي ترامب والايطالي ماتاريلا الاتفاق القديم على تقاسم الأدوار في ليبيا، والذي أماط اللثام عنه رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينزي خلال زيارته البيت الأبيض في الصيف الماضي. وأتت المحادثات التي جمعت ترامب وماتاريلا في البيت الأبيض، متزامنة مع الجهود التي ما فتئت تبذلها حليفتهما ألمانيا من أجل عقد مؤتمر دولي لحل الأزمة الليبية، في برلين الشهر المقبل. وبدا واضحا أن الملف الليبي استأثر بقسم مهم من المحادثات بين الرئيسين، في إطار “تعزيز الاستقرار في منطقة المتوسط” بحسب تعبيرهما. وكرر ماتاريلا ما سبق أن أطلقته المستشارة الألمانية ميركل من تحذيرات مفادها أن لهيب الحرب في ليبيا قد يحرق بلدان الجوار، وربما القارة الأفريقية برمتها. ويقضي تقاسم الأدوار بين روما وواشنطن في هذا الملف، بأن تتولى الطائرات الأمريكية توجيه ضربات لعناصر مُصنفة إرهابية، خاصة في الجنوب الليبي، فيما تتابع إيطاليا الجهود الرامية لعقد مؤتمر دولي يُمهد لانتخابات عامة في ليبيا.

ثلاثة أطراف

تقول الباحثة الفرنسية المتخصصة في الشؤون المتوسطية إيفان تريبنباخ “يُخطئ من يعتقد أن تنظيم داعش انتهى”، مُوضحة أنه لم يضمحل، وأن مقاتليه الذين حررتهم العملية التركية في شمال سوريا من سجون الأكراد، سيذهب قسم منهم إلى ليبيا، فيما سيقع الباقون بين أيدي ثلاثة أطراف هي تركيا والأكراد السوريين وقوات الأسد. من هذه الزاوية فإن الأمريكيين عاقدون العزم على المضي في الضربات الجوية الموجهة لعناصر متشددة في ليبيا. وهذا ما يُفسر تركيز الأمريكيين على الضربات الجوية بُغية جعل الجنوب الليبي منطقة غير آمنة للجماعات المسلحة. وكان التنظيم أعلن في أعقاب هزيمته في مدينة سرت، العام 2016، ثم خروجه من الرقة والموصل، أنه سيعود إلى السرية، وهو ما تم فعلا بعد تنفيذ العملية التركية في الشمال السوري. وحسب تقديرات مراكز أبحاث أوروبية يصل عدد المرتبطين بتنظيم “داعش” إلى 100 ألف عنصر، بينهم 12000 مقاتل، ومن ضمنهم 4000 أجنبي. وقد يبحث هؤلاء عن ملاذ آمن في ليبيا، وخاصة في جنوبها، حيث الدولة غائبة.

تعاون مع أمريكا

من هذه الزاوية، يحاول رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج إقناع الإدارة الأمريكية بثلاث خطوات، أولاها أن تعاون الحكومة الليبية مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، حقق نجاحا حتى الآن. وثانيها أن إيقاف الحرب سيمنح فرصا جديدة للشركات الأمريكية، للاستثمار في قطاعات مهمة، مثل الطاقة والبنية الأساسية والأمن. أما الخطوة الثالثة فهي إقناع أمريكا بالمشاركة في مؤتمر برلين الشهر المقبل، لأن غيابها سيُحول ليبيا إلى ساحة لخوض حروب بالوكالة، شبيهة بما يحدث في سوريا. وفي هذا المضمار نقل موقع “أرمي نيوز” عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية أن الغارات التي نفذتها “أفريكوم” (القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا) واستهدفت معسكرات يُعتقد أنها تابعة لتنظيم “داعش” في ليبيا، أسفرت عن مقتل نحو ثلث عناصر التنظيم. وذكر المسؤول أن الطيران الأمريكي نفذ أربع غارات في الأسابيع الأخيرة تسببت بمقتل 43 مسلحا من مقاتلي التنظيم، مُقدرا عدد المتبقين بنحو مئة عنصر. وحسب “أرمي نيوز” تراجع عدد الغارات الموجهة لعناصر التنظيم من 500 ضربة في العام 2016 إلى ست ضربات جوية فقط خلال العام 2018.

خلف الستار

من الواضح أن إدارة ترامب تحرص على اللعب من وراء الستار، وسط الضغوط الداخلية المسلطة عليها ومخاوف الأمم المتحدة من الانعكاسات السلبية لاتساع رقعة النزاع. وعليه يبقى التساؤل قائماً حول احتمالات التدخل الأميركي المباشر في الملف الليبي. وفي جميع الحالات يبدو أن قلب الإدارة مع حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، بينما سيفُها مع القائد العسكري للمنطقة الشرقية الجنرال حفتر. وتكرس هذا الانحياز بشكل سافر، عندما هاتف مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، حفتر قبيل انطلاق الزحف على طرابلس، ويُقال إنه أعطاه الضوء البرتقالي للإقدام على عمليته العسكرية، بينما تولى ترامب شخصيا إعطاءه الضوء الأخضر من خلال المكالمة التي جرت بينهما بعد ذلك.

والثابت أن الاتصالات بين خليفة حفتر والمسؤولين الأمريكيين لم تنقطع أبدا. وفي شباط/فبراير الماضي، أكد القائد السابق لـ”أفريكوم” توماس والدهاوسر، أن الولايات المتحدة حافظت على خطوط اتصال مع حفتر طوال الفترة الماضية. وإذا كان هناك إجماع بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الوضع الليبي، على ضرورة توحيد الجهود لاحتواء محاولات “داعش” التمدُد داخل ليبيا، فإن المسائل الأخرى ما زالت موضع خلاف، خاصة بين فرنسا وإيطاليا، على الرغم من التحسُن الذي طرأ على العلاقات الثنائية في الفترة الأخيرة. لكن السراج يعتقد أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لديها فرصة حقيقية لإقناع البلدان العربية وروسيا، بالتوقف عن تأجيج آلة الحرب، التي تضم بين مسلحيها مرتزقة روس يقاتلون على الأرض، على ما قال السراج.

استبعاد الخيار العسكري

في الجهة المقابلة تطرح فرنسا، غريمة إيطاليا، على لسان وزير خارجيتها جان إيف لودريان، سبعة منطلقات للخروج من الأزمة الراهنة، مع اقتراب مؤتمر برلين المقرر للشهر المقبل. والمنطلق الأول هو قناعة جميع الأطراف تقريبا باستبعاد الخيار العسكري، ما أفرز إجماعا دوليا على الحل السياسي. والمنطلق الثاني هو إقامة مؤتمر دولي بمشاركة جميع الأطراف المعنية بالأزمة الليبية، والثالث هو الامتثال لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا، أما الرابع فيتمثل في دعوة الليبيين إلى تحديد موعد زمني لإجراء انتخابات حرة وشفافة، ويتمثل الخامس في إقرار هدنة، ومن ثم وقف إطلاق النار، بينما يتعلق المنطلق السادس بتوحيد المؤسسات الاقتصادية (المصرف المركزي ومؤسسة النفط الوطنية…)، ويتمثل المنطلق السابع ببناء جيش وطني موحَد.

انطلاقا من هذه الأسس السبعة، لا يبدو أن هناك خلافات جوهرية بين فرنسا وإيطاليا، ففي 26  أيلول/سبتمبر الماضي، أعلن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو بعد اجتماع مع لودريان في روما، نية بلاده تعزيز العمل المشترك مع فرنسا، بغية إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، في أعقاب حدوث تقارب بين البلدين حول ملفي ليبيا وقضية الهجرة. غير أن الموقفين مازالا متباعدين من الدور الذي يمكن أن يلعبه حفتر، إذ يعتبره الفرنسيون مؤهلا لدور سياسي، يؤدي إلى توحيد البلد المقسم ويفرض بسط الأمن، وإن بقبضة من حديد، وقد ساعدوه على تقمُص هذا الدور، لكنه أخفق.

 أكثر من ذلك يتوجس ليبيون كُثرٌ مما قد يكون الفرنسيون يُضمرونه من خطوات بعد استضافتهم قمة الدول الصناعية السبع الأخيرة، التي دعت إلى عقد “مؤتمر دولي جديد حول ليبيا، يكون مُعدًا إعدادا مُحكما، وتشارك فيه جميع الأطراف والقوى الاقليمية المعنية بالملف الليبي” على ما جاء في بيان فرنسي صدر على هامش القمة، ما اعتبره مراقبون مختلفون منافسة للمبادرة الألمانية. وكرر وزير الخارجية لودريان هذا العرض يوم 29 آب/اغسطس الماضي.

مخاوف روسيا

اللاعب الروسي، وهو القادم الجديد إلى الساحة الليبية، يحمل بدوره مخاوف من انتشار العناصر الجهادية، بعد الحملة العسكرية التركية في شمال سوريا. لا بل إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حذر علنا من أن ليبيا “تواجه خطر التحول إلى قاعدة رئيسة للإرهابيين في شمال أفريقيا”، إذا ما طال أمد الحرب الأهلية، مع ما يترتب عليها من انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح وتكاثر الجماعات الخارجة عن القانون، داخل ليبيا وفي المنطقة برمتها.

في هذا المشهد المتشابك، تبدو دول الجوار غائبة أو مُغيبة، بالرغم من محاولات الاتحاد الأفريقي المشاركة في المساعي الرامية لإعادة الاستقرار إلى ليبيا. ومن الواضح أن استبعاد دول الجوار من المؤتمر الدولي المزمع عقده في ألمانيا، دليلٌ على الاستهانة بتلك الدول، ونفي لأي دور يمكن أن تساهم به في حل الأزمة، على الرغم من أنها أول المتضررين من استمرار الصراع في ليبيا، وأول المستفيدين من عودة الاستقرار والأمن إليها. والظاهر أن انكفاء أهم جيران ليبيا من دول عربية على أوضاعها الداخلية، جعلها مُهمشة في الحركة الدبلوماسية التي تمهد لمؤتمر برلين وتُوجهُ أعماله وقراراته.

لا حول ولا قوة

أما الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش فكل أمله أن يُسفر مؤتمر برلين عن قرار يُصدره مجلس الأمن الدولي، في إطار التحالف الدولي المناهض لتنظيم “داعش” وضد الإرهاب العابر للحدود الوطنية، على أن يكون القرار مُلزما للقوى الكبرى، من أجل وقف الحرب بالوكالة ووضع آلية سريعة لتنفيذ الحظر المفروض على إرسال الأسلحة إلى ليبيا. على أن الأمم المتحدة لا تملك القدرة على إلزام القوى المؤثرة في النزاع، بالكف عن تسليح الفريقين المتحاربين، ولذلك سينتفي ركن أساسي من المسار السياسي، وهو الهدنة التي تُشفعُ بوقف دائم لإطلاق النار. وحتى لو سارت الأمور في اتجاه وقف إطلاق النار، سيثور خلاف حول المواقع التي ينبغي أن تقف عندها قوات الجنرال حفتر، إذ يُطالب السراج بـ”عودتها من حيث أتت” أي إلى قواعدها في الشرق والجنوب، بينما يُصرُ أنصار حفتر والدول الداعمة له على عدم التنازل عن المواقع التي استولوا عليها في محيط طرابلس.

وطالما لم يُتفق على هذه المحاور الكبرى في الفترة القريبة المقبلة، سيكون المؤتمر المزمع عقده في برلين، إذا ما عُقد، مجرد رقم في سلسلة مؤتمرات لا مكان فيه إلا للثرثرة والمُثرثرين.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك