خبت العصابة ينتقل من شيطنة الحراك الشعبي الى القمع و الإعتقال

IMG_87461-1300x866

حراك الجزائريين الذي انطلق في 22 فبراير، واحد من حيث مطالبه وأشكال تنظيمه وشعاراته، وأسباب ظهوره، لكنه قد يختلف من مدينة لأخرى من حيث مورفولوجيته وحتى سوسيولوجيته، لما يميز كل مدينة من خصائص اقتصادية واجتماعية، وموقع جغرافي وحجم وحتى ثقافة سياسية، وحضور للنخب، فمدن الشمال الكبيرة مثل، العاصمة أو وهران تختلف بشكل واضح عن مدن الهضاب العليا أو الجنوب المعروفة بتواضع عدد سكانها، ما حدا بنا إلى الكلام هذا الأسبوع عن حراك العاصمة الجزائر للتعرف عليه من الداخل.

يحتل حراك العاصمة مكانة رمزية متميزة لا نجدها في مدن أخرى، ما يمنحه بعدا سياسيا خاصا جدا، يجعل النظام السياسي يركز عليه كبارومتر لقياس حالة الحراك الوطني. يراقبه عن قرب عن طريق حضور أمني كثيف لا تعرفه المدن الأخرى، يؤهل العاصمة لكي تكون مجال الصراع الأساسي، في حالة قررت فيه السلطات الانقضاض على هذا الحراك الشعبي، إذا تأكد السيناريو السلبي الذي بدأت بوادره في البروز في الأسابيع القليلة الماضية، مع اقتراب الموعد الانتخابي الرئاسي.

الكثير من الخصائص تميز حراك العاصمة، الذي تحول الحج إليه كل أسبوع إلى عادة لدى الكثير من أبناء المدن الأخرى، بما فيها مدن الجنوب البعيدة، والهضاب العليا، ناهيك من أبناء منطقة القبائل، أصحاب الحضور التقليدي في العاصمة، حولت هذه المدينة إلى أكبر تجمع سكاني للناطقين بالأمازيغية في العالم، زيادة على ما يتوافد عليها من منطقة القبائل القريبة، كل أسبوع، فأبناء وبنات العاصمة هم الذين شجعوا الجزائريين الآخرين على الالتحاق بالحراك في 22 فبراير، بعد أن بادروا بالخروج بكثافة فاجأت الكل بداية من ذلك اليوم.

العاصمة التي كانت السباقة في إنتاج ما ميز الحراك من أهازيج وشعارات، تم تبنيها بسرعة من قبل الحراك في المدن الأخرى، يعود الفضل فيه إلى جمهور كرة القدم، من الشباب الذين عبروا من خلاله لسنوات عما يشعرون به داخل فضاءات هامش داخل ملاعب كرة القدم في العاصمة، قبل الالتحاق بشوارع وساحات الحراك لاحقا. كما هو حال جمهور الحراشية وقبلها مولودية، واتحاد العاصمة الذين برعوا بأغانيهم الشعبية ذات الحمولة السياسية النقدية الواضحة، تبناها الحراك لاحقا، ليس في العاصمة فقط، بل في كل ربوع الوطن. حراك العاصمة الذي يتكون في الأصل من ثلاثة روافد أساسية، تعكس بعض خصائص، أحياء هذه المدينة الكبيرة من الناحية العمرانية والسوسيولوجية، بمعناها الواسع، التي عُمرت تاريخيا من أبناء مناطق مختلفة من الجزائريين، على غرار أبناء الوسط، الذين تجمعوا في الحراش وضواحيه أو أبناء الشمال القسنطيني الذين اختاروا في المقابل حي بلوزداد. حراك يتشكل في مسيرات شعبية تلتقي كلها في وسط المدينة في ساحة البريد المركزي، التي تحولت إلى قبلة للحراك. مسيرة أولى يقودها أبناء وبنات أحياء أعالي العاصمة، الذين يغلب عليهم الطابع البورجوازي الصغير، بكل ما يميز الفئات الوسطى من عدم تجانس، تحتل فيه القوى الاجتماعية المالكة الصغيرة وبيروقراطية الدولة من إطارات، ليكون من العادي جدا أن تلاحظ في هذه المسيرات مدير المؤسسة العمومية والخاصة والموظف الكبير وصاحب المقاولة الصغيرة والمتوسطة. ناهيك من ما يميز المرأة والعائلة بكل افرادها في هذه المسيرة، التي تنزل للحراك من أعالي العاصمة كالأبيار وحيدرة وبوزريعة..

في الجهة المقابلة يمكن الكلام عن مسيرة حي باب الواد الشعبي وأبناء القصبة الأكثر شعبية وحركية، بما يميزها من حضور شبابي وعنفوان، قد لا يكون حاضرا بالقوة نفسها، لدى أبناء أعالي العاصمة. وهو ما يميز مسيرات الرافد الثالث المكون من أبناء الأحياء الشرقية للعاصمة التي يعطيها أبناء الحراش وبلوزداد نكهة خاصة، هم الذين يصلون إلى البريد المركزي، سيرا على الاقدام، لمسافة طويلة، مرورا بكل هذه الأحياء الشعبية التي يلتقي أبناؤها كل جمعة، في حي أول ماي، بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، في مساجد الأحياء التي يمرون عليها، ليكتمل حراك العاصمة كقوة حضور في حدود الساعة الثالثة، من كل يوم جمعة، في محاذاة البريد المركزي.

مساجد ينطلق منها جموع المصلين وغير المصلين، يتحول فيها المؤمن إلى مواطن، في رمشة عين، مباشرة مع انتهاء الصلاة وهو يردد شعاراته السياسية المطالبة بدولة مدنية. شعارات تتجدد على الدوام، في ربط واضح مع الحدث السياسي الأسبوعي. كما كان الأسبوع الماضي الذي ركزت فيه الشعارات، على رفض قانون المحروقات والتضامن مع الحركة الطلابية، التي قمعت في آخر مسيرة لها الثلاثاء الماضي. حادثان يفسران جزئيا على الأقل الحضور الشعبي الكبير الذي ميز المسيرة 34 من عمر الحراك. الذي تم فيه الاتفاق على مسيرة شعبية يوم الاحد 13، للتنديد بقانون المحروقات امام البرلمان، لم يتوقع أحد قوة الحضور الشعبي التي ميزتها في يوم دوام رسمي. مساجد تم بناؤها على انقاض كنائس قديمة، كما هو حال مسجد الرحمة الذي تنطلق منه مسيرات أعالي العاصمة كل يوم جمعة. فالمعروف عن مدينة الجزائر الكولونيالية، خلوها من المساجد، باستثناء ما كان موجودا منها قبل الغزو الفرنسي، الذي كان المبادر بتحويل المساجد إلى كنائس، ما فرض على الجزائريين تحويل الكنائس إلى مساجد بعد الاستقلال مباشرة. بعد أن دخلوا المدينة، بدون أن يتمكنوا من إنتاج حالة عمرانية جديرة بدولة الاستقلال، وهو ما يفسر استمرار المكانة الرمزية لبنايات وساحات الفترة الاستعمارية، كالبريد المركزي وساحة أول ماي. وليس ساحة رياض الفتح، التي رفض الجزائريون قبولها كمعلم عمراني لفترة ما بعد الاستقلال.

الرمزية السياسية الكبيرة التي يحتلها حراك العاصمة وشعبيته سيكون، بكل تأكيد على المحك، في الأسابيع القليلة القريبة، مع اقتراب مسيرات أول نوفمبر التي ستصادف الجمعة 37 من عمر الحراك، بكل ما يحمله هذا اليوم التاريخي من رمزية وطنية، ستكون نقطة فاصلة في عمر هذه الهبة الوطنية. فكيف ستكون القراءة الرسمية لهذه المحطة المهمة، هل ستستمر في المقاربة القديمة السائدة نفسها حتى الآن؟ أم أننا سنكون أمام عودة للوعي؟ الجزائريون كل الجزائريين، يتمنون أن يكون هذا الوعي حاضرا والجزائر تحتفل بالذكرى 65 لاندلاع ثورتهم الوطنية في 1 نوفمبر 54.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك