النخبة المدجنة.. وظاهرة لحس "الرانجارس"

IMG_87461-1300x866

كلما طالت هذه الازمة واشتد الكباش بين "الحراك" و"سلطة الأمر الواقع" كلما تجلت حقائق وصور على شاشة المشهد الجزائري ، وازداد الفرز والتمحيص في صفوف الجانبين ،وتبين الذهب الخالص من "البلاكيور" أو الذهب المزيف..وظهر متساقطون وخوالف ، وخرج البعض من معسكر الى آخر، وقفزالبعض الآخر من سفينة الى أخرى..تحدث مثل هذه المشاهد في كل ثورات التاريخ ...

عندما نزلت الآية الكريمة "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" ذهل عمر بن الخطاب، وتعجب كيف يكون في صفوفه من يحب الدنيا وينتمي الى معسكر آخر، وربما الى صف معادي..؟ وهؤلاء هم المتساقطون في الطريق خلال مسيرة الكفاح.. وحتى البيان الإلهي أدان الشعراء"المدجنين"و"المتزلفين المنحرفين" وهم النخبة الفاسدة بتعبير اليوم "والشعراء يتبعونهم الغاوون" أي الأشرار واالفاسدون والمنبطحون ،واستثني المؤمنين المناصرين للحق والعدالة والمناهضين للظلم والديكتاتورية والشمولية..

نأتي إلى واقعنا ومشهدنا الساخن ونتساءل.. أين موقع النخبة عندنا؟ وما محلها من الاعراب..؟ هل تؤدي دورها في التنوير والتعبئة والنضال من أجل كرامة الإنسان والعدالة والديمقراطية والحريات ومقارعة الاستبداد ؟ وهل مكان الثقافة إلا في الصفوف الأمامية –وهذا هو الأصل-دفاعا عن الأمة والشعب وكرامة الانسان ذلك المخلوق البديع الجميل الذي ابتذلته ضرورات الحياة وقتلت فيه كل أثرللوهج الإنساني".. سئل "أدونيس" ذات مرة السؤال التالي"هل عدمنا مثقفين" فأجاب: "يوم يتهيأ المثقفون لدخول السجون سنتقدم"..وهذه الإجابة رسمت المحددات، ووضعت المحك الحقيقي لما يسمى "المثقفون" أو"النخبة" في أي زمان ومكان..

إننا عندما نمارس الإضاءة على واقع نخبتنا ومثقفينا نصاب بالأسى والحسرة ، فيتبادر الى ذهننا ذلك التميزالواضح بين المثقفين الحقيقيين وهم الذين يقبعون بالسجون أمثال أيقونات "الثورة السلمية" "طابو، وبلعربي، وبومالة، والمجاهد بورقعة" وباقي النشطاء، وجريرتهم الوحيدة هي رفضهم للظلم والطغيان ،ودعوتهم لدولة القانون والعدل،وما أجمل وأروع تلك اللوحة التي احتضنها المركز المدني بسان فرانسيسكو،وهي تطل على أحرار العالم، وتمثل النخبة الحقيقية ومن الذهب الخالص التي أفرزها "الحراك"على مدى هذه الشهور وتنطق ملامحها بقيم الحق والخير والجمال، وبين من يرفلون في أروقة السلطة يلحسون الرانجارس ،ويتزلفون بأقبح الصور، وبأبشع أساليب الذل والخنوع والإنبطاح طمعا في فتات ، أو وعدا بمكسب، أوإغراء بمنصب .. "تنسيقية أنصار المشروع الوطني" التى تدعو للذهاب الى الاستحقاق الرئاسي "المزور" بطبيعة الحال، ومناصرة مشروع "قيادة الأركان"..

ألم يروا هذه الحالة الأخلاقية الرائعة المسماة "الحراك" وهي ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ ،ألم يلمسوا مستواه الحضاري والسلمي وإرادته في تأسيس دولة العدل والقانون ،بعد الإنهاك الطويل الذي مارسه السيستام المستبد الظالم على الشعب طيلة عقود..؟ ألم ينتبهوا الى إعجاب العالم وإنبهاره وشهاداته برقي هذا "الحراك" وحضاريته غير المسبوقة ، وأنه لم يرى مثيلا له في مسيرات التاريخ..؟ لقد برهن هذا الشعب طيلة هذه الأشهر الثمانية أنه من ذهب ، ولو كان تحت قيادة أجنبية لصنعت منه المعجزات...فأين عقل هؤلاء ؟ ،أين ضميرهم مما يحدث من الاختطافات، والاعتقالات، والتضييق على الحريات ، والقمع المستمر،أين هم من إستسلام"النوفمبرية الباديسية" وبإنبطاح غير مسبوق لإملاءات الشركات الامريكية ورغبتها في الاستيلاء على ثروات الشعب الجزائري من الغاز والبترول ..؟ يا للعجب هذه ليست نخبة كما قال أحدهم ،بل هي خربة للبلاد والعباد..

فقدت كل عقلها وروحها..وانبطحت لكل مستكبر جبار.. لقد صارت النخبة عندنا - في جزئها الأكبر- كما تتراءى في المشهد المنظور، مشبوهة ،ووكيلة الاستعمار الجديد بإمتياز..صارت مناهضة للحراك بعد أن كانت مساندة له في البداية.. أعطت ولاءها للسلطة الظالمة طمعا في إغراءاتها ،صارت تمارس كل أشكال التضليل والتدليس وقلب الحقائق ، وتحولت الى ذراع فكري وديني وثقافي وإعلامي للطغمة الحاكمة..

وهي أخطر ورقة تستخدمها وتوظفها "السلطة الفعلية" في مواجهة هذا "الحراك" السلمي " الجارف ، وتكرس بذلك حالة التراجع الحضاري والافلاس المعنوي لهذه الأمة وبشكل مخيف.. أين هؤلاء المثقفين من إعلاميين وأساتذة وأئمة وغيرهم من دعوة مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم "جمال بلماضي" دعوته السلطة للاعتراف بالحراك ومحاورته والاستجابة لمطالبه.. ألا تخشون أن تصيبكم لعنة "الحراك" في قادم الأيام ،وتجدون أنفسكم في مزبلة التاريخ...؟

"تحضرني- كما عبر بعضهم- حالة العز بن عبدالسلام ذلك العالم المجاهد والذي كانت وقفته التاريخية المشهورة مع أمراء المماليك، ورقة بيضاء ناصعة في جبين العالم أو المثقف ودوره في مناهضة الاستبداد. وحتى في الغرب تكرس هذا الدور منذ فلاسفة الأنوار "ديدرو ،ومونتيسكيو، وفولتير، وميرابو خطيب الثورة الفرنسية ، وانتهاء بتظاهرات سارتر ضد جرائم فرنسا في الجزائر ".. يا جمعية العلماء المسلمين ..لماذا هذا السقوط المريع وأنتم الأمل عندما دعمتم الحراك، وكنتم سندا قويا له ،إنقلبتم عليه فجأة وفي آخر محطة ، وذهبتم في مسلك "رئيس الأركان" ولا ينطلي عليكم بكل تأكيد ما يكتنف هذا الاستحقاق من تزوير وفبركة ،في ظل آليات وميكانزمات ووجوه السلطة، ؟ هل غاب عنكم أن هذا المسلك سيعيد إنتاج النظام بواجهة جديدة ؟

إنكم تدركون من دون شك أن هذا الانتخاب لو جاء كتتويج لحوار جاد ،وحل سياسي توافقي ، لهرول الجميع بالذهاب الى هذا العرس، بكل حرية وفرح وسرور ،واعتبرهذا الاستحقاق حدثا عظيما ينتشي به الشعب الجزائرى بكل تأكيد، لأنه سيفرز له أفقا جديدا وواعدا ، لكن ما تفعله السلطة الفعلية من تنكيل وظلم وقمع يطال نشطاء "الحراك" لدليل على أن طريق "سلطة الأمر الواقع" مشبوه وملغم ومغلق ، ولا ينهي الأزمة بتاتا ..

فهل ستنالون أنتم مكسبا من هذا الانجاز الذي قدمتموه على طبق من ذهب ؟ لماذا أعدتم نفس المنقصة التي سجلت عليكم في الأربعينيات عندما تأخرتم في الدعوة الى مطلب الاستقلال، واكتفيتم بمطلب إستقلال "الهوية والدين" وقد يشفع لكم ساعتها غطاء مقتضيات السياق التاريخي وخط "النزعة الاصلاحية"،لكن إعتبرت هذه ثغرة واضحة في بناء الجمعية عند بعض المراقبين والمؤرخين .. إلا أن هذه المرة سيسجل عليكم موقفكم المخزي هذا ،كمنقصة مفضوحة ومعيبة أكبر من سابقتها ،وسيشوه مساركم في الحاضر والمستقبل ..

ألا يدل هذا المسعى الذي اجتهدتم للوصول إليه متناغما تماما مع الإطار الذي رسم لكم في رقعة منظومة الحكم القائمة بشكل عام..؟ أنظروا ماذا جنت حركة "حمس" بإنضمامها الى رواق السلطة تحت غطاء ومبرر"المشاركة" ،ومحاولة نقل فكرها وتأثيرها في قرارات الجهاز التنفيذي والتغيير من الداخل ،فلا هي صارت جزء من السلطة تشارك وبشكل ايجابي في صنع ورسم السياسات، ولا هي بقيت حركة اسلامية أصيلة محافظة على كيانها وخطها الذي رسمته في أدبياتها ،بل انفجرت وتصدعت الى تنظيمات متصارعة ،وتميعت مواقفها ،وصار همها المكاسب المادية ،وابتعدت عن جلدها الاسلامي الاصيل بكل ما كان يحمله من قوة وجاذبية وروح والتزام... إن سحرة فرعون لما إكتشفوا الحقيقة، وحصحص الحق أمامهم للتحرر من سلطة ذلك "الطاغوت" سارعوا وبدون تردد وانضموا الى ساحة "الحراك" أي الى خط النبي "موسى" ومعسكره..

ولم تعد لهم حجة أو مبرر في البقاء مع عصابته ، فسجدوا لله وقالوا له "فاقض ما أنت قاض،إنما تقضي هذه الحياة الدنيا...." وهذا هو الموقف المطلوب الذي يسجله الشرفاء والأحرار في هذه المراحل والمنعطفات التاريخية الحاسمة.. فالحياة عندهم موقف...والفكرة سلاح..وأكبر جهاد هو كلمة حق في وجه سلطان جائر...والساكت عن الحق شيطان أخرص.. لكن أين هذه المواقف الشامخة عند الكثير من مثقفينا وإعلاميينا وأساتذتنا ونخبنا ،هل أصيبوا بـ"عمى الالوان" فلم يعودوا يروا الواقع كما هو..

بل صاروا يزحفون على بطونهم ويلحسون الرانجارس ويمارسون الدعارة السياسية والفكرية وبدون استحياء مقابل دريهمات، أو وعود بكراسي ،أوإغراء بمناصب ومكاسب.. المؤكد أن الجينات التي تختزنها كينونة وجوه هذه النخبة تقبل الذل والاستعباد والانبطاح ،وهي مبرمجة على قيم الطمع والاثرة وحب المتعة، وتحمل بذور الخوف والجبن والذعر، ما يجعل كل ممارساتها ومسالكها لا تخرج عن هذه المربعات،وبالتالي لا يمكن أن يمر تيار الحرية والكرامة والشموخ التي يمتلأ بها "الحراك"الى ذواتهم وأعماقهم وكينونتهم..

على أية حال ، التاريخ سيسجل كل فصول هذا الحراك، وكل الأيقونات من الاحرار والمكافحين سيوضعون في لائحة الخالدين ،مسربلين بكل انواع الثناء والتقدير والاجلال..أما الخانعون والخونة فسيقذفون في مزبلة التاريخ وستظل الاجيال ترميهم بكل سهام اللعنات ودعوات الخسران.. إنها سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلا..

سامية-ب للجزائر تايمز

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. في بلاد ميكي والكاشير والمقروط وشكارة حليب وحبة بطاطا هناك من هو مستعد لكي يلحس زب الفاسد طالح ويلحس المؤخرة ايضا فقط من اجل الكرسي لكن الشعب خلاص يقض وتخلص من الخوف والرهبة وافاق من الصدمة والتيهان وهو اليوم عازم على ان يطهر البلاد والعباد والسلام ترحلو يعني ترحلو الجنرالات الى المزبلة العصابة الى المزبلة لا للانتخابات المزورة بشفافية لا لرموز الفساد لا لعصابة المرادية نعم لمحاكمة الفاسدين نعم لاعدام الخونة واللصوص نعم لاسترجاع اموال الجاير نعم لطرد عصابة تندوف البول زريو نعم لفتح الحدود مع الجيران وخاصة المروك الشقيق نعم لاعطاء القيادة للشباب المثقف نعم لاسترجاع مكانة الجزاير في افريقيا والعال نعم لوحدة المغرب الكبير نعم للعمل والازدهار والتقدم والله اكبر والله الموفق

  2. elarabi ahmed

    تتفرد الجزائرفى المنطقة افريقا والعالم العربى مع مصر بشكل ما بنظامها العسكرى الشمولى فالجيش يعتبر حزب مثل الدول الشيوعية ويشارك فى الأنتخبات وبهدا النظام تكون الجزائر بلد غنى وشعب فقير بسبب نظرة العسكر للحياة بشكل عام مع ارتبطات سرية مع القوى الكبرى ويظهر دالك فى الحراك وفى الحرب الأهلية ل92-ستبقى الجزائر مصدر ازعاج لجيرانها كما تبقى دولة وظيفية مثل اسرئيل لأداء مهام استعمارية تحث شعارات مختلفة مقبولة ظاهريا ومدمرة باطنيا هده هي الحقيقة التى تبين مسيرة بلد بعد 62 الى اليوم

الجزائر تايمز فيسبوك