السلمية والإيمان بالقضية سلاح المتظاهرين في حراك جزائر يبهر الجميع

IMG_87461-1300x866

انطلق الحراك الشعبي في الجزائر في 22 فبراير بعفوية لا نظير لها، سلاح المتظاهرين فيه هو السلمية والإيمان بالقضية، كان الحراك في البداية مجرد دعوة في الفضاء الافتراضي، تلقفها الجزائريون فجعلوها، بإصرارهم وعزيمتهم، حقيقة في العالم الواقعي، على الرغم من كل حملات التشكيك والتخوين، التي طالت كل من يدعو إلى رفض الواقع والعمل على تغييره، رفض الفساد والتزوير والوثنية الجديدة.. ورفض نظام يقوم على الولاء والقرابة، كان يوم 22 فبراير درساً قوياً لكل من كان في قلبه ذرة شك، في أن الشعب قد انسحب من الشأن العام، وأن الشارع متحكم فيه، ليس لمن كان في جانب السلطة فحسب، بل حتى لمن كان يُحسب من جناح المعارضة، الذين اختاروا يوماً آخر، يوم 24 فبراير، لإيصال صوتهم الرافض، وقياس مدى وزنهم وشعبيتهم، جناحٌ لم يصطفّ، كما هو واضح، في البداية إلى جانب الغالبية العظمى من أبناء الشعب، لأنه، في الحقيقة، يمثل معارضة لها أجنداتٌ خاصة، ومشروع مغاير لمشروع الأغلبية الساحقة المسحوقة.
قام الحراك الشعبي من أجل فكرة جميلة هي الحرية، وهدف نبيل وهو إنهاء الاستبداد والفساد، وكما هو معلوم أن الأولى لن تتحقق إلا بتوافر الثاني، لذلك كان لزاماً هدم أسطورة الطغيان والفساد والوثنية الجديدة، بإسقاط رمزه المتمثل في الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فصاحت الحناجر منذ البداية ضده، وضد عائلته، وضد رموز سلطته، صادحةً بصوت عال قائلة: لن تكون هناك عهدة خامسة يا بوتفليقة (مكانش الخامسة يا بوتفليقة) وبتعبير جميل وقوي، يعبّر عن الواقع المرّ البائس، قالوا: «أخذتم كل شيء في هذا البلد أيها اللصوص» (كليتو لبلاد يالسراقين) في إشارة واضحة إلى رموز سلطة بوتفليقة الفاسدين، وإلى رجال المال والأعمال الجدد، الذين اغتنوا بطرق مشبوهة، وغير مشروعة في فترته، مصرّين في الوقت ذاته، على إرجاع الجزائر إلى مكانها الطبيعي والتاريخي، الذي قامت من أجله ثورة التحرير (نوفمبر 1954)، وسالت لأجله دماء الشهداء، جمهورية جزائرية ديمقراطية شعبية، في إطار المبادئ الإسلامية.. لا ملكية كما أرادها بوتفليقة، ولا جمهورية خاصة بالأقلية، كما أرادها المؤدلجون. غير أنّ الحراك الذي كان موحداً في صيحاته، وفي أهدافه، اخترقته أصواتٌ نشاز مع مرور الأيام، محاولة اختطافه وقرصنته، وإعادة توجيهه بما يخدم أجنداتها ومصالحها الضيقة، تصدر خطاباً راديكالياً، وتتبنى مطالب تعجيزية، إذ أبرز الحراك، والحالة هذه، اتجاهين رئيسيين، اتجاه يريد تغييراً هادئاً، متمسكاً بمطالبه الأولى، وهي إسقاط بوتفليقة ورموز سلطته، ومن ثم، تقديمهم إلى العدالة. واتجاه آخر يتبنى التغيير الجذري، أي إسقاط النظام.

اليوم، بعد أكثر من ثلاثين جمعة من عمر الحراك الاحتجاجي، حقق فيه الشعب العديد من المكاسب، التي لا ينكرها إلا جاحد، إسقاط بوتفليقة ورموز سلطته السياسية والمالية.. محاكمة رجال مال، سياسيين، وعسكريين، وسجنهم، حملة تطهير واسعة تطال العديد من مؤسسات الدولة.. هذه المكاسب ما كان لها أن تتحقق لو لم تقف مؤسسة الجيش بجانب الشعب، واصطفافها إلى جانب قضيته العادلة، يأتي اليوم من يريد القفز على كل ما تحقق، رافعاً، في الوقت نفسه، معول التهديم والتدمير لأجل مصالح شخصية، ومن أجل أهداف لا تنفع الحراك بقدر ما تضره، أصوات تهدم ولا تبني، بل هناك من يحاول إسقاط الدولة عندما يصرُّ على إقحام الجيش في معاركه لإثبات الذات، وإعادة عذريته المفقودة، كما يفعل بعض المعارضين، حيث صرّح أحدهم في محاضرة له بخراطة في مدينة بجاية بمناسبة إحياء ذكرى أحداث 8 مايو  1945 تصريحاً خطيراً، وصف فيه الجيش الشعبي الوطني بأنه «استعمار جديد»، وقال آخر بأنه لا يكفي الإطاحة بحكومة نور الدين بدوي، ولا رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، بل» يجب استعادة الجيش. مع أن الجيش، للحقيقة والتاريخ، اصطفّ إلى جانب الحراك منذ بدايته، وقد تعهدت قيادته بحماية المتظاهرين، وقد فعلت، وبمرافقة الحراك إلى أن تتحقق مطالبه، كاملة غير منقوصة، طارحة رؤية للنقاش لحل الأزمة في إطار دستوري، تفادياً للفراغ الدستوري، الذي قد يفتح أبواب الجحيم على الجزائر وشعبها، إلا أنّ هؤلاء لا يريدون حلولا في إطار الدستور، لأنهم، في الواقع، يجيدون السباحة ضد التيار.
الطريق الصحيح
بعد أي فعل إنساني، يكون هدفه إحداث التغيير، سواء أكان هذا الفعل على شكل ثورة، أم انتفاضة، أم حراك، سيسعى الشعب إلى أن يكون هو صاحب السيادة، من خلال فرض خياره بآليات ديمقراطية وحضارية، أي بالانتخابات، لأن ذلك في منطق الكثيرين هو علامة نجاح الثورة أو الحراك، فيندفع الشعب، بوعي أو من دون وعي، إلى تحقيق هذا الهدف، مهما كانت الظروف، ومهما كان الثمن، لكي يظهر بأن حراكه قد نجح؛ فتحدث تعبئة شعبية كبيرة، من أجل مرشح الشعب الوحيد والأوحد، لتتحقق، في نهاية المطاف، السيادة الشعبية، وتتحقق أشواق الشعب وأحلامه في العيش الكريم، لكن، ما لا يعلمه الشعب أن فارسه، مهما كانت نواياه طيبة وخالصة، سيصطدم بواقع مرّ، وأنه سيكون أداة من أدوات الثورة المضادة، وسيعمل، بلا وعي منه، على إعادة الحكم السابق، كما يخبرنا بذلك التاريخ، وتدل عليه أحداثه، في الماضي القريب والبعيد، والرئيس الراحل محمد مرسي في مصر مثال على ما نقول. وعليه، فقد يكون أسلم طريق للحراك الشعبي حتى يحافظ على مكاسبه المحققة، ومن ثم، ينطلق في تحقيق أهدافه المؤجلة، أن يكون خيار الشعب في الانتخابات شخصيةً عرفت النظام وشبكته، وتوغلت في دروبه، وتاهت في منعرجاته، شخصية تكون نظيفة ومحل ثقة، وتحظى بالقبول من طرف المؤسسة العسكرية. من ثمّ، ينبغي للشعب، وهو في هذه اللحظة الفارقة والدقيقة، أن يكون في حجم التحديات والصعاب، مُحكّماً عقله، كابحاً جماح عواطفه وأمنياته، التي تؤدي، في ما تؤدي، إلى تقويض ما بناه وحققه إلى حد الآن بصعوبة.

سعدون يخلف

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك