آفة العالم العربي ليست قلة الموارد.. بل وفرة المفسدين

IMG_87461-1300x866

من يراجع قصاصات الأخبار الأكثر تداولا على مستوى وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية العالمية، يلاحظ أن العالم العربي يستحوذ على القسط الأكبر منها، خاصة في قضايا الفساد و العنف السياسي و القهر الاقتصادي، و اعتقال أصحاب الرأي وقتل المحتجين..و لسنا في حاجة لكثير من التفصيل، فالجميع أصبح على دراية بواقعنا العربي الأسود..وإذا أردنا أن نبحث عن السبب سوف نجد أن القاسم المشترك هو متلازمة الفساد و الاستبداد، فالشعوب العربية يحكمها الأقل كفاءة ودراية على المستوى المعرفي و الأكاديمي، و الأقل استقامة و نزاهة على المستوى الأخلاقي…

و للاستدلال على ذلك يكفي استحضار واقعة رئيس وزراء لبنان، الذي حَوَّلَ وَوَهبَ حوالي 16 مليون دولار لعارضة أزياء من جنوب إفريقيا، دون وجود مبرر واقعي و مشروع  لهذا التحويل المالي الضخم، و حتى و إن كانت المصادر الصحفية التي أوردت الخبر قد أوضحت بأن هذا التحويل تم في فترة لم يكن فيها رئيسا للوزراء، و ليس هناك دليل على أن هذا المال مال عمومي، إلا أن ذلك لا يعفي الرجل من المسؤولية، فحتى و إن كان من ماله الخاص  فهذا يعد سفها، خاصة وأن ليس هناك رابطة ملموسة بينهما -زواج أو تجارة مثلا -، فالسلوك الذي أقدم عليه الرجل يعد سلوكا مستهجنا شرعا و أخلاقيا، و إن كان من وجهة القوانين الرومانية/ الإغريقية المعمول بها حاليا في أغلب بلدان العالم مقبولا و مسموحا به، لأن هذه القوانين تبيح للرجل مثلا، إقامة علاقة بإمرأة أخرى خارج مؤسسة الزواج، حتى و إن كان متزوجا، لكن إذا تزوج على زوجته فهو معرض للمساءلة، كما تبيح للإنسان أن يفعل في ماله ما يشاء كأن يقوم بوهب تركته لكلب أو قط..

لكن هذا السلوك في نظر الشريعة والفقه الإسلامي سلوك أثم، ويعرض مرتكبه إلى الحجر عليه بتهمة السفه، حتى و إن كان المال مالا خاصا، لأن المال بنظر الإسلام هو مال الله وفقا لمبدأ الاستخلاف،  و عندما يكون الفرد متوليا لمسؤولية عامة فإن العقاب أكبر، لأن من لايؤتمن على ماله و مال أسرته، لا يمكن أن يؤتمن على مال المسلمين..و الواقع أن حالة رئيس وزراء لبنان ليست فريدة في عالمنا العربي، و حتى لا نظلم الرجل فإن المرء ابن بيئته، ففي السعودية مثلا قدم العاهل السعودي مبلغا يتجاوز 400 مليار دولار  ل”ترامب” دون وجه حق،  و صفقات الأسلحة التي يتم تكديسها في أغلب البلدان العربية لا تختلف -عن “هبة” رئيس وزراء لبنان لعارضة الأزياء- لأنها مجرد تبذير لأموال عمومية، و قد أثبتت الأحداث أن الأسلحة العربية لايتم استخدامها في حماية الأوطان و الشعوب، و إنما تستخدم للأسف في تدمير الأوطان وقمع الشعوب…

آفة العالم العربي ليس في قلة الموارد، بل على العكس هناك وفرة في الموارد، لكن للأسف الأمور في العالم العربي لا تسير على ما يرام، فالاستبداد والفساد السياسي و الاقتصادي بلغ مبلغا لا يطاق، و الجمع بين التجارة والسلطة أمر بديهي في هذه البلاد، فلو طبقنا نظام المحاسبة و المساءلة، المعمول به في أغلب البلاد الديمقراطية، لكان حوالي 90 في المائة من مسئولي العالم العربي وراء القضبان أو على أقل تقدير خارج نطاق دوائر السلطة…

فالعالم العربي لا زال يعيش تحت رحمة الفساد السياسي و الاقتصادي، واحتكار السلطة و قمع الحريات المدنية والسياسية، هذا إلى جانب إتباع سياسات عمومية عرجاء لا تخضع لأي منطق عقلاني، فحالة الفقر و انسداد الأفق لدى أغلبية شباب المنطقة ليس نتاج لضعف الموارد كما يقول أصحاب الكراسي و المكاسب، فلو كانت البلاد العربية تعاني فعلا من ضعف الموارد لما اكتشفنا ملايير الدولارات تهرب سنويا إلى خارج حدود العالم العربي…في الوقت الذي تعاني فيه بلدان عربية من اتساع دوائر الفقر و التهميش…فالاختيارات التنموية و السياسية المتبعة في أغلب هذه البلاد لن تقود –حتما- لمستقبل أفضل و على الشعوب أن تدرك هذه الحقيقة حتى تتحرك صوب تغيير وجه السياسات و الاختيارات الفاشلة…

فعلى المستوى الاقتصادي مثلا لا يمكن  أن يتحقق إقلاع اقتصادي دون وجود منافسة حرة و تكافؤ في الفرص وسيادة القانون و استقلال القضاء و الشفافية في تداول المعلومات الاقتصادية ،  فلا يعقل أن ينافس تاجر عادي –مهما كان حجم رأس ماله – وزيرا أو مسئولا حكوميا فهذا الأخير يتوفر على ميزة تنافسية أفضل بحكم المنصب أو القرب من دائرة صنع القرار، لأجل ذلك يحرص العالم المتقدم على محاسبة أي مسئول عمومي حقق مكسبا تجاريا أو غيره من المنافع بحكم المنصب، لكن في العالم العربي أقرب الأبواب لتحقيق الثروة  الاستثمار في السياسة …

وحتى لا يكون كلامنا “طوباويا” سأعطي بعض الأمثلة البسيطة التي ترهق كاهل الأسر العربية، فعلى سبيل المثال إحجام الدولة عن الاستثمار الفعال و الرشيد في قطاعات الصحة والتعليم والنقل العمومي يرهق ميزانيات الأسر، فلو تم بالفعل إشباع هذه الحاجيات عبر تقديم سلع عمومية مقبولة الجودة والتكلفة لتم خلق دورة تنموية حميدة بإمكانها تحفيز إدخار الأسر و تقوية دالة الاستثمار عبر رؤوس أموال محلية …و التجربة التنموية “اليابانية”  او  ” الماليزية” أو “الكورية  الجنوبية” أو “الصينية”.. استندت في إقلاعها الاقتصادي على هذه الدورة التنموية …

هذه الدورة التنموية لن تكون فعالة دون مكافحة الفساد و نهب المال العام، فالتساهل في هذا الجانب يدمر كل عملية تنموية مهما كانت سليمة نظريا، وعلى خلاف توصيات  مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد و منظمة التجارة العالمية التي تدعو بلدان العالم الثالث و البلدان السائرة في طريق النمو إلى تقليص الإنفاق العمومي على هذه القطاعات ” الغير منتجة”، فإن الدراسة المقارنة للتجارب التنموية الناجحة تؤكد  بخلاف ذلك، فتركيز الجهود على هذه القطاعات الثلاث يعد أحد أهم بوابات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، و دعامة رئيسية لإرساء السلم الاجتماعي في البلاد العربية وتحقيق التوزيع العادل للثروة و تقليص الفوارق الاجتماعية …

لكن تظل كلمة المفتاح في أي تحول ناجح هو مكافحة الفساد و الفصل الصارم بين التجارة والسلطان، و هو أهم تحدي يواجه الشعوب العربية في المستقبل القريب،  و أختم مقالي بقصة طريفة من الصين فالعرف السائد في هذا البلد منذ القدم، جعل أول مكان يزوره أي مسئول جديد هو السجن، حيث يرى مصير المسئولين الذين سبقوه و عملوا على استغلال المنصب الذي تقلدوه.. “و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون” …

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية.

د. طارق ليساوي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. الغريب في الامر أن هؤلاء الذين ينطبق عليهم من اين لك هذا لا يشبعون، بل يستمرون مصرين الى المزيد. لا يفكرون في وطنهم الذي اعطاهم و لم يبخل عليهم ، ليست لهم رحمة في مستقبله و أجياله من بني جلدتهم. يستعملون المكر و الحيل حتى ولو شعروا بهم كل من داخل او خارج البلاد. يدعون الاصلاح و ما هم كذلك، لم يعرف عنهم الا استمرار الفساد. في الجزائر بدأت، منذ ما سمي بالاستقلال شعارات، الإشتراكية، الديمقراطية، الحرية و كرامة الشعوب، و بالرغم من وجود عائدات مهمة للثروات الباطنية و مؤهلات لتوظيفها في القطاع الفلاحي لاجل الاكتفاء الذاتي و قطاعات أخرى لخلق ثروات لسد حاجيات الشعب في العيش الكريم و تامين مستقبل البلاد، لم يحقق من ذلك كما حققته شعوب أراض قاحلة حولوها الى اخضرار، اعتمدوا على شعوبهم و حفزوها بيد عاملة مستوردة قانونيا. و شعوب اخرى من دون بترول و غاز حققت المعجزات. شباب الجزائر محبط يحرك في قوارب الموت و يحلم الهجرة الى دول أخرى احسنت توظيف بترولها و غازها لتجتاز الجزائر رفاهية و كرامة لجميع سكانها و حتى المقيمين فيها. فيمر الزمن فينتفض الشعب، ليخمد بعشرية سوداء ثم المصالحة ، فترجع العصابة إلى عادتها ، فيأتي جيل آخر ويطالب بحذر التغيير السلمي، فيلتف  ( مبني للمجهول  ) على مطالبه بجماعة موالية للعصابة التي تتظاهر انها حكيمة تحاكم رفقائها، فيتأكد من جديد الالتفاف و كانهم يستحمرون الشعب وهم بالقبض على المسالمين و محاولة الحصار و فرض أشخاص و نمط تسيير الانتخاب ، كأنهم يهددون او يخفون و او يلمحون الاسوء بالتهديد. الآفة و هي ان المفسد مثل علقة مروج المياه يلتسق و لا يزيل و لا يبتعد، بل يصمم اسوء الاسوء أن يضر بالبلاد و الشعوب و الاجيال القادمة . حتى ولو أعطيت له الفرص و جرب و لم يقنع فإنه يصمم و يستمر كفيروس و آفة للجميع. فهل هناك أقل تضحية كما فعل من قبل المليون و نصف المليون شهيد. ربما بهذه الآفة تنتظر الجزائر ان يمتحن هذا الجيل و او الاجيال للقادمة بالمزيد من التضحيات، من الشهداء ضد هذا السرطان. فالشرف الاكبر و الاعظم هو ان لا يحصل انكماش امام الفساد و رؤوس الفتنة و بطون الحرام.

الجزائر تايمز فيسبوك