الجزائر تترنح بين أنصار المرحلة الانتقالية ودعاة انتخابات 12 ديسمبر

IMG_87461-1300x866

أصبحت الساحة في الجزائر منذ 22 فبراير وخاصة بعد مرحلة اعتقال عدد من رموز الفساد، منقسمة بشكل لا تخطئه الأبصار، بين طرفين رئيسيين، أحدها يرى في انتخابات 12 ديسمبر المزمع تنظيمها من قبل السلطة العسكرية الراهنة، مخرجا للبلاد، وفرصة كفيلة بإنقاذ الجزائر وحمايتها من تكرار مآسي الماضي وتجنيبها مخاطر المستقبل، باعتبارها محطة تاريخية لا بد من انتهازها، بل أن تفويتها قد يرقى إلى درجة الجريمة، كونها تتيح لأول المرة للمواطنين انتخاب رئيس منهم. على الجانب الآخر، نجد طرف، يرى في حراك 22 فبراير، بوابة ثمينة لا تعوّض، ولم يسق أن شهدها المواطن مثلها منذ استقلال البلاد، ولا حتى أثناء انتفاضة أكتوبر 88 وانتخابات ديسمبر 91، نظرا لاجتماع هذه المرة كلمة فئات عديدة ومتباينة من الشعب الجزائري حول مطلب جوهري، يتلخص في التغير الجذري من أجل قيام دولة القانون والعدل، ويضع حدا بشكل نهائي وشامل لمنظومة الفساد، دون التوقف عند عتبة تغيير الواجهات، سواء باستبدال الرؤساء أو تناوب الحكومات والبرلمانات. هذا الفريق يصر على المضي قدما وعدم التوقف نصف الطريق، بعد انتظار دام عقود، ولاسيما بعد أن تحررت النفوس والإرادات، وانهار جدار الخوف، ويرى في هذه الهبة فرصة للمرور بمرحلة انتقالية تعبد الطريق لعودة السيادة الفعلية إلى الشعب واستكمال استقلال البلاد الذي تعطل منذ 62، من خلال انتخاب مؤسسات نابعة فعلا من الشعب، ولا تخضع لسيطرة منظومة الحكم الباسطة هيمنتها من الغرف المظلمة.

بادئ ذي بدء، لا بد من الإقرار بأن لكلا الطرفين مبرراته وحججه ومخاوفه وتطلعاته، ومن ثم لا يعدو الأمر اجتهادات من أطراف صادقة في مجملها، وليس من حق أحد إنكاره على الأخر أو اتهماه على أساسها، وليس من الحكمة ولا الأمانة التشكيك في نوايا هذا لطرف أو ذلك، ناهيك عن تخوينه، لأن موقف كل طرف يستند إلى قراءته الخاصة بناء على ما يعتقده أولويات أسس عليها خياره.

بالنسبة إلي، كمواطن يهمه شأن بلده ليس إلا، اعتقد في ضرورة المرور بمرحلة انتقالية لا تخضع لهيئات النظام القائم ولا للمنظومة الفاسدة الراهنة، وعبثية إجراء انتخابات رئاسية في ظل هذه المنظومة، كون الرئيس المنتخب مهما كان صلاحه وكفاءته، لن يستطع مهما بذل من جهود ومهما استمات في عمله لتحقيق ذلك، ولنا في جلب بوضياف من منفاه أو انتخاب مرسي (رحمها الله) على سبيل المثال، خير شاهد على عبثية هذا الخيار، ولتوضيح ما يجعلني أميل إلى هذا الخيار، أطرح سؤالين، ربما يختصران المشهد؟ أولا: هل فعلا السلطة العسكرية القائمة ترفض خيار المرحلة الانتقالية؟ وثانيا ما هو سبب اندفاعها وحرصها على تنظيم انتخابات رئاسية في أقرب الآجال (12 ديسمبر)؟

 

  •  

    بينما تصرح هذه السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع (وأنصار هذا الخيار عموما)، عدم ضرورة مرحلة انتقالية، وأن ذلك مضيعة للوقت والجهد وتعطيل لمؤسسات الدولة بل واحتمال تمخضها عن تطاحن بين فئات المجتمع، نرى في المقابل، أن هذه السلطة، بعد أن أجهض الشعب موعدين انتخابيين، بعد تنحي بوتفليقة، أصبحت تحكم في البلاد بطرق غير دستورية، في إطار مراحل انتقالية دون أن تذكرها باسمها، إلى جانب ذلك، نستشف في تبريراتها وتطميناتها، ردا على من يشك في فاعلية انتخاب رئيس أولا، لأنه سيجد نفسه مكبلا ومحاطا بمنظومة حكم وترسانة قانونية لن تسمح له بإحداث التغيير الذي ينتظره المواطنون، ردا على هذه المآخذ، تشير السلطة القائمة هنا أيضا، بأنها عازمة على فتح مع الرئيس “المنتخب”، مرحلة انتقالية تنفذ مطالب الشعب المتبقية (دون أن تسميها بالمرحلة الانتقالية)، أي بالمختصر، السلطة الراهنة ترفض المرحلة الانتقالية ليس لذاتها وإنما فقط المرحلة التي ستجري بعيدا عن نفوذها وسيطرتها، أما أن تكون من صنع يدها أو إشراف رجالها فلا مانع من ذلك، سواء كانت قبل انتخاب الرئيس (مثلما هو جار به الأمر حاليا) أو بعده (مثلما تعد به الشعب تلميحا)، وذلك طالما، يبقيها ماسكة بزمام الأمور. الثابت عندها أنها تريد أن يتم كل ذلك تحت تسيير وإشراف رئيس هو من انتقائها وخاضع لسيطرتها وليس في إطار مفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر التي تخشاها وتخشى ما قد يترتب عنها من فتح ملفات تريد أن تدفنها إلى الأبد، وهنا ننتقل إلى السؤال الثاني، لماذا الاستماتة في محاولة فرض رئاسيات 12 ديسمبر؟

     

 

  •  

    عدد كبير من الجنرالات والعقداء وغيرهم ممن تورطوا في جرائم شتى، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، خاصة الذين كان لهم نفوذ كبير أثناء العشرية الدامية ومتورطون في جرائم حرب وجرائم ضد البشرية، يحرصون كل الحرص على إتمام عرس 12 ديسمبر لانتخاب رئيس (يحظى بتزكيتهم ووفائهم وولائهم، وقابل لرد الجميل) يضمن لهم الحماية خلال عهدة أو عهدتين رئاسيتين بما يجنبهم فتح ملفات ومسائلة بشأن جرائم التسعينات، كاغتيال بوضياف والجنرال فضيل والرهبان وقاصدي مرباح والمجازر وآلاف حالات الاختطاف، فضلا عن الجرائم الاقتصادية والمالية التي كبدت خزينة الدولة ملايير الدولارات خاصة في عهد بوتفليقة بالتواطؤ مع رجال نهب المال، أي يريدون من رئيس 12 ديسمبر أن يمدد لها الحماية والحصانة التي وفرها لهم بوتفليقة خلال 20 سنة مقابل تركه يحكم بلا قيود، والآن بعد انتهاء صلاحيتها مع بداية حراك فبراير، عاد يراودهم هاجس كبوس المتابعات القضائية، ويخشون من تغيير جذري في هرم وهيكل السلطة بانتخاب هيئات لا تخضع لهم، بما يعرضهم لتجديد الدعوات المطالبة بفتح تلك الملفات الشائكة.

     

 

نعم، لا أحد يملك الحقيقة الكاملة أو يدعي الصواب المطلق، فالأمر اجتهادات ليس إلا، لكن هناك حقائق يجمع عليها الطرفان، وهي ثابتة لديهما، ربما بقليل من الجهد وتفهم دوافع ومبررات  وقراءات كل طرف، يمكن جسر الهوة، للتوّصل إلى حل شافي قد لا يحقق كل المطالب لكن، على الأقل لا يسهم في اغتيال هبة الشعب، فيخذل الجماهير التي انتظرت عقودا لاستكمال صرح استقلال البلاد، وبذلت جهودا جبارة، لم تواكبها النحب للأسف، إما خشية منها على مخاطر محتملة، أو لحسابات ستجعل فرصة نهضة جديدة مستبعدة قبل أجيال أخرى.

د. رشيد زياني شريف

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك