القراءة السياسية المبتورة المُولدة للعنف

IMG_87461-1300x866

سأنطلق من هذه الفكرة التي دافعت عنها في دراسة لي، ضمن كتاب جماعي، سيصدر بحر هذا الشهر ببيروت. العنف السياسي الكبير والأهوال التي عاشتها الجزائر، في جزء كبير منها كانت نتيجة قراءات مبتورة للواقع السياسي، قام بها طرفا النزاع في تلك الفترة. قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي لم تر من النظام السياسي الذي دخلت في صراع معه إلا مظهره المدني المتهالك، ونظامه السياسي المضطرب، ورئيسه منقوص الشرعية، وأحزابه الضعيفة ووضعيته الاقتصادية والمالية الهشة.
قيادة لم تر ما هو أبعد من هذه الواجهة المتهالكة للنظام السياسي، في لحظة سياسية محددة، بَنت عليها كل استراتيجيتها للاستياء على السلطة بكل الوسائل، الشرعي منها كالانتخابات، والأقل شرعية كالعنف المسلح. لم تلحظ هذه القيادة المكونة من رجال دين تقليديين بمسارهم المهني والسياسي البعيد عن مؤسسات الدولة ودواليبها، أن هناك ما هو أكثر قوة وتعقيدا من هذه الواجهة الهشة، التي ظهر بها النظام السياسي وهو يعيش حالة اضطراب قصوى.
القراءة المبتورة نفسها قام بها الطرف الرسمي خلال الفترة نفسها، الذي لم ير في الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلا ما برز للعيان من رجال قيادتها، أصحاب التكوين الديني التقليدي البسيط، لتهمل كل القوى الاجتماعية المتنوعة، التي استطاع الخطاب السياسي الديني تجنيدها، حتى بين صفوف الفئات العصرية والحضرية تحديدا، التي استهواها خطاب الجبهة وهي في حالة صعود.

ما دافعت عنه في هذه الدراسة، ان هذه القراءة السياسية المبتورة التي لا تأخذ بعين الاعتبار كل تفاصيل المشهد السياسي وخباياه، من كلا الطرفين المتنازعين وهما يعيشان حالة تشنج قصوى، هي التي ولدت العنف السياسي الكبير، الذي انطلق في الجزائر، لم يتوقف لمدة عشر سنوات تقريبا. قراءة مبتورة للطرفين يجب البحث لها عن تفسير عميق، في ما يميز النخب الجزائرية بمختلف مكوناتها وعلاقاتها ببعضها بعضا ونظرتها لنفسها وللأخر، بكل ما عرف عنها من انقسامية لغوية وفكرية. في كل مراحل التاريخ السياسي ـ الاجتماعي الجزائري.
ما يحصل هذه الأيام يشبه تماما ما حصل في بداية التسعينيات، وقد ينتح لا قدر الله النتائج نفسها، فنحن أمام قراءة مبتورة للحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر منذ أكثر من سبعة أشهر يقوم بها صاحب القرار السياسي الذي لم يبرح مجال القراءات الأمنية والسياسية المبتورة التي تعود عليها تاريخيا. استمر، صاحب القرار الذي سيطر عليه الطرف العسكري، على حساب الواجهة المدنية التي تعود على الحديث باسمها، في تجاهل ما أفرزه هذا التجنيد الشعبي الذي عبًر عنه الحراك. فلم ير إلا بعض الناشطين الذين يمكن سجنهم، وبعض أبناء منطقة القبائل الذين يدخلون للعاصمة أسبوعيا للتشويش على سكانها الجدد من مدمني القيلولة يوم الجمعة.. باختصار تعامل صاحب القرار العسكري برؤية أمنية وسياسية محدودة، لم تفهم انها امام «شعب جديد» مختلف تماما عن الشعب الذي تعودت تسييره قبل 22 فبراير. هي التي كانت ومازالت تفضل على الدوام تسيير الجزائري الفقير، الريفي والأمي الكبير في السن. نجحت الى حد كبير في السابق بإقناعه بخطابها الوطني وتجنيده لصالح مشاريعها. عكس» الشعب» الذي عبًر عنه الحراك. بكل خصوصياته السوسيولوجية والديموغرافية. شعب صغير في السن، متعلم، من ابناء المدينة في الغالب، منفتح على العالم، يريد تغيير نظامه السياسي بشكل جذري قبل أن يتحول الى خطر داهم على البلاد والعباد. سوء فهم يولد سوء تفاهم بكل ما قد يترتب عنه من تشنج في العلاقات بل وقطيعة سياسية وحتى عاطفية عمقها أكثر العامل الجيلي بين الجزائريين وحكامهم.
سوء فهم، يمكن التأكد من حضوره بسهولة، من خلال الاستراتيجية الأمنية السائدة كتعامل مع الحراك. خلاصتها انه يكفي اعتقال بعض الوجوه، للقضاء على هذا التجنيد الشعبي الوطني الذي يعبر عنه الحراك. قراءة لا تفرق بين هذا الحراك وما يميزه نوعيا وحتى كميا عن الحركات الاحتجاجية التي عرفتها الجزائر في السابق، كانت في الغالب مقصورة، على مدن بعينها، بل حتى احياء داخلها. عادة ما تظهر وتختفي فجأة، حتى لو انتقلت الى مدن وأحياء أخرى على شكل موجات تطرح في الغالب مطالب اقتصادية واجتماعية، كان من السهل التفاوض حولها، أو ما كان يحصل في منطقة القبائل التي تعودت هذه القراءة السياسية – الأمنية على عزلها عن محيطها الوطني بعد شيطنتها.
مازال العقل السياسي والأمني الحاكم، يعتقد انه امام حركة احتجاجية منظمة من قبل ناشطين سياسيين قليلي العدد، كما كان الحال في السابق مع الحراك السياسي المحدود الذي كانت تعيشه الجزائر، يمكن ان يعتقلوا أو يتم الضغط عليهم كمجموعات صغيرة، كما حصل مع آخر تجربة احتجاج سياسي في الشارع، قامت به «حركة بركات» ضد العهدة الرابعة للرئيس المخلوع 2014 اقتصرت في الغالب على بعض الفئات المتعلمة من أبناء الفئات الوسطى الحضرية، عجزت عن توسيع قاعدتها الشعبية لتعزل وتشيطن شهرين او ثلاثة من ظهورها.
سوء فهم آخر يمكن ان ينتج سوء تفاهم أكبر، نجده هذه المرة على المستوى الشعبي، الذي يعبر عن نفسه من خلال شعارات الحراك، مبني على قراءة تاريخية قديمة نسبيا، لما ميز الدولة الوطنية ومؤسساتها المركزية (الجيش) حتى الآن. سردية وطنية تركز على الطابع الشعبي لهذه الدولة الوطنية ومؤسساتها المركزية، في نظرة تغلب عليها القراءة اللاتاريخية. قراءة تفترض ان هذه الدولة ومؤسساتها المركزية لم تعرف تغييرات لا في عقيدتها ولا في قاعدتها الاجتماعية ولا مصالح المسيطرين على مقاليدها، ولا في علاقاتها بالمواطنين. بقيت كما كانت منذ أكثر من نصف قرن، كما تُصورها الأيديولوجية الوطنية السائدة. فماذا لو اكتشف الجزائريون ان هذه القراءة لم تعد صالحة، وأن دولتهم الوطنية قد تغيرت فعلا من الداخل، في غفلة منهم وأنها تريد ان تقيم علاقات جديدة معهم، عكس القراءة السياسية المبتورة التي يقومون بها والتي قد تكلفهم غاليا هذه المرة كذلك.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك