الترجمة الأدبية في الجزائر تكاد تصير إثماً لا يغتفر

IMG_87461-1300x866

تكاد الترجمة الأدبية أن تصير إثماً في الجزائر، ولا يقربها سوى الغاوون، فلا مؤسسات ولا نفقات تصرف على المترجمين، ولا سياسة استقامت، منذ الاستقلال، وما يتقاطر كل عام، ومرات ينقضي عام بدون ترجمة واحدة، لا يعدو أكثر من جهود شخصية، يشقى فيها الناشرون، لإقنــــاع أنفسهم بهذه الخطوة، ثم يشقون في إيجاد مترجمين، وفي الختام سيُقابلهم قارئ يصوم عما يترجمون.
كلما فكرنا في مقاربة شأن الترجمة، في الجزائر، نشعر كما لو أننا ندنو من أرض محروقة، نسمع عنها ولكن لم نطأ قدماً فيها قط، أرض بور، كلما سعينا في الاقتراب منها، انصرفت عنا، الترجمة الأدبية هي الوجه العاري، والقرحة التي لم تشف منها الثقافة الجزائرية.
قبل عام، توفي مارسيل بوا، وقد ناهز الثالثة والتسعين من العمر، وهو الذي كان يحب أن يعرف نفسه قائلاً: «أنا قس ومترجم، خادم للرب وللقارئ». بعدما أتم العشرين، والحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، افتتن بخوض تجربة في الجيش، تدفعه حماسة الشباب، لكن قراءاته وتعلقه بالفلسفة اليونانية أنقذته من مصير كان يمكن أن يضيع منا واحد من أهم الأسماء الذين أضاءوا الأدب الجزائري، أخمد رغبته في الجيش، واعتنق دراسة اللاهوت. وكانت تونس صلته الأولى بالشمال الافريقي، قبل أن يقفل عائداً إلى فرنسا، يتم ليسانس في الأدب ويتعرف على بعض المُقيمين الجزائريين، من الجيل الثاني للمهاجرين، الذين قصدوا الضفة الأخرى من المتوسط ، بغرض كسب قوت، وإطعام أهاليهم الذين ظلوا في البلد. انتهى الحال بمارسيل بوا مدرساً للغة الفرنسية، في ضواحي باريس، في النصف الثاني من الخمسينيات، ثم حصل الانقلاب في حياته عندما اكتشف ثلاثية محمد ديب «الدار الكبيرة، الحريق والنول» وكذا رواية مولود معمري «الأرض والدم»، ولم يغفل عن «نجمة» كاتب ياسين، مع أنه – من باب التنكيت – يتذكر امتعاض قس آخر، ربطته علاقة به (جان ديجو)، الذي كرس عمراً في نقد الرواية الجزائرية، والذي حاول أن يبعده عن كاتب ياسين، وكثيراً ما كان جان ديجو يمازح معارفه: «لقد احتال كاتب ياسين على ناشره لوسوي، يُعيد عجن نصوصه، وينشرها، أكثر من مرة، بعناوين مختلفة». عاد مارسيل بوا إلى تونس قصد تمتين علاقته بالعربية، ثم طار إلى بيروت مواصلاً رغبته في تعلم العربية أكثر، وحل في الجزائر عام 1961، وحرب التحرير على أشدها، لا أحد يعلم حينذاك متى ستنتهي.

كانت مغامرة كبرى، لكن الرجل تحمل مشاقها، وسوف يصير لاحقاً شاهداً على الأحداث الكبرى في البلد ومدوناً لها، لاسيما أنه اشتغل في سنواته الأولى، محرراً لمجلة مختصة اسمها «مجلة الشرق والمغرب الأدنى»، ما قربه مما يحدث أمام ناظريه، ووسع من أفق تأملاته لتاريخ البلد، «صرت شقيقاً لهذه الأرض»، تكلم عن نفسه، وولجها من بابها الأوســـع، أعاد الاطلاع على التواريخ المطمرة، من الأمير عبد القادر والثــورات الشعبية، إلى حياة الأهالي زمن الاحتلال، وفهم التعدد الذي تنعم فيها أكبر بلدان افريقيا مساحة الآن.
شرع في البدء يترجم مقالات، وفي خريف 1962، شعر بأنه صار فعلاً جزائرياً، ففي ذلك العام، تبعاً لمخاض ما بعد الاستقلال، وما خيم عليه من فوضى لاحقة، ألغيت دورة البكالوريا في الثانويات، فوقف نصيراً للتلاميذ، وساعد مع آخرين، على تنظيم دورة في أكتوبر/تشرين الأول من السنة ذاتها، حينها اكتمل الاستقلال في الثانويات، ومارسيل بوا كانت له اليد الطولى في ذلك. طالما ذكرني مارسيل بوا، في لقاءتنا الدورية، وصداقتنا التي امتدت في سنواته الاثنتي عشرة الأخيرة، بتجربته في التدريس في الجزائر، وتماسه المباشر مع الناس، ثم توغله في الحياة الثقافية شيئاً فشيئاً، وتشـــكل علاقاته الأولى مع مبدعين ومثقفين جزائريين، ودوا أن يجهروا باختلافهم عن فرنسيين، يقتسمون معهم لغة واحدة.
عام 1971، أصدر عبد الحميد بن هدوقة (1925- 1996) رواية «ريح الجنوب»، أول رواية بالعربية في الجزائر، وكان حدثاً جللا، فعجل مارسيل بوا بالتعرف على الكاتب، بوساطة صديق مشترك بينهما، وأفضى اللقاء بأن ترجمها للفرنسية، وحينذاك تبلورت علاقة صداقة محكمة بين بن هدوقة وبوا، أسفرت عن ترجمة أربع روايات للأول، وعن قرار بوا، الذي لم يتخل عن التزامه الديني، بالانصراف للترجمة الأدبية، بدل التأليف، واستمرت حياته في الترجمة لا غيرها من الأشغال 40 سنة ويزيد. وتواصلت التجربة مع الطاهر وطار، الذي ترجم له روايتين، وكان مقبلاً على أخرى، لو لم تنقطع الصلة بين الرجلين، عندما تجرأ وطار على تصفية حساباته مع الطاهر جاعوط (الذي اغتالته الجماعات الإرهابية، 1993)، وقال بالحرف الواحد: «موت جاعوط خسارة لفرنسا وليس للجزائر»، حجته في ذلك أن الكاتب اختار الفرنسية ـ التي تعلمها في المدرسة دون العربية ـ ما جعل مارسيل بوا يتخذ موقفاً يصفه بالإنساني، نصرة للكاتب، وتحاشياً للطعن فيه بعد موته. ترجم بعد ذلك كتاباً جزائريين آخرين، لكنه لم يخف تذمره، كاشفاً ذات مرة: «لم أتلق ديناراً واحداً» من إحدى المؤسسات العمومية، التي أوكلت له ترجمات، بدون أن تفي بشرطها المالي، رغم ما تتوفر عليه من ملايين في خزائنها. كان محبطاً من ذلك الوضع، لكنه لم يطلق حرفته في الترجمة. كان بيت مارسيل بوا (في ضاحية القبة، في الجزائر العاصمة) مغارة أدبية، كُتبا وقواميس تصطف على الجانبين، ولا ممر سوى باتساع رجل واحد، كلما أعاد ترتيبها، ازدادت فوضى خلاقة، وحين غادر ذلك البيت، إلى مثواه الأخير، إنما كان يغادر شغفه بالترجمة، بدون أن يحقق وصيته الأخيرة، بأن يترجم أكبر عدد من الكتاب الجزائريين.
لقد مات مارسيل بوا، ويحق من بعده أن نعلن موت «المترجم»، بألف ولام التعريف، كان عميد المترجمين وآخرهم، لم يمارس محبته للترجمة في وقت مستقطع، أو في الإجازات، بل جعل منها مهنة بدوام كامل، وإن كان يُسرق منه حقه أحياناً، فإن سيرة مارسيل بوا، كشخص متوحد مع شغفه في الانتقال بين لغتين، هي سيرة الترجمة الأدبية، في الجزائر. فهل نصبو إلى مترجم آخر مثله؟ مع أن لا شيء يوحي بذلك، عدا ما يُصادفنا من مترجمين موسميين، مغلوبين على أمرهم.

سعيد خطيبي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك