الجزائريون في نضال مستمر لمحو آثار حقبة بوتفليقة رغم ثورة العصابة المضادة

IMG_87461-1300x866

اليوم الخميس 22 أوت، يُكمل الحراك الشعبي الجارف، شهره السادس، بعدما أنهى كابوس الحكم الأبدي، وخَلّص الجزائريين من بوتفليقة وحاشيته التي جثمت على صدور 40 مليون مواطن لعشرين عامًا وكادت تزيد.

إنجازٌ… شَحنَ معنويات الشارع، ورفع من عزيمة شعب بات تواقًا للحرية والعيش بكرامة، فقرّر مواصلة نضاله بالنزول للشوارع لـ 26 أسبوعًا متتاليًا، ولا يزال، لأن غايته فك الارتباط مع ممارسات نظام سياسي قاوم التغيير لأزيد من نصف قرن، أي منذ استقلال البلاد عام 1962. ويبقى متمسكًا بذلك.

بفضل الحراك، رأى الجزائريون صور القضاة والمحامين بجباتهم السوداء والأساتذة والطلبة والأطباء بمآزرهم البيضاء بل كل فئات المجتمع باختلاف مكوناتهم، يصرخون بأعلى صوتهم “لا خوف لا رعب… الشارع ملك الشعب”.

امتزجت الألوان بالشعارات، وتناغمت الأعمار مع الفصول، فخرج الطفل الرضيع والشيخ المسن، وحرائر الجزائر اللواتي أضفن نكهتهن للحراك، بعدما دقت ساعة الحقيقة إيذانًا بالتغيير واسترداد الحقوق المسلوبة من نظام قضى على كل المفاهيم حتى مفهوم المواطنة.

حراك بل ثورة شعبية عارمة، كان لها الفضل في تغيير معادلات لم تكُن صحيحة النتائج على الإطلاق، لكن جرى إعتمادها لأن الغلبة للأقوى ولمن يُمسك بزمام الحكم. دعوات المظلومين زعزعت أسوار أشهر السجون في البلاد. إنه سجن الحراش بالعاصمة الذي تحول إلى مأوى “رفقاء بوتفليقة” وأغنى المليارديرات في الجزائر. يأمل الشارع في استردادها يومًا.

مُشاهدَة مقاطع فيديو لشاحنات الشرطة وهي تُقل أسماء تصدرت المشهد بـ”التزلف” و”الشيتة”. منهم الوزراء والولاة ورجال الأعمال أو كما يسميهم الشارع الجزائري بـ “أكلة الكاشير”، فجرت دهشة وسعادة شعبية عارمة فمَن كانوا يحتقرون الشعب ويعبثون بأمواله، وسرقوا طموحاته وحرموه من أحلامه باتوا خلف القضبان، حتى الأقوياء منهم، وهم الثلاثي السعيد بوتفليقة، الجنرالين السابقين محمد مدين (المعروف باسم توفيق)، وبشير طرطاق، والقائمة تبقى مفتوحة.

الثورة المضادة

راهن الكثيرون ممن لا يتقبلون فكرة التغيير في السلطة على انطفاء شمعة المسيرات، مع حلول شهر رمضان، وفصل الصيف غير أن تلك التمنيات خيبها “أوفياء الحراك” الذين دونوا في سجلات يومياتهم، أنّ يوم الجمعة هو للتظاهر وليس للاستمتاع بمتعة البحر أو للراحة.

خلال الستة أشهر الماضية، ظل الطابع السلمي أهم ميزة في مسيرات الحراك، وأبان المشاركون فيه على درجة عالية من الوعي برفعهم شعار “مزابي، قبايلي، عربي شاوي… خاوة خاوة” عاليا. فكان خير رسالة وجهوها لمن ظل يستعمل هاته الورقة للتفريق بين الشعب الواحد على أساس عرقي أو جهوي.

الأكثر من ذلك أن الجزائريين بعد 22 فبراير تصالحوا مع السياسة، وأصبحوا يتعاطون مع كل صغيرة وكبيرة تشهدها الساحة من مستجدات بعدما كانوا يفرون من هاته النقاشات الرتيبة نحو الرياضة في زمن بوتفليقة، الذي أفقد كل شيء معناه وقسم ضلاع المجتمع لمكعبات صغيرة.

مفترق الطرق

كل ما تم ذكره من نتائج، لا يعني أبدًا أن الحراك الشعبي حقق جميع أهدافه، بدليل أن المتظاهرين يستعدون للخروج غدًا في مسيرات شعبية للجمعة السابعة والعشرين على التوالي، رافعين شعارات تدعو للتغيير الحقيقي والجذري لطبيعة النظام وتُنادي بدولة الحق والقانون، وانتخابات حرة ونزيهة، بعيدًا عن النمط القديم.

كما لا تزال المطالب المرفوعة في خانة الانتظار، ومنها رحيل حكومة الوزير الأول نور الدين التي كانت آخر قرارات الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، قبل أسبوع من تنحيه عن الحكم في 2 أفريل.

التضيق على الحريات، وبخاصة وسائل الإعلام الجزائرية بمختلف أنواعها، لم يُرفع، وتظل نفس الممارسات القديمة لنظام بوتفليقة قائمة. ما يُؤكد ذلك غياب القنوات التلفزيونية عن تغطية الحراك الشعبي، إضافة لحجب عدة مواقع إلكترونية منها موقع كل شيء عن الجزائر(TSA) و الجزائر تايمز ومواقع اخرى، تعرضت لمقص الرقابة من طرف السلطة قبل نحو شهرين (12 جوان الماضي) وهو ما تعذّر على قرائه في الجزائر من متابعته.

بالفعل إسترجع الجزائريون حقهم في التظاهر بعد 22 فبراير، لكن الحصار الأمني المفروض على العاصمة كل يوم جمعة، يبدو وكأنه قرار يحمل نوايا أو رغبة في العودة إلى ما قبل هذا التاريخ عندما كان سكان العاصمة ممنوعين من التظاهر بموجب قرار الحظر الساري منذ جوان2001.

لجنة الحوار والوساطة التي “زكتها” رئاسة الدولة المؤقتة، لإخراج البلاد من حالة الانسداد التي تعيشها البلاد، وإقناع كل أطياف المجتمع بالجلوس على طاولة الحوار، لا يُنظر إليها الشارع بعين الرضا، فهي في نظرهم هيئة قاصرة خصوصًا بعدما رفضت المؤسسة العسكرية على لسان قائدها الفريق أحمد قايد صالح، “الشروط المسبقة للحوار” التي طالبت بها الهيئة، منها رحيل حكومة نور الدين بدوي، رفع التضيق على الإعلام، إطلاق سراح السجناء السياسيين (نشطاء الحراك) ورفع الحصار الأمني على العاصمة. الأمر الذي يجعل هدف الذهاب نحو انتخابات مقبولة من طرف الجميع لا يزال وهميًا.

في ظل هاته المؤشرات، يتوقع مراقبون مع بداية الدخول الاجتماعي المقبل، عودة الحراك الشعبي إلى زخمه الأول، في ظل عدم وجود تقدم كبير على المستوى السياسي، وعودة الطلاب إلى الجامعات وتهديد النقابات بالتصعيد، كما قد يكون “أبناء الحراك” أمام تحديات جديدة ألا وهي اختيار طرق جديدة للنضال دون التخلي عن الطابع السلمي للثورة الشعبية التي زرعت الأمل في نفوس الجزائريين مجددًا وأحيت رغبتهم بالعيش في جزائر العزة والكرامة. ليست كتلك التي تحدث عنها بوتفليقة طبعًا.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك