ماهو مصير المفقودين في العشرية السوداء من حراك 22 فيفري

IMG_87461-1300x866

حراك 22 فيفري المستمر إلى يومنا، أعطى أملًا كبيرًا للشعب، والشباب الجزائري خاصة، الذي دفع به النظام وأزلامه في وقت مضى لمرحلة اليأس والاستقالة المواطناتية، حتى لا نقول الحياتية، فبعد 16 فيفري الذي شهد مسيرة بخراطة، كُسر حاجز الخوف متحديًا تغول السلطة بالآلة القمعية وفزاعة عدم الأمن والاستقرار، دون تناسي التذكير، أو بالأحرى التخويف بالعشرية السوداء في كل مناسبة، وهي التي شكلت عقدة لشريحة كبيرة من المجتمع نظرًا لحصيلة الضحايا الثقيلة التي خلفتها.

ومن الحصيلة الثقيلة التي خلفتها العشرية السوداء، 20 ألف مفقود، بحسب تنسيقية عائلات المختفين قسرًا. وتعاملت السلطات مع هذا الملف الحساس المتعلق بمفقودي العشرية السوداء، الذي يكتسي طابعًا حقوقيًا إنسانيًا، بنوع من اللامبالاة والتقزيم ومحاولة إخلاء كامل المسؤولية منه.

وخير دليل على ذلك تناقض الرقم المصرح به فيما يخص عدد المفقودين، مع الذي كشفت عنه مختلف المنظمات الحقوقية، وبفرق رهيب حصرته السلطات في 7144 مفقودًا فقط. وهم الذي تمت معالجة ملفاتهم في وقت مضى، وذلك بتعويض أهالي الضحايا مقابل أن يصرحوا بموت الفقيد ويتنازلوا عن حق المتابعة القضائية.

إسماعيل سعداوي، الذي ترعرع على يد والد جزائري مفرنس، وأم فرنسية؛ شاءت الأقدار أن ينفصلا ويختار الولد البقاء مع والده عكس أخواته اللاتي فضلن الرحيل مع أمهن إلى فرنسا، لينجح إسماعيل في دراسته ويصبح أستاذًا للكيمياء بمتقنة عين بنيان، حيث يشهد الجميع له بالأخلاق والانضباط.

ومع إنشاء حزب الفيس، الذي كان ذا جماهيرية، انضم إليه إسماعيل وأصبح عضوًا بالفرع الثقافي، ولم ينجر وراء التعصب ولا العنف، إلا أنه في تاريخ الثالث من تشرين أكتوبر 1992، تمت مداهمة بيته ليقبض عليه ويتم مصادرة كتبه والمواد الكيميائية القليلة التي كان يستعملها في بعض التجارب.

الأستاذ بين ليلة وضحاها، صار إرهابيًا متابعًا بقضية. وحسب والده، فإن ما جاء في تقرير الأمن حول المحتويات المصادرة، لا يمت بصلة لما كان بحوزته، إذ إنه لم يكن يملك كل تلك المواد الكيميائية التي تسمح له بصنع قنبلة تقليدية، ولا يملك سلاحًا فرديًا.

بعد فترة من اعتقاله صدر بجريدة المجاهد بالبنط العريض "المؤبد لإسماعيل سعداوي"، ليبقى دومًا على تواصل مع والده الذي زاره مرتين بسجن تازولت (لومباز سابقًا) في باتنة، ولم يثلثها إذ قيل إنه هرب في انفلات أمني في السجن الذي كان فيه في فيفري 1994. وهو انفلات شابه إطلاق نار على الفارين، ليبقى سعداوي بين احتمالين، إما أنه توفي، أو فر إلى الجبال.

معاناة والد إسماعيل لم تتوقف هنا، فبعد هذه الحادثة ظلت قوات الأمن تداهم البيت، وتقسوا على الرجل الذي لا يعلم مصير ابنه، بزعم أنه ربما يكون على تواصل معه، لتمر الأيام ويستدعى الأب لمركز الدرك الوطني في 2004، ويُطلب منه إسقاط نجله من الدفتر العائلي، والتصريح بموته، لكنه رفض، ولجأ للمنظمات الحقوقية، ليتضح أنه ليس الوحيد على هذه الحالة، بل الآلاف من الأسر مثله.

عزيز بوعبدالله، الصحفي الشاب حينها، لا تختلف قصته كثيرًا عن إسماعيل البشوش السمح، إلا أنه كان ذو وجه حزين، حتى في صوره رغم ابتسامته، كأن القدر فتح بابه وكشف ما تخفيه له الأيام. نجاح عزيز في مجاله الدراسي، جعل منه مشروع صحفي على غرار الشباب الطموح آنذاك. توج هذا بفرصة عمل خط فيها أول وآخر مقال له بإحدى الصحف، ليلقى مصير الكثير من المفقودين بعد مداهمة بيت عائلته والقبض عليه بملابس النوم، وكان حينها في الـ23 من عمره.

الصحفي الذي تحتفظ أمه بنعله الذي تركه، وتبكيه كل مناسبة، تضع صحنه في رمضان وتنتظر في الأعياد أن يدخل عليها. يعتصرها الحزن والألم منذ أن خطف ابنها على حين غفلة، وما زاد قهرها ما قيل لها عند البحث عن فلذة كبدها: "أنسايه"؛ كلمة من ست حروف، لكن أثرها قاس. كيف لمن حملت وسهرت وربت أن تنسى قرة عينها؟ أم يخال أنه قطعة أثاث بالبيت أو خسارة مادية؟! من طُُلب نسيانه إنسان وروح والأمر بذلك انتهاك للكرامة الإنسانية.

والدة عزيز، والكثير من الأمهات والأهالي، ظُلموا في زمن بوتفليقة، كما الكثيرين، إذ تعرضوا للكثير من المضايقات والقمع في وقفات المطالبة بمصير ذويهم، كما لم يساندهم المجتمع المدني، اللهم إلا بعض المنظمات المعنية بحقوق الإنسان. وزد على ذلك عدم توفير المعلومات عن مصير ذويهم والتحجج بالمصالحة الوطنية.

الحراك الذي حرر الشعب، حرر هؤلاء المواطنين أيضًا، ومنحهم القوة والطمأنينة لإعادة قضيتهم إلى الواجهة، أي قضية مصير أبنائهم الذين يرفعون صورهم كل مسيرة رغم أنهم يكادون يجزمون أنهم ماتوا أو قتلوا، لكن يريدون معرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة، أو على الأقل أن يدلوهم على قبورهم علها تطفئ نار شوقهم وأحزانهم.

ملف المفقودين من ناحية أخلاقية إنسانية، لا بد أن يتبناه كل مؤمن بالعدالة الحقيقية ودولة القانون، وكل من في قلبه ذرة من الإنسانية، كون الإخفاء القسري يعد جريمة بذاته، فلا يمكن اجتثات جرم مهما كان، حتى لو كان إرهابًا بجرم آخر، يعتله طمس للحقيقة والمقايضة على النفس البشرية. مهما كان مصير المفقودين بالعشرية السوداء، لا بد من كشف الحقيقة ليتحمل كل مسؤولياته، ويؤَسَّس لعدالة القانون والحق.

قويدري محمد أمين

 

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك