الحراك تفشل العهدة الخامسة وتعري العصابة الحاكمة

IMG_87461-1300x866

شاركت في كل المسيرات التي نظمت في الجزائر من 22 فبراير الماضي عن قناعة تامة. باستثناء ثلاث حالات كنت مكرها للسفر فيها لأسباب متعلقة بالشغل وهو ما جعلني أرفض منذ شهور الكثير من التنقلات خارج الجزائر، خلال ايام الجمعة تحديدا، أو لوقت طويل يزيد عن يومين أو ثلاثة أيام. سفر لم يمنعني من متابعة تفاصيل الحراك في العاصمة والجزائر على المباشر عندما أكون خارج البلد.
سفر لم تكن الجزائر بعيدة عنه، فقد سافرت في ثلاث مناسبات للمشاركة في ندوات حول الجزائر، في كل من بيروت وجامعة فلورنس الإيطالية، أو صالون الكتاب في باريس في منتصف مارس ، وهو ما سمح لي بالمشاركة في تجمع ساحة الجمهورية مع الكثير من المهاجرين الجزائريين. تأكد لي خلالها، مدى تعلق المهاجر الجزائري بوطنه الذي قد يفوق ما يحس به المواطن المقيم على أرض الوطن. زيارات حضرت فيها عدة لقاءات تلفزيونية في أكثر من عاصمة عربية أو غربية، تكلمت فيها عن ثورة الجزائريين ومطالبهم بتغيير نظامهم السياسي الذي تحول إلى خطر فعلي على الدولة والأمة.
تجربة سفر اكتشفت خلالها ما أعرفه عن نفسي سابقا، وهو صعوبة أن أعيش خارج الجزائر، خاصة خلال الأوقات العصيبة التي يمكن أن تمر بها. فقد اكتشفت خلال سفرياتي أنني اتحول إلى مُحب ولهان بالجزائر، أتأثر بسرعة، بل تدمع عيناي لأي صورة أو نغمة أو حديث عن هذه الجزائر، التي سأتكلم اليوم عن اجمل الصور التي التقطتها لها من داخل الحراك في العاصمة تحديدا.
لعل أول صورة ما زالت ملتصقة بذاكرتي تلك التي تتعلق بأول مسيرة شعبية في 22 فبراير. حين خرجت مع أحد ابنائي للمشاركة فيها، من دون أن أكون متأكدا من مدى المشاركة الشعبية فيها. فمن يضمن أن يخرج الجزائريون، وكيف سيكون موقف الجهات الأمنية؟ وماذا عن الشعارات المرفوعة؟ أسئلة كثيرة كانت في ذهني وأنا أتوجه صباحا نحو ساحة أول ماي. حين اكتشفت بعض الوجوه التي أعرفها من زملاء من الجامعة واعلاميين وابناء حي بلوزداد وأول ماي، بكل ما يميز حضورهم من قوة وعنفوان، كباقي أبناء الأحياء الشعبية مثل باب الواد والحراش.
المفاجأة كانت كبيرة بالنسبة لي. حضور شعبي مكثف من كل الأعمار، مع تميز واضح للشباب. أصدق القول إنني لم اتوقعه بهذا الحجم، خاصة عندما تعلق الأمر بالنساء، مع ملاحظة بعض الخوف على الوجوه، وإصرار كبير جدا لم ألاحظه عند الجزائريين في السابق بهذا الشكل الجماعي، لم نكن نعرف رد فعل المؤسسة الأمنية، التي بادرت في الأول باطلاق الغازات المسيلة للدموع وتخويف المتظاهرين. لتتراجع عن تحرشها بمجرد أن زاد عدد المشاركين في المسيرة. تعلمنا هنا أول درس نحن الذين لم نخرج إلى الشارع منذ سنوات، ومنعنا من التعبير عن مواقفنا السياسية بشكل جماعي. الشرطة تقمع وتتدخل بعنف عندما يكون الحضور قليلا في المسيرات، فقد اكتشفنا بسرعة أن عددنا الكبير جدا، الذي فاجأنا، كما فاجأ الشرطة لن يسمح لها بالقمع، حتى قبل أن نكتشف أن المسيرات خلال هذه الجمعة الاولى للحراك لم تكن مقتصرة على العاصمة فقط، ما يزيد طبعا من صعوبة تدخل الأمن، ببساطة لانه لا يمكن لاي جهاز أمن في العالم أن يتدخل ضد مواطنين يخرجون بمئات الالاف في التوقيت نفسه من اكثر من أربعين مدينة. زاد عددهم عن العشرين مليون، حسب بعض التقديرات، في مسيرات شهري مارس  وإبريل .

مسيرة العاصمة الاولى كان يغلب عليها الطابع الشفهي، عكس ما سيحصل لاحقا عندما تظهر الشعارات السياسية المكتوبة بكل اللغات، وتتنوع محتوياتها كانعكاس للتنوع السوسيولوجي والديموغرافي لهذه المسيرات المعبرة عن صدق عن خصائص المجتمع الجزائري. كما كان الحال في مسيرات 8 مارس بمناسبة عيد المراة و5 يوليو  الذي صادف الاحتفال بعيد الاستقلال.
لحظة مسيرة أول العاشر من رمضان – 10 مايو  – الذي صادف المسيرة 12 من عمر الحراك كانت مميزة على أكثر من صعيد. بعد أن نجح الحراك في إفشال العهدة الخامسة والتمديد للرابعة، فقد كان التسويف واضحا من قبل السلطات التي أرادت إفشال، أو لنقل إعياء الحراك الشعبي بمناسبة شهر الصيام. كما تحاول هذه الايام بمناسبة الصيف، من دون نجاح.
بقيت في ذلك اليوم بالقرب من جامع الرحمة في العاصمة، انتظر انتهاء صلاة الجمعة. كانت صورة ـ تكررت لاحقا طول جمعات رمضان ـ غاية في الروعة والوضوح السياسي، فمبجرد انتهاء للحظة الإيمانية انطلقت اللحظة السياسية. بشعارات لا غبار عليها من قبل المصلين الكثر، الذين تزداد اعدادهم في شهر الصيام، كما هو معروف عن الجزائريين. في رمشة عين يظهر المواطن بشعاراته السياسية المنادية بدولة مدنية وبتنحي وجوه الفساد ورفض الانتخابات في ظل الباءات. فالمصلي يصلي وهو يلبس الراية الوطنية، وحتى الامازيغية قبل منعها، واضعا امامه شعاراته المكتوبة ومعلقاته، ليرفعها مباشرة بعد الانتهاء من الصلاة وهو يمارس مواطنته. غابت عنها شعارات التسعينيات التي تخوف من ظهورها من جديد البعض، الذي لم يقدر حجم التحولات التي عاشها المجتمع الجزائري والدروس التي تعلمها منها.
صور جميلة كثيرة أخرى يمكن أن استمر في سردها، خلدتها كاميرات الجزائريات والجزائريين، الذين يصرون في مسيراتهم على تقديم أحسن صورة عن أنفسهم، وعن بلدهم وحراكهم. فالجزائريات والجزائريين، بدا لي ـ أو هكذا صور لي على الأقل ـ اصبحوا اكثر جمالا واناقة واكثر تسامحا مع بعضهم بعضا. لا تحرش بالمرأة ولا عنف لا سرقات، في إصرار كبير على سلمية الحراك، مهما كان تحرش الاجهزة الامنية الذي زاد في المسيرات الاخيرة. شباب من الجنسين وكهول يتناقشون لساعات حول كل القضايا السياسية من دون أن يعرفوا بعضهم بعضا. حولوا ساحات الجزائر وشوارعها إلى أثينا فعلية. لنكون بذلك امام جيل جديد لم يعرف تجربة الارهاب، ولا فترة العمل الحزبي في السرية ومرحلة الاحادية بكل عيوبها وآثارها السلبية، التي ما زالت حاضرة بين مناضلي الاحزاب وقياداته. جيل تعلم وتواصل مع العالم الخارجي، يصر على بناء جزائر جديدة بمؤسسات شرعية ووجوه نظيفة بعيدة عن الفساد. الكثير من المؤشرات تقول إنه سينجح في ذلك مهما كانت الصعوبات الظرفية، فشعب مثل الشعب الجزائري لن يقهر ابدا.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك