عن القط وبورقعة والتنكيل المعنوي

IMG_87461-1300x866

(1) يُروى أن قطًّاً كان شديد البطش بفئران الحي، لكنه أُصيب ذات يوم بوعكة خرج منها مكسور البدن والذهن. احتارت الفئران هل تزوره للمواساة والتهنئة بتعافيه، أم لا تزوره لسوء ما فعل بها في أيام جبروته. بعد نقاش حاد محفوف بالمخاوف وذكريات بطش الماضي القريب، اتفق الرفاق على إرسال فأر واحد عوضاً عن المجموعة حتى لا تُباد كلها إذا ما غدر بها القط المقعد. كانت الفكرة أنه إذا التهم القط الرسولَ، تكون المجموعة قد سجلت طيب نواياها وخسرت واحداً منها فقط، وإذا عاد سالماً تكون قد سجلت نقطة لعلها تضمن لها الأمان في المستقبل. ذهب الفأر وعاد كما ذهب، فالتفَّت من حوله المجموعة تسأل. قال: علامات البطش والتجبر ذهبت، لكن حركاته ومخالبه هي نفسها، ولكم الرأي والقرار. هذا هو حال الجزائريين مع المنظومة التي تحكمهم، قبل 22 شباط (فبراير) وبعده.

(2) نظرياً، يبدو النظام الجزائري قد قدم تنازلات مهمة للحراك الشعبي بسقوط معاذ بوشارب، رئيس البرلمان، وهو أحد «الباءات» الذي يطالب الشارع برؤوسها، وبإعلانه تنظيم حوار سياسي لا دخل لمنظومة الحكم فيه، يُفضي إلى انتخابات رئاسية لا تشرف عليها أجهزة النظام الرسمية.
من المفروض أن هذين التنازلين هما الأكبر منذ تنحي الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، والزج برموز عصابته في السجون.
لكن لماذا يتوجس الجزائريون رغم كل ذلك؟ الجواب عند القط العائد من وعكته الصحية: الثقة المنعدمة ورصيد «الحقرة» المتراكم. بين الشارع ومنظومة الحكم، الثقة منعدمة حتى ولو تغيَّرت الأسماء. منظومة الحكم في الجزائر تَعدُ وتخلف منذ 1962، تعطي باليمنى وتذبح باليسرى. لم تكترث يوماً لرأي الشعب وآماله وآلامه.

(3) إذا أردتم دليلاً على أن حركات القطة هي ذاتها قبل وعكته، انظروا إلى تصريحات وتصرفات الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، محمد جميعي، وإلى التجمع الوطني الديمقراطي.  

رغم كل الشعارات والنداءات المتكررة كل جمعة مطالِبة بإحالته إلى المتحف، يخرج الأمين العام لجبهة التحرير ليقول إن «جبهته» تدعم تنظيم انتخابات رئاسية (لأن الداعي لها قايد صالح لا أكثر ولا أقل)، وأنها سيكون لها مرشحها، وإن لم يكن لها مرشح، ستدعم «المرشح النوفمبري»، يعني مرشح قايد صالح. هي ذاتها مسرحية انتخابات بوتفليقة 2004 و2009 و2014، وقبله اليمين زروال.. المواقف نفسها وحتى اللغة والتعبيرات!

ننتظر الآن التجمع الوطني الديمقراطي أن يحذو حذو «الجبهة» بعد أن يفرغ من اختيار أمين عام جديد (على الأغلب سيكون وزير الثقافة السابق عز الدين ميهوبي الذي لم يُختر حباً فيه وإنما لما يمثله من رمزية ثقافية).
أيًّا كان القائد الجديد للتجمع، سيكون من ضروب الجنون الاعتقاد أن هذا الحزب سيمتلك شجاعة وحرية السير خارج ما يُملي عليه النظام.
تريدون دليلاً آخر على «حركات القط»؟ انظروا إلى التلفزيون الحكومي (وحتى الخاصة) وقد عاد أسوأ مما كان. انظروا كيف يتعامل مع كل من يختلف مع قايد صالح وموضوع الانتخابات الرئاسية. السبت الماضي خصص التلفزيون 25 ثانية في نشرة من 45 دقيقة لندوة المعارضة رغم أن مخرجاتها كانت في صالح النظام لو يفهم.

(4) بعيداً عن التناطح السياسي المباشر، هناك مذبحة تجري برعاية النظام ومباركته. اغتيال معنوي يمارسه ذباب إلكتروني، وقذف وتشهير وتجريح بحق مَن يختلفون مع النظام ورجله الأول، قايد صالح. بلغت هذه المذبحة ذروتها باعتقال الثمانيني الأخضر بورقعة بسبب تصريحات علنية اعتُبرت مساساً بالجيش وقيادته.
أخطر من اعتقال بورقعة، وهو زعيم تاريخي لا جدال حول ماضيه الثوري، القتل المعنوي الذي تعرَّض له عبر التلفزيون الحكومي والتلفزيونات الخاصة. بسرعة شديدة صدرت للتلفزيون أوامر بأن يتهم بورقعة بأشياء يُندى لهم الجبين وستبقى وصمة عار في جبين من أصدرها ومن قرأها ومن نشرها ومن أعاد نشرها (قالوا عنه إنه لم يشارك في الثورة، بل كان جندياً عند فرنسا، وأنه انتحل صفة واسم قائد استشهد، وأنه لم يتولَ يوماً قيادة الولاية الرابعة التاريخية ـ وسط البلاد).
هناك ما هو أسوأ: بعد 24 ساعة عاد التلفزيون الحكومي ليتبرأ من نفسه ويعلن أنه لم يقل ما قال بل بثَّ ما وصله من «مصدر رسمي»، ويصحح بأن بورقعة قائد تاريخي ولم ينتحل صفة أو اسماً.. إلخ. عذر أقبح من ذنب، وتصرف لا يمكن وصفه إلا بـ«العيب» من تلفزيون عديم الحياء.
التلفزيونات الخاصة، التي كثيراً ما استعمل ملاكها ومديروها بورقعة وخرجوا إلى البوابات لانتظاره أو توديعه عندما كانت أفكاره وتصريحاته تخدم توجهها، هذه التلفزيونات سارعت إلى نشر ذات الاتهامات الموجهة إلى بورقعة، حرفياً على طريقة المذيعة المصرية التي حققت لنفسها شهرة بعبارة «تم الإرسال عبر جهاز سامسونغ». لم تُعِد التلفزيونات الخاصة نشر الكلام البذيء عن بورقعة لأنها تؤمن به أو ترجح صحته، بل لأن مصدره وصاحبه هو الرجل القوي الذي تتملق له مثلما تملقت قبله لعصابة بوتفليقة سنوات طويلة. إذا كان ثمن فرض خارطة طريق قايد صالح شرف وتاريخ رجل مثل بورقعة وسيدة مثل جميلة بوحيرد (تعرضت لتنكيل معنوي هي الأخرى)، وإذا كان الثمن شيطنة منطقة القبائل وسكانها والتشهير بالناس وسحل أعراضهم ونزاهتهم عبر صفحات «فيسبوك»، فهنيئاً لكم خرائط الطريق السابقة واللاحقة، وعلى الجزائر السلام.

توفيق رباحي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك