لماذا أخفق بعبع الوحدة الوطنية وحقق عكس ما أُريد له؟

IMG_87461-1300x866

من أين خرج علينا فجأة بعبع «الوحدة الوطنية في خطر»؟ ولماذا بعد مرور كل هذا الوقت من عمر الحراك الجزائري؟ ولماذا أخفق البعبع وحقق عكس ما أُريد له؟
اتحد الجزائريون بقوة طيلة 17 أسبوعا هي عمر حراكهم السلمي الحضاري. لكن الجمعة الثامنة عشرة كانت بمثابة عيد وطني جديد وموعد مع الوطن. خلالها اتحد الجزائريون في مختلف المناطق والمدن، بالصوت المرفوع، كما لم يفعلوا من قبل. كان ذلك اليوم يوم وحدة حقيقية وأخوَّة صادقة، لا وحدة شعارات السياسيين الدجالين وأخوَّة نشرات أخبار التلفزيون الحكومي البائسة.
الفضل في تلك الجمعة الاستثنائية يعود لقائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح. فلقد أيقظ في الجزائريين خوفهم ـ الحقيقي ـ على وحدتهم الوطنية الحقيقة، وعلى حراكهم السلمي، رأسمالهم الوحيد. قايد صالح هو الواجهة. قبله، ومعه، هناك جهات لم يعجبها تلاحم الجزائريين وتعاضدهم طيلة الأسابيع الـ17 الماضية، وساءها استمرار الحراك صلبا متمسكا بمطالبه الأساسية، فقررت المرور إلى السرعة الأعلى بتوظيف موضوع الوحدة الوطنية والعلم الأمازيغي وجعلهما موضوع نقاش أُريدَ له أن يحل محل النقاش الحقيقي، وهو: يتنحاوا قَع.
كان أصحاب هذه التجارة، منذ بدء الحراك، في حالة الاستعداد. لكنهم كانوا بحاجة إلى ذخيرة للمرور إلى الهجوم. فما أن تلفَّظ قايد صالح بكلامه عن «الراية الوطنية ولا راية غيرها» حتى تحررت ألسنتهم وأبانت ذهنياتهم عن نواياها.
هناك خطر واحد يهدد الوحدة الوطنية الجزائرية. يكمن هذا الخطر في محاولات تقسيم الحراك بتوظيف الورقة العرقية والجهوية. وهذا دليل على تفكير عقيم وعلى أن الحراك أصبح فعلاً يزعج رؤوس النظام، فقرروا إفشاله. لكن هل من الحكمة أن يكون ثمن إفشال الحراك المغامرة بضرب الوحدة الوطنية؟ على قايد صالح وأنصاره، وعلى تجار الوطنية الزائفة أن يتأملوا هذا السؤال.

لا يحتاج الجزائريون إلى معجزة لإدراك مخاطر التلاعب بوحدتهم الوطنية. يكفيهم أن يعودوا إلى سنة 2001 وأزمة منطقة القبائل التي افتعلها نظام الرئيس المخلوع، ونفخ في نارها وزير داخليته العقيد يزيد زرهون، ووظفها إعلامه وسياسيوه ومثقفوه. والنتيجة أن المنطقة تمردت معنويا عن السلطة المركزية، والدولة فقدت هيبتها عندما اضطرت، تحت الضغط الشعبي، إلى سحب قوات الدرك من مدن وبلديات ولاية تيزي وزو. كانت واقعة مخيفة لم يقدّر خطورتها كثيرون أن تُجبَر الدولة على سحب مؤسسة سيادية من جزء من التراب الوطني لأن السكان لفظوا تلك المؤسسة. كانت سابقة لم تعرف مثلها الجزائر المستقلة. هذا ناهيك عن أن المنطقة عانت من جرح غائر لازالت تتألم منه إلى اليوم. رغم كل ذلك، يبدو أن هناك مَن يريد العودة إلى تلك الأيام السوداء.
العلم الأمازيغي الذي يُحمَل في التظاهرات علامة ثقافية تتعلق بهوية منطقة شمال أفريقيا وتاريخها. لا علاقة له بالسياسة ومزاعم الانفصال. الخوف منه وصناعة دراما سياسية من حوله، علامة على خليط من الاضطراب النفسي والسياسي تحركه دوافع أيديولوجية مترسبة هي ثمرة عقود قضاها النظام الحاكم في تنميط منطقة من مناطق الوطن في أذهان الجزائريين. والإصرار على منع رفع هذا العلم في التظاهرات، وتكليف القوى الأمنية والمحاكم بملاحقة حامليه ومقاضاتهم، لن يثمر غير إصرار أكبر في الجهة المقابلة على العناد والمواجهة: الجمعة المقبلة سنرى مزيداً من العلم الأمازيغي، كما أن من لديه نوايا انفصالية يستطيع أن يعبّر عنها بألف طريقة أخرى غير قطعة قماش ملوَّنة.
من المفروض أن صور التضامن بين الجزائريين وامتزاج الراية الوطنية بالعلم الأمازيغي خلال تظاهرات الجمعة الماضية كافية لاستخلاص العبر والوثوق في أن المجتمع الجزائري تغيّر ونضج. ومن المفروض أن تكون تلك الصور سببا لرجال النظام لإدراك أن الأساليب القديمة لم تعد مفيدة في تقسيم المجتمع وتأليب جهة منه، أو فئة، على أخرى، وحافراً لهم للبحث عن وسائل وسبُل أخرى يقارعون بها المجتمع.
كما من المفروض أن تكون تلك المشاهد المشرقة والصور المشرّفة عبرة لبعض النخب السياسية والثقافية التي قضت الخمسين سنة الأخيرة تقتات من انقسام عربي/أمازيغي وُجد في أذهان البعض أكثر منه في الواقع.
ما حدث الجمعة الماضية كان رسالة أيضا للمتطرفين من كل الضفاف أن لا مكان لكم، وأن زمن توظيف النعرات الجهوية والعرقية ولّى.
المفرح في القصة كلها رد فعل الشارع في جمعته الثامنة عشرة وشعارها الذي زلزل شوارع العاصمة طيلة الظهيرة «عربي قبايلي.. خاوة خاوة».
الشارع القوي ووحدة المتظاهرين ووعيهم هي صمام الأمان للوطن وللدولة وللنظام وللمجتمع. أما تقسيم الشارع عرقيا وجهويا فقد يفيد إلى حين، لكنه على المدى البعيد خطر على الجميع، لأن ناره ستحرق الجميع. لم يفت الأوان، يكفي التوقف عن النفخ في هذه الفتنة لكي نتفاداها.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك