عندما يعين الجنرال القوي نائب الرئيس الضعيف!

IMG_87461-1300x866

الكثير من الصفات تجمع بين عبد القادر بن صالح الجزائري ونجاح العطار السورية، ومنصور هادي اليمني وغيرهم من نواب الرئيس في النظام السياسي العربي، الذي لا يتوقع مغادرة الرئيس موقعه على رأس السلطة، إلا في حالة واحدة قاهرة، لم يتم العثور لها على حل حتى الآن، هي الوفاة الطبيعية، أو غيرها من أنواع الوفاة العنيفة التي انتشرت في المنطقة في السنوات الأخيرة. ساد فيها تعيين نائب رئيس ضعيف من قبل رئيس قوي.
شخصيات سياسية تُعين في هذا المنصب لاعتبارات كثيرة، على رأسها ضعف الشخصية وانعدام الكاريزما السياسية ضمن لعبة سياسية لا تتوقع أي دور سياسي للرجل الثاني، الذي يفترض منه أداء أدوار بروتوكولية وشكلية باهتة، يقننها دستور لا يتوقع مغادرة الرئيس موقعه الا للقبر مباشرة، لتتم خلافته بشكل روتيني عن طريق آليات سياسية تم التعود عليها وتجريبها منذ سنوات، تبقى غير معنية بالتعامل مع أي هزات، أو تداول تنافسي للسلطة لا يتوقعه النص الدستوري أصلا، كما يحصل هذه الأيام في الجزائر.
هذا ما ينطبق على رئيس الدولة الجزائري الحالي عبد القادر بن صالح، الذي بدأ حياته المهنية في منتصف الستينيات صحافيا ومدير يومية حكومية، مرورا بمواقع دبلوماسية عديدة، قبل أن تقذف به الأقدار إلى مواقع سياسية عليا شكلية على رأس مؤسسات «تشريعية» منها المعين، كما حصل في بداية التسعينيات، عندما ترأس المجلس الانتقالي، بعد إلغاء اول انتخابات تشريعية تعددية، أو المجلس التشريعي لاحقا، أو مجلس الأمة. موقع تحول بموجبه إلى الرجل الثاني في نظام سياسي لا يعترف إلا بالرجل الأول. رئيس دولة لم يحظ مقارنة بأي رئيس جزائري سابق، إذا استثنينا بوتفليقة، بهذا الكم من الرفض الشعبي، الذي عبرت عنه مسيرات الجزائريين وهم يطالبون برحيله، كأحد الوجوه التي ارتبطت بنظام بوتفليقة، الذي تطالب المسيرات الشعبية بالقطيعة معه ومع وجوهه المرفوضة. رئيس دولة لم يكن موفقا تماما في آخر خطاب ألقاه الأسبوع الماضي، كان ينتظر الجزائريون أن يعلن فيه استقالته، واستقالة حكومة بدوي المرفوضة، فإذا به يعلن عن التمديد لرئاسته المؤقتة بحجه أنه فشل في تنظيم انتخابات رئاسية كانت الحجة الدستورية في وصوله إلى هذا المنصب الذي لم يحلم به يوما.
رئيس يعرف الجزائريون أنه ليس مؤهلا لا نفسيا ولا سياسيا ولا صحيا، منذ مرضه الأخير، لاحتلال هذا الموقع، لولا الحراك الشعبي الذي خلط أوراق النظام وإطاره القانوني الجامد، وهو يعيش حالة تيهان تحولت إلى خطر على الدولة الوطنية ذاتها، وليس على النظام فقط. رئيس بضعفه هذا لن يكون عاملا مساعدا للمؤسسة العسكرية، التي تعودت على الحكم من وراء الستار المدني بدرجات نجاح متفاوتة منذ الاستقلال، عندما يتوفر هذا الستار المدني على الحد الأدنى من الحضور والفاعلية السياسية، التي ليست متوفرة عند الرئيس بن صالح اليوم، ولا غدا، ما زاد في إرباك مراكز القرار الأخرى الحاضرة على قلتها، ليبدو عليها الكثير من علامات التخبط، كما يظهر من خلال تعاملها مع الأحداث التي فرضها حراك الجزائريين، كمتغير لم يكن متوقعا تماما، ولم يوفق أصحاب القرار في التعامل معه بقوته وسلميته التي ظهر بها، بعد أكثر من أربعة أشهر من انطلاقه.

لم يزد رئيس بمواصفات بن صالح في تخبط ما تبقى من مراكز قرار داخليا فقط، بل أضعف مكانة الجزائر دوليا، والعالم يشاهد كيف أن رئيس دولة مؤقتا كان يفترض فيه إنجاز مرحلة انتقالية حساسة في وضع هش غير متوقع تماما، لم يكن قادرا على استغلال وجوده القانوني على رأس الدولة، لتنظيم انتخابات رئاسية كانت مبرر وجوده الأول والأوحد على رأس الدولة. رئيس لم يعد قادر على حضور صلاة العيد، إلا تحت حراسة ارمادا من قوات الشرطة، بعد إفراغ المسجد من مصليه، كما حصل بمناسبة عيد الفطر، أو تسليم كأس الجمهورية للفريق الفائز في ملاعب كرة القدم هذا الأسبوع، ملاعب كانت على رأس المناطق التي حررها الشباب من الحضور الرسمي المرفوض شعبيا.
رئيس دولة لم يتعود طول حياته السياسية على اتخاذ أي قرار سياسي مهما كان، سيكون من الصعب التعويل عليه لكي يكون طرفا فاعلا في الوصول الى حلول ينتظرها الجزائريون هذه الأيام، قد تكون بداية انطلاقها قبول استقالة رئيس الحكومة الحالي، وتعيين حكومة كفاءات وطنية بديلة، تكون المدخل إلى الحوار من أجل تكوين هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات الرئاسية، بعد الاتفاق على أهداف المرحلة التي تسبقها. سُميت بمرحلة انتقالية أو لم تسم. قبل الوصول إلى استقالة بن صالح نفسه الذي لم ينس الجزائريون كيف أنه كان على رأس الكثير من هيئات «التشاور» التي نصبها بوتفليقة خلال حكمه، كونت مدخلا لعملية انتخابات أكثر تزويرا وتضييقا على الحريات النقابية، الجمعوية والحزبية. فقد تبين بالعين المجردة ولأكثر من ثلاثة أشهر أن الرجل تحول إلى مشكل فعلي، ولن يكون بالتالي حلا، في وقت زاد فيه طرح مسألة انعدام الثقة في الرجال، بعد ان فُقدت هذه الثقة تماما في مؤسسات النظام العديدة، والمتنوعة التي لم تكن يوما مكانا لحل الأزمات وصناعة القرار السياسي الذي عادة ما يتخذ خارجها، كما تؤكده الحالة القائمة التي لم تتمكن من إيجاد مؤسسة شرعية واحدة تحل داخلها، ما يعيق جديا إمكانية انطلاق حوار مطلوب بين الجزائريين لحل الإشكالات التي يعيشونها منذ انطلاق حراكهم، الذي زاده تعقيدا إصرار المؤسسة العسكرية على البقاء في أدوارها التي عرفت عنها تاريخيا كحكم وصاحب قرار فعلي من وراء الستار، يصر على عدم الظهور والتشبث أمام كل أزمة بقراءة قانونية نصية احتراما لعقيدتها التاريخية التي عرفت بها. كما تفعل هذه الأيام وهي تنادي بالحل الدستوري، والذهاب بسرعة الى انتخابات رئاسية قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه بوجوه جديدة، في حين قد يكون المطلوب فيه من الجزائريين جرعة كبيرة من الذكاء الجماعي، لتصور حلول جديدة من خارج ثقافتهم السياسية القديمة التي لم تساعدهم دائما على حل مشاكلهم ومشاكل نظامهم السياسي المتعثر.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. Truth

    الديوث صالح الاب الروحي للبوليزاريو، هم له نوع من الأسلحة قد يستخدمها ضد الشعب

  2. ساسي

    كلاب المخزن من الجواسيس المناجيس لا يعرفون حتى كيف ينبحون بالرغم من أن بعضهم من بني صهيون

الجزائر تايمز فيسبوك