فورين أفيرز:جنسية حفتر الأمريكية تضعه تحت قانون جرائم الحرب

IMG_87461-1300x866

في مقال نشره موقع “فورين أفيرز” للباحثين فردريك وهري ولفرام لاتشر عن الوضع في ليبيا والحرب الأهلية الجديدة فيها والدور الأمريكي المطلوب. وتحدثا في البداية عن الهجوم الذي شنه الجنرال خليفة حفتر، الذي يسيطر على معظم الشرق والجنوب من ليبيا في الرابع من نيسان (إبريل) للسيطرة على العاصمة طرابلس، وهو ما أدى لانهيار المحادثات بينه وقادة الغرب الليبي لتشكيل حكومة وأشعل بالضرورة حربا أهلية ثالثة والتي اندلعت أولاها في عام 2011. وكان حفتر يأمل أن يحصل على موطئ قدم له في العاصمة طرابلس ويؤكد نفسه كزعيم لا ينافسه أحد على كامل ليبيا. وما حدث هو أن الجماعات المسلحة في غرب ليبيا قامت بالتعبئة وواجهت محاولته التفرد بالسلطة. وخسر المظلة التي تعرف بالجيش الوطني الليبي التابعة لحفتر مناطق سيطرت عليها في بداية الهجوم قرب العاصمة. وقتل أكثر من 500 شخصا في القتال وشردت الحرب أكثر من 80.000. وحاول اللاعبون الدوليون الذين شلهم الإنقسام الدعوة لوقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية التي دمرها هجوم حفتر. وبدون إطار جديد للتفاوض يثق فيه الجميع ونهج دولي قوي لحل النزاع فإن وقف إطلاق النار سيعطي حفتر وقواته الفرصة لإعادة التنظيم والتسليح. وفي هذا السياق على القوى الغربية، بمن فيها الولايات المتحدة استخدام الوسائل الدبلوماسية والإقتصادية لمنع القوى الإقليمية من تغذية النزاع وبناء حالة ضارة من انسداد الأفق بين الجماعات الليبية المتناحرة. ولو قامت القوى الدولية بعمل هذا فإنها ستدفع الليبيين للعودة إلى العملية السياسية وبشروط جديدة.

وكان حفتر يقترب، بداية العام الحالي من التوصل إلى صفقة مع فائز السراج، رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني. والتقيا في شباط (فبراير) بأبو ظبي حيث اتفقا على لعب حفتر دورا بارزا في الحكومة الإنتقالية الجديدة. وتوقفت المحادثات لأن حفتر، كما نقل الكاتبان عن دبلوماسيين في الأمم المتحدة وغربيين لم يكن راغبا بالمشاركة في السلطة.

وفاجأ هجومه غرب ليبيا، لكن الفصائل المسلحة سرعان ما تعافت من المفاجأة ونسيت خلافاتها وتوحدت لمواجهة حفتر الذي بات يواجه مقاومة ضخمة فيما أضعفت سيطرته على المناطق الأخرى بسبب نشره معظم قواته حول العاصمة. وبدأ تنظيم الدولة باستغلال ضعفه وتنفيذ هجمات في جنوب ليبيا.

ويرى الكاتبان أن التوصل لوقف إطلاق النار في هذه المرحلة غير متوقع، وحتى لو وافق السراج على هدنة في هذا الوقت، فليست لديه السلطة للسيطرة على الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني، خاصة تلك القادمة من المدينة الساحلية، مصراتة. وقاتل المصراتيون جماعات حفتر بحيث عبروا خلال العامين الماضين عن ميل للتسوية، إلا أنهم لن يثقوا به بعد الهجوم ولا حتى التوصل لصفقة معه بدون خسارة قاعدة الدعم لهم. كما أن القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني، واثقة من قدرتها على هزيمته عسكريا، على الأقل في غرب ليبيا. وبالنسبة لحفتر فلم تعد لديه فرصة للسيطرة على طرابلس في أي وقت. ولا يستطيع الإنسحاب بدون التأثير على موقفه السياسي في شرق ليبيا. ولم يتعرض لضغوط من داعميه الخارجيين للإنسحاب في أي وقت، فداعموه الخارجيين، الإمارات والسعودية ومصر يدعمون الهجوم فيما ردت الحكومات الغربية بشجب لا معنى له وتقديم دعم تكيتيكي له.

ودعم الفرنسيون تحديدا طموحات حفتر وساعدوه في حملاته في الشرق والجنوب وشجعوه بطريقة غير مباشرة للهجوم على العاصمة طرابلس وقدموا له الدعم السياسي منذ بداية الهجوم العسكري. وتدعو الدول الأوروبية حفتر وحكومة الوفاق الوطني العودة إلى طاولة المفاوضات والبناء على اتفاق أبو ظبي، إلا أن هذا الموقف منفصم عن الواقع على الأرض. وفي الحقيقة فرد أوروبا الضعيف على الهجوم يعد السبب الرئيسي لعدم واقعية وقف إطلاق النار أو العودة إلى طاولة المفاوضات. ولا تستطيع الجماعات الليبية المتحاربة الإعتماد على الأوروبيين لفرض أي اتفاق. والأمر متروك إذا للولايات المتحدة، فقد حاولت وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتين في البداية إقناع حفتر على الإنسحاب. إلا أن الرئيس دونالد ترامب اتصل في 5 نيسان (إبريل) بحفتر ودعمه بشكل حيد كل الجهود التي يقوم بها الدبلوماسيون الأمريكيون التي تحاول التوصل لحل دبلوماسي. ويقول الكاتبان إن ترامب ربما خرب الجهود هذه لكن لديه عدة خيارات، وأهمها منع القوى الإقليمية مثل مصر والإمارات والسعودية وكذا قطر وتركيا من تصعيد الدعم العسكري لحلفائها في ليبيا.

وهناك أدلة قوية عن استخدام قوات حفتر طائرات مسيرة محملة بصواريخ جو- أرض ومعظمها قدمتها له الإمارات العربية المتحدة والتي كانت على مدى الخمسة أعوام الماضية، منتهكا للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير السلاح لليبيا. ووجهت حكومة الوفاق الوطني نظرها إلى تركيا التي قدمت لها عربات مصفحة. ونظرا لعلاقة الولايات المتحدة القوية مع الدول المنخرطة في ليبيا فهي في وضع جيد لاستخدام نفوذها عليها لوقف التصعيد. وفي غياب التحرك من الفرع التنفيذي للسلطة فإن التحرك المنشود ربما جاء من الكونغرس والذي يجب أن يعقد جلسات استماع تقدم فيها مؤسسات الحكومة بما فيها الخارجية والبنتاغون والإستخبارات أدلة عن انتهاك القوى الإقليمية لحظر السلاح المفروض على ليبيا. ويمكن للكونغرس إصدار قرارات تعاقب الشركات التي تساعد على هذه الإنتهاكات. ويمكن للولايات المتحدة لعب دور إيجابي في الصراع على انتاج النفط الليبي. وفي ظل تردي الوضع الإقتصادي بمناطق الشرق التي يسيطر عليها حفتر فإنه يحاول بيع النفط، منتهكا بشكل واضح سيطرة شركة النفط الوطنية الليبية على عمليات تصديره. وقد منعت الولايات المتحدة في السابق محاولات كهذه، ففي عام 2018 عمل المسؤولون الأمريكيون مع مسؤولي الأمم المتحدة للضغط على حفتر كي يعيد البنى التحتية التي سيطر عليها. ولو حاول تكرار الأمر من جديد فستكون الولايات جاهزة لمنع عمليات بيع غير قانونية. ويمكن للولايات المتحدة استخدام التهديد بالعقوبات الإقتصادية والمحاكمة لجرائم حرب مثل وقف وصول المياه للمدنيين، بشكل يدفع الطرفان للعودة إلى التفاوض.

ويرى الكاتبان ان حفتر الذي يحمل الجنسية الأمريكية يمكن تقديمه للمحاكمة بناء قانون جرائم الحرب الأمريكي، خاصة أن واحدا من ضباطه اصدرت بحقه محكمة جرائم الحرب مذكرة عام 2017 لأمره بقتل 33 من أسرى الحرب. فيما ظهر حفتر عام 2015 في شريط يأمر جنوده بعدم القبض على أي مقاتل. ويمكن لوزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على حفتر بناء على الصلاحية القانونية نفسها التي استخدمتها لمعاقبة زعيم ميليشيا آخر “لهجماته المستمرة على العاصمة الليبية”. فمن خلال منع التدخل الخارجي وتأمين النفط واستخدام الأساليب العقابية يمكن للولايات المتحدة توجيه دفة ليبيا من العداء إلى السلام. ويجب أن لا تشمل هذه المفاوضات حفتر والمقربين منه. ذلك أن أمير الحرب استخدم المفاوضات كوسيلة للسيطرة المطلقة على السلطة. وقدمت له القوى الخارجية سلطة سياسية بعدما كافأته على حملاته العسكرية. ولوقف دوامة العنف الليبية، على الولايات المتحدة إقناع داعميه العرب لإخراجه من المشهد. فهم ليسوا مرتبطين بالرجل ولكن بوعوده وخدمة مصالحه. كما ويجب على الولايات المتحدة التواصل مع مناطق حفتر في الشرق والجنوب، ساسة ورجال أعمال ومنظمات مجتمع مدني وعناصر في الجيش الوطني ممن لدى الكثيرين منهم علاقة مع البنتاغون. ويشعر الكثيرون منهم بعدم الراحة لطموحاته، وكان معظمهم يجرون حوارات مع مسؤولي حكومة الوفاق قبل أن يقوم حفتر بهجومه. وكلما زاد أمد الحرب كلما زاد تهميش حفتر، ذلك ان المناطق تعبر عن رغبتها بوقف إطلاق للنار محلي. وبرر حفتر هجومه للحد من الميليشيات التي تسيطر على حكومة الوفاق، وكذا السيطرة على خزينة البلاد. وهذه مشكلة يمكن للولايات المتحدة المساعدة في حلها. فقبل هجومه كانت الأمم المتحدة وحكومة الوفاق تعملان معا وحققتا نوع من التقدم النسبي، خاصة الحد من سلطة المسلحين. وفي النهاية تحتاج ليبيا لحكومة شاملة للجميع ودعم دولي. فالإنقسام والإستقطاب السياسي والإجتماعي بين الليبيين وداعميهم الخارجيين في أعلى مستوياته. ويحتاج الوضع إلى تحرك حازم والولايات المتحدة هي اللاعب الوحيد القادر على تحريك الدفة والتأثير على الأطراف الداخلية والخارجية.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك