منذ استقلال الجزائر والشعب تحت رحمة عصابة وجدة

IMG_87461-1300x866

ارتبطت الانتخابات السياسية في المخيال الشعبي بالأزمة السياسية الحادة والخوف لدى أغلبية الجزائريين. كان هذا هو الحال منذ استقلال الجزائر، الذي انفجرت فيه أزمة صيف 62 على خلفية انتخاب المكتب السياسي لجبهة التحرير. بعد تدخل قيادة الأركان بدعم من جيش الحدود لحسم الصراع لصالح ما عرف لاحقا بمجموعة وجدة، التي اختارت كواجهة سياسية لها، الرئيس بن بلة.
نظام بن بلة ـ بومدين الذي دشن مرحلة الانتخابات الشكلية الخالية من أي تنافس فعلي، والأقرب لمنطق التعيين المبني على الولاءات الشخصية، ما أدى عمليا إلى إبعاد كل الوجوه التاريخية المنافسة، التي لم تقبل بهذه الأوضاع المبنية على ميزان قوى عسكري صرف. فكان السجن والنفي وحتى الاغتيال مصير كل من عارض، ولم يقبل بهذا المنطق على غرار بوضياف وأيت أحمد وشعباني وكريم وغيرهم.
لم تخل الانتخابات المغلقة التي تحولت إلى عادة لدى النظام السياسي، لغاية نهاية الثمانينيات، رغم ذلك من بعض الاحتكاكات والمناوشات البسيطة في عالم الريف تحديدا، وقواه التقليدية التي تم التحكم فيها عن طريق تدوير النخب السياسية والأعيان، الذين عرفوا كيف يتفاوضون مع هذا النظام، الذي احتكر التمثيل السياسي الوطني واعتبر التشكيك في سيطرته نوعا من الشرك. في غياب شبه كلي للمواطنين، تحول مع الوقت إلى قاعدة عامة. قبل خلالها الجزائريون مواطنتهم السياسية على مضض بمقايضة مواطنتهم، مقابل السلم الاجتماعي وبعض الخدمات التي منَّ بها عليهم النظام السياسي ـ الاقتصادي الريعي.
كان لابد من انتظار مرحلة التعددية في بداية تسعينيات من القرن الماضي، بالتنافس الذي تولد عنها في جو سياسي وأمني مضطرب، ميز هذه المرحلة، لكي تتحول الانتخابات السياسية إلى لعنة حقيقية. فقد أدخلت هذه الانتخابات البلد في حرب أهلية حقيقية تولدت أساسا عن عدم اتفاق النخب السياسية المتنافسة، على مكانة الانتخابات، كوسيلة للتداول السلمي على السلطة، تعلق الأمر بالقوى السياسية الحاكمة، أو تلك التي تنافسها على غرار قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المنتمية فكريا إلى المدرسة السياسية نفسها، في عدم إيمانها بالانتخابات كوسيلة تداول فعلي على السلطة. حتى وهي تستفيد منها بالوصول إلى السلطة. مضاف إلى ما حاولت أن تضفيه من قدسية دينية على موقف لم يؤمن يوما بالتداول عن طريق الانتخابات، وحتى بالانتخابات كآلية للتنافس وحل الخلافات يتعلق بالانتخابات المحلية، انتخابات مطلوب منها أن تكون لعبة إلهاء للمواطنين ونوعا من التدوير للنخب، وإكساب لنوع من الشرعية الصورية للحكام، على المستويين الدولي والداخلي لا غير. انتخابات تتحكم الإدارة في تنظيمها وهي تتعامل معها كشكلية لا بد منها، تقوم بها بشكل دوري، من دون الإيمان الفعلي بها كوسيلة إنتاج نخب بديلة، أو تداول فعلي على السلطة، لم تعد تحترم في تنظيمها حتى الشكليات البسيطة.

فما هو المطلوب يا ترى من الانتخابات في زمن الحراك الشعبي الذي زلزل أركان النظام. السلطة حسب ما يبدو حتى اليوم لم تغير من نظرتها، فهي تريد انتخابات من النوع نفسه الذي تعودت عليه منذ الاستقلال. انتخابات مطلوب منها الحفاظ على النظام نفسه حتى لو تم التخلي عن بعض وجوهه. يتم تنظيمها بقوى التزوير المتواجدة نفسها، على مستوى الإدارة المحلية والمركزية، ما يجعل أي تغيير في الإطار القانوني، وحتى تكوين لجنة مستقلة للانتخابات، من دون تأثير فعلي على نتائجها، التي تخصصت الإدارة في تزويرها، بعد أن تحول التزوير لديها إلى ثقافة مكرسة، تفننت في ممارسته منذ الاستقلال. سيكون من الصعب أن تتخلص منه كليا حتى بعد عملية انتقال سياسي وحضور لمراقبين دوليين، في غياب تجنيد قوي للمواطنين، كما هو متوقع ومأمول من الحراك الشعبي هذه المرة. تصر السلطة الفعلية إذن على هذه الانتخابات المبرمجة في 4 يوليو  المقبل، رغم إدراكها استحالة تنظيمها لأسباب سياسية وعملية، كعدم انطلاق التحضير لها وتنظيم حملة انتخابية، وحتى غياب مرشحين جدد لها حتى الآن. استحالة عملية ستؤدي بالسلطة نفسها عن قريب، إلى الإعلان عن تأجيل هذه الانتخابات، كما يتوقع الكثير ممن يعرفون منطق تسيير هذه المرحلة السياسية التي يمر بها النظام السياسي، بعد انطلاق الحراك.
تأجيل الانتخابات الذي يجد صعوبات كبيرة في الإعلان عنه، وفي الاتفاق بين أصحاب القرار على طريقة إخراجه إلى العلن لارتباطه بانطلاق مرحلة انتقالية يطالب فيها الحراك بإبعاد رئيس الدولة والحكومة الحالية. وتكوين لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات، بديلا عن إدارة الداخلية، كتمهيد لدخول مرحلة تسيير سياسي انتقالي يطالب به الحراك الشعبي. سلطة فعلية تدرك أن لعنة الانتخابات هذه التي نتكلم عنها هي التي كانت أصلا وراء انطلاق الحراك الشعبي في 22 فبراير  الماضي. بعد ترشح رئيس عاجز لها للمرة الخامسة، بكل ما حمله هذا الترشح من إحساس بالإهانة للمواطنين الجزائريين، الذين لم يصدقوا لآخر دقيقة، أنه يمكن أن يترشح وهو في هذا الوضع الصحي المتدهور. شعور بالإهانة زاده تكريسا تلك الوجوه المرشحة القبيحة والمهرجة لهذه الانتخابات التي كان يفترض أن تتم في 20 إبريل الماضي، لولا هبة المواطنين التي أنقذت البلد. فهل ستكون الانتخابات الرئاسية المقبلة التي يطالب المواطنين بها، بعد مدة انتقال معقولة، بداية القطيعة مع لعنة الانتخابات هذه التي لازمت النظام السياسي الجزائري المغلق منذ الاستقلال. نظام فشل حتى الآن في الاستفادة من الانتخابات كوسيلة تغيير سلمي داخلي لرجاله ومؤسساته. هذا ما يطالب به المواطن الجزائري منذ خروجه في مسيراته الشعبية التي لن تتوقف قبل تحقيق المبتغى منها. مواطن يعلن بمناسبة كل مسيراته التي دخلت شهرها الثالث، أنه سيشارك هذه المرة في الانتخابات ويراقب كل محطاتها، بما تفترضه من تطبيق للمقاييس الدولية، أصبح يتوق إلى تحقيقها في بلده، عكس ما كان يقوم به من عزوف عنها في السابق، عندما كان متيقنا من أنها انتخابات مشوهة وممسوخة لا تنتج أي تغيير، بل تزيد في تعميق الأزمة بما تنتهجه من مؤسسات ووجوه فاقدة للشرعية، تسببت في الزيادة من حدة مآسي البلد، وإعادة إنتاجها الموسع. بكل الآفات المرتبطة بها كسيطرة المال الفاسد والبلطجة وإهدار فرص التنمية.

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. راني زعفان

    هذا دليل واضح على بلادة و حقارة نظامنا العسكري الذي يحكمنا منذ 62 ’ حيث انه يبقى يسرق حتى يفضح ’ و هنا اقصد السرقة السياسية و ليست المالية لان الجميع و منذ 62 يعرف ان نظامنا نظام عسكري متعفن يعمل بمنطق العصابات ’ السرقة السياسية هي التشبث بمرشح ميت كلينيكيا و السبب عدم وجود بديل وفي للعصابة و عدم الثقة الريبة و الشك التي غالبا ما تتميز بها الديكتاتوريات ’ فالسياسيين و الشخصيات الوطنية و التاريخية للجزائر كانت دائما مهمشة بل و منها من عاش حياته منفيا حتى لما رجع لخدمة وطنه و بطلب من العصابة لتهدئة الاوضاع لانها كانت ستخرج من يدهم فاستعملوه رحمة الله عليه  ( محمد بوضياف  ) و استعملوا تاريخه و نظاله كطعم للشعب لتهدئة الاوضاع و تحقيق مكاسب ظرفية لمصلحتهم ’ و لما احسوا انه سيفضحهم تخلصوا منه بطريقة بشعة و امام العالم كله ’ ان هذه العصابة لا يهمها سوى خدمة مشغلها المستعمر السابق ’ و الفتات الذي يتركه هذا المستعمر في خزينة الدولة لاطعام الشعب فقط ’ اما الباقي فهي مجرد جزئيات ’ و المعيار الوحيد لحكم الجزائر هي الخضوع و الخنوع لسياسة كبرانات المخدرات الصلبة ’ و التوافق معهم و تطبيق اجندتهم التي تخدم المستعمر و الخارج بصفة عامة قبل الوطن و المواطن ’ فعقيدة الكبرانات هي تزوير الانتخابات لمصلحة مرشحهم لخدمة اجندتهم ’ و الدليل على ذلك هو ان اغلب المرشحين الذي حكموا بلادنا في انتخابات صورية ’ رجحت كفتهم بواسطة اصوات الجنود و موظفي الدولة في جميع الاسلاك و بعض احزاب الكاشير و احزاب الشيتة ’ و بعض المنتفعين من النظام ’ فمحمد بوضياف كان واضحا ان من تسبب في قتله ’ هو عيشه بالجار الغربي و خوف العصابة من كشفه لحقائق كثيرة و مغلوطة عن الصراع بين بلدنا و الجار الغربي’ و الذي خلق منه كبراناتنا عدوا وهميا لتخويف الشعب و نهب ثروته تحت مسمى مساعدة الشعوب المستضعفة و بدعوى التحرر ’ و لخدمة اجندة استعمارية بالمنطقة ’ فلحكم الجزائر العصابة الجاثمة على صدورنا منذ 62 مستعدة لبيع الوطن بل و لذبح كل الشعب من اجل خدمة مشغلها المستعمر السابق و الذي تدين له بالولاء لانها تخرجت من مدارسه العسكرية و غرفت من مناهجه و ثقافته العسكرية و رباها هذا المستعمر على الوفاء و الولاء للجمهورية الفرنسية و ليس الجزائرية ’ من لم ترض عنه عصابة الكبرانات لم يحكم الجزائر و لن يحكمها ما دامت نفس العصابة جاثمة على صدورنا ’ ايها الشعب الابي ان الاستحقاق جلل و وجب تقديم التضحيات و التحلي بالصبر و الروية و الحلم ’ لنزع هذا الورم الخبيث الذي يتسبب في نزيف و سقم جسمنا الجزائري و الجسم المغاربي كله

الجزائر تايمز فيسبوك