تحقيق خطير: سجائر سويسرية تُباعُ بالمغرب سامة ومُسرطنة

IMG_87461-1300x866

كل سنة، تُصَدِّر سويسرا من السجائر أكثر مما تصدر من الشكلاطة. وقد بينت أبحاث ذات طبيعة استثنائية أن صناعة السجائر تمارس ازدواجية في المعايير المتبعة: فنسبة السموم في السجائر التي تباع في إفريقيا هي أعلى بكثير منها في السجائر التي تُدخَّن في أوروبا.

 غالبا ما تتباهى سويسرا بأنها تُصدر إلى العالم شكلاطتها اللذيذة، وتشكيلاتها من الساعات المذهلة. غير أن هناك صانعا سويسريا يحقق نجاحا كبيرا جدا، ولكنها لا تروج له بنفس القدر من الإشهار: إنها السجائر السويسرية. في سنة 2016 تم صنع أربع وثلاثين مليار وستمائة مليون سيجارة في سويسرا، أي ما يعادل تقريبا ملياري علبة. منها فقط 25% تم توجيهها للسوق الداخلية، فيما تم تصدير حوالي 75%: أي ما يكفي لتغطية حاجة أربعة ملايين شخص ممن يدخنون علبة واحدة في اليوم.
وعرفت حصة الصادرات منذ 2011 تراجعا بالنصف. وبالنسبة لتصنيفه فإن البلد لا يحتل إلا المرتبة الخامسة عشرة من بين مصدري السجائر في العالم، بعيدا وراء الإمارات العربية المتحدة، وبولونيا. ولكن، بالنسبة للاقتصاد السويسري تبقى هذه التجارة ذات أهمية كبرى.
تؤكد دراسة صدرت في نهاية سنة 2017 عن الشبكة الدولية لمؤسسات الافتحاص (KPMG) أن: «مداخيل الصادرات الناتجة عن مصنوعات التبغ في سنة 2016، التي تبلغ 561 مليون فرنك سويسري، تضاهي نفس مداخيل صادرات أهم السلع السويسرية، مثل الجبن (578 مليون فرنك، أو الشكلاطة (785 مليون فرنك)».
إلى أين تذهب هذه السجائر؟ من بين الوِجهات، هناك اليابان التي تحتل المرتبة الأولى. هل تكون منتوجات “مؤسسة التبغ الدولية لليابان” هي التي تتجه نحو اليابان؟ لم تجب هذه المقاولة عن السؤال عندما طُرِح عليها. فيما المغرب وإفريقيا الجنوبية يأتيان على رأس بقية اللائحة.
عمالقة صناعة السجائر
“فليب موريس الدولية” ((PMI أقامت مركزها العملي في لوزان. وتمتلك كذلك مصنعا في “نوشاطل”، وهما مدينتان سويسريتان. وقد خرجت من نوشاطل وحدها في سنة 2017 أكثر من 15 مليار ما بين سجائر ووحدات التبغ المُسخَّن (الخاص بالسجائر الإلكترونية)، أي15% من الإنتاج العالمي لهذه المجموعة، من بينها ماركات “إيكوس هيل”، و “مارلبورو”، و”شيسترفيلد”، و”إيل آند إيم”. ويوجد مقر هولدينغ “فليب موريس” كذلك في نوشاطل. وقد حقق في سنة 2017 رقم معاملات بلغ 29 مليار فرنك سويسري.
وتمتلك المؤسسة البريطانية – الأمريكية للتبغ (BAT)، مكاتب في لوزان، وكذلك مصنعا في “بونكورت”، الذي اشترته سنة 1999 من “روثمان”، التي كانت قد اشترته من عائلة “باروس” قبل ذلك بثلاث سنوات. وتُصَنِّع الشركة هناك: “بال مال”، و”غادستون”، و”دانهيل”، و”لوكي سترايك”، و”كينت”، و”وينفيلد”، و”فوغ”، و”بلاييرس”، و”باريسيان”، و”آلان دولون”. وعرفت سنة 2017 رقم معاملات بقيمة 26 مليار فرنك.
أما “اليابانية الدولية للتبغ” (JTI)، فاتخذت مقرها في “جنيف”، في عمارة بنيت حديثا جدا. وتمتلك (JTI) أيضا معملا ضخما في سويسرا الألمانية بمدينة “داغميرسلين”، بكونتون “لوسيرن”. وقد صنعت المجموعة اليابانية في هذا المصنع سنة 2017 عشرة ملايير وثمانمائة مليون سيجارة، موزعة على 16 ماركة، الأكثر انتشارا منها هي “وينستون”، و”كاميل”، و”نيتورالآمريكانسبيريت”. برقم معاملات بلغ في نفس السنة 2017 18 مليار فرنك سويسري.
إلى غزو المغرب
تم خلال سنة 2017 تصدير 2900 طنا من السجائر السويسرية نحو المغرب، أي ما يعادل ثلاثة ملايير وستمائة وخمس وعشرين مليار سيجارة. ويبلغ ثمن العلبة في متاجر المغرب 33 درهما” (3,5 فرنك سويسري). والمدخنون البسطاء يشترون السجائر بالتقسيط، درهمان للسيجارة الواحدة. والعلب معلن عنها صراحة بحيث تحمل طابع المجموعة السويسرية للإشهاد والمصداقية (SICPA).
إلى حدود 2003 كانت السجائر تصنع محليا، في معامل الشركة المغربية للتبغ. وبعد وفاة الحسن الثاني تم الإعلان عن تحرير القطاع، مع التصديق على القانون 46.02 حول التبغ المصنع. وهذا ما سرع من غزو المجموعات الدولية للسوق المغربي. واليوم، فإن 55% من السجائر التي تُدخَّن في المغرب هي مستوردة، أغلبها من سويسرا، ثم تليها تركيا. تصل السجائر إلى المغرب بالبواخر عبر ميناء طنجة المتوسط، أو عبر ميناء “كازا”، أي الدار البيضاء.
يؤكد محاورونا في عين المكان أن المراقبين الجمركيين يفتشون السلع: فهم يفتحون الحاويات، وينتقون صندوقا من بين الصناديق بدون تحديد ويختبرون الحمولة هي هل موافقة للتصريح أم غير موافقة. ومع ذلك، وهذه ملاحظة عامة اكتشفها تحقيقنا، فإن المراقبات تهتم فقط بأداء المكوس والضرائب: أما مكونات السجائر ومدى سُمِّيتها فلا تخضع لأي مراقبة أو ملاحظة.
يعيش8% من المدخنين عبر العالم في دول ذات دخل ضعيف أو متوسط. وحسب تقديرات المنظمة العالمية للتجارة فإن 77 مليون مدخن يوجدون في إفريقيا، أي ما يعادل 6,5% من سكان القارة.
وتتوقع المنظمة أن يرتفع هذا الرقم من الآن إلى حدود سنة 2025، إلى ما يقارب 40% مقارنة مع 2010، أي الارتفاع الأكبر على مستوى العالم. إن هذا يُعتبر “وباء” حسب المنظمة العالمية للتجارة، التي تكشف أنه من الآن إلى سنة 2030 سوف يتضاعف عدد الموتى المرتبطين بالتدخين في القارة إلى ضعفين. ويبدو المغرب بالنسبة للمصنعين بوابة ممتازة لولوج تلك الأسواق. وحسب دراسة لوزارة الصحة المغربية، فإن 13% من المدخنين في المملكة المغربية يبلغون أقل من 15 سنة. ونسبة الفتيات المدخنات في طريقها إلى أن تعادل نسبة الأولاد.
تعويض تراجع المبيعات
أما في أوروبا فالأمور تميل إلى العكس، ففي ظرف عشرين سنة تراجعت مبيعات التبغ في سويسرا بنحو 38%، وذلك بفضل حملات التوعية والوقاية وبفضل الرفع من الأثمنة. ولهذا السبب أصبح صناع التبغ يضعون في الواجهة شعارهم الجديد الذي يسمونه “منتوجات ذات مخاطر منخفضة” (reduced-riskproducts)، حتى يشجعوا على استهلاك نيكوتين يفترض -حسب ادعائهم- أنه بدون التأثيرات السيئة للتبغ. غير أنه، كما أعلنت مؤخرا صحيفة ” Le Temps” السويسرية، بالنسبة ل”Philip Morris” فإن ال”IQOS”، وهي الأحرف الأولى ل”I QuitOrdinary Smoking” (أنا أترك التدخين العادي)، والمقصود التحول إلى ما يسمى بالسيجارة الإلكترونية: «على الرغم من الإمكانيات الضخمة المسخرة لهذا التدخين، الذي يدعون أنه أقل ضررا، ولتسويقه، فإنه لا يمثل لحد الآن إلا 6% من حجم منتوجات المجموعة، وفقط 12% من رقم معاملاتها». وفي انتظار أن تتمكن ال (IQOS) وغيرها من الخدع للتدخين دون دخان من جلب مداخيل حقيقية -هذا إذا كان هذا سيحدث في يوم من الأيام- فإن “فليب موريس الدولية (PMI) ومنافسوها عليهم أن يستمروا في بيع السجائر، وبكثافة كبيرة. والأسواق الصاعدة تمثل هدفا مفضلا، لسبب بسيط، هو أن هذه الدول لا تمتلك الوسائل الكافية للشروع في سياسات حمائية استباقية في مجال الصحة، ولهذا فالطريق سالكة.
عمل ضاغط ومكثف للوبيات
من أجل إغراء زبائنهم الشباب والجدد، ومن أجل وضع علب سجائرهم في واجهة الرؤية الجذابة، فإن صناع السجائر يشنون سياسة تجارية عدوانية جدا.
في كينيا وفي أوغندا تعمل المجموعة البريطانية – الأمريكية للتبغ (BAT) على منع الدولتين من اتخاذ تدابير حمائية ضد التبغ، حسب ما أشارت إليه صحيفة “ذي غارديان” في أحد أعدادها لشهر يوليوز 2017. وقد رفعت المنظمة غير الحكوميةفي كينيا “الرابطة من أجل مراقبة التبغ” (KETCA) دعوى ضد هذه التصرفات. والقضية في الوقت الحالي بين يدي القضاء. وفي الطوغو، وبوركينا فاسو، وأيضا في إيثيوبيا، اضطر نفس المصنع إلى حملة مكتفة حتى يفسر بأن العلب السلبية ليس لها تأثير في تراجع الاستهلاك.
وأما في الدول الغنية، ومن بينها سويسرا، فالصناع يلجؤون إلى خطاب معاكس تماما، بما أنهم أُرغموا على التنديد بالتأثيرات الضارة للتبغ. وحتى تبرهن على حسن نيتها، فإن “فليب موريس الدولية” (PMI) ذهبت إلى حد المساهمة في إطلاق منظمة “من أجل عالم بدون دخان”، بالتزامها بضخ 80 مليون دولار في السنة في حساب الجمعية على مدى 12 سنة.
هذا البون الدلالي الشاسع أدانته منظمة الصحة العالمية، بتصريحها: «لقد تأكد بالدليل أن إجراءات مثل، زيادة الضرائب على مبيعات التبغ، وحملات التحذير الموضَّحة بالصورة، ومنع الإشهار بشكل تام، كما منع الترويج والاحتضان، والمساعدة على الانقطاع عن التدخين، كلها أمور تؤدي إلى تراجع الطلب على منتوجات التبغ. (…)، ولو كانت “فليب موريس الدولية” (PMI) حريصة بالفعل على عالم بدون تبغ، لساعدت هذه الإجراءات. غير أنها تعارض هذا، وتمارس ضغطا على نطاق واسع، وترفع أمام المحاكم، قضايا طويلة ومكلفة ضد سياسات مكافحة التدخين التي تقوم على أسس واقعية». وتذكر منظمة الصحة العالمية بهذا الخصوص مثال التحاكم بين “فليب موريس الدولية” ودولة الأوروغواي في سياق الاتفاق التجاري بين سويسرا والأوروغواي. عندما أنفق عملاق التبغ هذا 24 مليون دولار للاعتراض على وضع تحذير صحي على علب السجائر، وذلك في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الأربعة ملايين نسمة. وقد خسرت “فليب موريس الدولية” القضية بعد معركة قضائية استمرت 6 سنوات.
وفي المغرب، تم بالفعل تبني قانون يمنع التدخين الأماكن العامة، بما في ذلك داخل الحانات والمطاعم. غير أنه -كما يفسر باحث في مختبر متخصص وخبير في الشركة المغربية للتبغ فضل عدم ذكر اسمه، قانون لا يطبق.

 

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. انا لم افهم لماذا ركز هذا التحقيق على المغرب.... التدخين مضر بالصحة وبالجيب كيف ما كان نوعه جيد او غير جيد والناس تعرف هذا فمن اراد النجاة بنفسه فسيبتعد عن هذه الافة ومن ابى فذنبه على نفسه ولكن الملاحظ في المغرب ان عدد المدخين تراجع كثيرا بين الناس وحتى في الاماكن العامة باستثناء المقاهي فاننا لم نعد نرى المدخنين الا ناذرا والله يعفو على الجميع

الجزائر تايمز فيسبوك