مَن ينتشل الجزائر من هذا الظلام الدامس؟

IMG_87461-1300x866

هي ثلاثة نماذج سياسية، لكنها معبِّرة عن حالة عامة. والأهم أنها كفيلة بقتل الناس يأسًا وإحباطًا في العالم العربي هذه الأيام: عمر البشير في السودان، عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر وعبد الفتاح السيسي في مصر. يشترك الثلاثة في الكمِّ الهائل من الاخفاقات التي جلبوها لبلدانهم، وفي حبهم الشديد للسلطة وتمسكهم بها تحت شعارات الاستقرار والاستمرارية والأخطار الخارجية (رغم أن البلدان الثلاثة ذاهبة بخطى ثابتة نحو المجهول). لكن كل واحد من الثلاثة وجد لنفسه ما يتفرد به ويجعله مختلفا. البشير ببقائه ثلاثين عاما في الحكم ثم قراره تعديل الدستور ليبدأ مسيرة أخرى بالسودان نحو الخراب. بوتفليقة بتمسكه بالرئاسة وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، وعلى الرغم من عمره المتقدمة وحصيلته الكارثية. والسيسي بالقمع غير المسبوق الذي مارسه بحق المصريين والذي صدَّق (السيسي) أنه طريقه نحو الخلود في الرئاسة.

اللغة المستعملة في الجزائر والتي تكاد أن ترفع بوتفليقة إلى صف القديسين والأنبياء، خطيرة وعلامة على انحطاط سياسي غير مسبوق. وما يصدر عن محسوبين على النخب الإعلامية والسياسية في مصر من تمجيد للسيسي يدعو إلى الرثاء. ومثله ما يُسمع في السودان من لغة لا تفرّق بين البشير والدولة وتتهم من اختلفوا معه بالعمالة.
إذا أضفنا النماذج الثلاثة أعلاه إلى ليبيا وسوريا واليمن، وأزمات الأردن والمغرب والفلسطينيين المزمنة، وأوجاع الخليج التي لا شفاء منها، سنكون أمام لوحة لنكسة جديرة بالقرون الوسطى، بينما يسير العالم، من الصين إلى أمريكا، مسابقا الزمن نحو التقدم بكل أنواعه. وبينما تنفض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية عن نفسها غبار الأزمات الاقتصادية، وتلملم دموع حروبها الأهلية.

ما يحدث في الدول العربية ردّة سياسية ترتبت عنها كل أنواع المشاكل الأخرى. بتعديل الدستور المصري في الربيع المقبل (لا شك في ذلك) سيكون المصريون قد قطعوا الخطوة الأخيرة في مسيرة فقدان كل ما خرجوا في سبيله في كانون الثاني (يناير) 2011. وسيقطع السودانيون خطوة أخرى نحو الحضيض إذا نجا البشير من امتحان شوارع الخرطوم المستمر منذ شهر ونصف الشهر، وإذا تجرأ على تعديل الدستور ليبقى في الرئاسة بعد 2020. أما ولاية رئاسية خامسة لبوتفليقة في نيسان (أبريل) المقبل، فستكون صفعة أخرى لأحلام الجزائريين وطموحاتهم.
أصل البلاء سياسي، لأن الحكام يصلون إلى كراسي الحكم غالبا عن طريق الصدف والدسائس. وعندما يستلمون الحكم، أو يستولون عليه، يجدون أنفسهم بلا كفاءة ومن دون برامج ومن دون خطط اقتصادية وعلمية. وبعد أن يثبتوا في الحكم ويطول بهم الزمن، يتكوَّن لديهم إيمان بأنهم الأفضل لحكم البلد والأجدر بذلك، وما دونهم خليط من الفاشلين والخونة والمتآمرين.

وهذا بدوره يولّد لديهم الخوف من ملل الشعوب منهم واحتمال ثورتها عليهم، واستطرادا الخوف من مؤامرات الإطاحة بهم ومحاسبتهم، فيكرسون جهودهم وإمكانات البلد لحماية عروشهم على حساب أيّ خطط اقتصادية وعلمية وتعليمية.

بالمنطق، وبمرور السنين وتراكم الإخفاقات، تكون النتيجة كوارث متعددة الأوجه ودول فاشلة من مثل ما نرى في السودان ومصر وسوريا وغيرها. ويزداد الوضع سوءا وخطورة عندما ينتقل إلى عامة الناس ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن الحاكم فلان ضرورة ورحيله يقود البلاد نحو الكارثة، وتستفحل في المجتمعات ثقافة الاستسلام للدجل السياسي وللخوف من المستقبل.

ليس صعبا أن يلاحظ المرء توقف كل شيء في المجتمعات العربية المأزومة باستثناء عقارب الساعة. التفكير السليم مشلول، ومثله الأمل والعمل وروح المبادرة والإيمان بالذات وبالآخر. الترهيب الذي تمارسه أنظمة الحكم تجاه شعوبها بحجة المخاطر الأمنية والتدخلات الأجنبية حق يراد به باطل للإبقاء على المجتمعات مشلولة كما هي الآن.
ولهذا يبدو مصطلح ثورة قليل ومتأخر في الأوضاع المزرية التي تعيشها منطقتنا هذه. ثورة لن تكفيها لأنها أصبحت بحاجة إلى معجزة متعددة الأوجه لتنقذها مما هي فيه. يحتاج الناس إلى سواعد داخلية وخارجية، تختلف عن التجارب السابقة، لانتشالهم من الظلام الدامس. يحتاجون إلى وقت وصبر لقطع طريق طويلة تكون بدايتها بما يشبه «خطة مارشال» جديدة متنوعة.

إذا لم تتعلم الأنظمة الحاكمة من تجارب الآخرين، القريبة والبعيدة، وإذا لم تنتبه إلى أن دوام الحال أمر مستحيل، ثم تبادر إلى تحريك المجتمعات ومساعدتها على الخروج شيئا فشيئا من حالة الشلل التي سبَّبتها لها، فعليها أن تستعد ليوم الانفجار الأكبر. قد يتقدم أو يتأخر قليلا، لكنه حتما قادم وثمنه سيكون باهظا، ليس على الحاكمين وزبانيتهم فقط، بل على الكل كما يُرى في تجارب قريبة جغرافيًا وزمنيا.

السبب واضح وهو أن الأصوات التي لا تتوقف عن التطبيل للحاكم مضلِّلة وليست هي الأصل، وليست الأغلبية، ناهيك عن أنها، بطبيعتها، قابلة للتقلب 180 درجة ما أن يقترب هذا الحاكم من السقوط، لتضع نفسها تحت تصرف الحاكم المقبل.

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. أيت السجعي

    وما دخل المغرب يا كاتب المقال؟ نحن نوجه لك دعوة أخوية لزيارتنا قبل أن تكتب مقالك المقبل وكن على يقين بأننا نتفهم وضعك وضرورة أن تنتقد كل العالم العربي رغم أن هكذا كيان لم يوجد إلا في خيال الراحل جمال عبد الناصر والراحل القذافي من بعده ذلك ان الوزير المغربي الراحل الأستاذ عبد اللطيف الفيلالي قد توصل إلى حقيقة بثها في مذكراته مفادها أن لا وجود لما يسمى بالعالم العربي لذلك نرجوكم ان تتركونا وحالنا وأن تحلوا مشاكلكم مع كرسيكم المتحرك بالطريقة التي تناسبكم.

الجزائر تايمز فيسبوك