بعد تحول ليبيا لـ”شيكاغو آل كابوني” يحكمها أكثر من زعيم ندم وحسرة على أيام القدافي

IMG_87461-1300x866

كشف تحقيق أعدته فرانشيسكا مانونتشي نشرته صحيفة “أوبزيرفر” عن الفوضى التي تعيشها العاصمة الليبية في ظل حكم الميليشيات وغياب الحكومة المركزية. وتصف في بداية المقال الرحلة المخيفة التي تأخذ السكان الخائفين إلى الأحياء الجنوبية للعاصمة حيث لا تزال آثار الدمار واضحة بعد معركة بين الميليشيات التي تتقاتل على حطام الحرب الأهلية. فهناك البيوت المهشمة والشوارع التي تنتشر فيها الحجارة. وهذا المشهد يدعو البعض لمقارنة طرابلس بشيكاغو آل كابوني بفارق وحيد ان آل كابوني لم يكن لديه معدات ثقيلة أو دبابات.

وتتحدث عن رحلتها الصعبة لمقابلة معارضي الحكومة والتي يجعلها تتحايل على الأشخاص الموكلين بحراستها ومراقبتها وركوب سيارة ينتظر سائقها في زاوية من موقف السيارات ومن ثم السير في شوارع المدينة بسرعة وبتوقف أحيانا وتغيير المسار حتى يعمي على السيارات التي تلاحقه. وتصف الكاتب ما آل إليه حال ليبيا منذ سقوط معمر القذافي قبل سبعة أعوام في ذروة الربيع العربي. فقد مر البلد عبر دورة من الديكتاتورية إلى الثورة والديمقراطية والفساد والعودة لنقطة البداية إلى نوع جديد من الطغيان. والفارق هذه المرة أنه لا يوجد هناك ديكتاتور واحد يتحكم بالبلد ولكن عشرات الديكتاتوريين على شكل الميليشيات التي أطاحت وقتلت القذافي. وبعودة الطغاة عاد المعارضون حيث التقت بواحد منهم وهو المحامي حميد المهدي. وتعتبر الرحلة في شوارع العاصمة معقدة خاصة أن على السائق ومن معه التحرك بحذر بين عصابات مسلحة تسير بشاحنات صغيرة إلى جانب قوات الامن التابعة للحكومة التي تنبع شرعيتها من اعتراف الأمم المتحدة بها. وبعد فترة يكتشف الزائر أنهما سواء، فهناك وحدة ترتدي الزي الأزرق وتابعة لوزارة الداخلية وهي في الحقيقة ميليشيا مخيفة كما في السابق ولكن بزي جديد.

وعندما زارت الصحافية العاصمة كان الجو متوترا خاصة بعد رمي جثة أحد أمراء الحرب خارج مستشفى في معركة التصفيات بين المقاتلين. والتقت الكاتبة مهدي في بيته الذي أعاد بناءه بعدما حرقه بلطجية القذافي كعقاب له على معارضة النظام. وقد أعاد بناء نفسه كمعارض ضد من أسماهم “حرابي البلد” (من حرباء). وقال “لقد قتلنا القذافي وخرج من رماده الكثير من الديكتاتوريين الصغار، قادة الميليشيات”. وتعلق الكاتبة إن بيت مهدي، في بلد آخر ربما علقت على جداره لوحة زرقاء لتأكيد أهميته التاريخية كمكان كان يجتمع فيه المعارضون للنظام السابق. ويشير لها بغرفة أسماها قاعة الإحتجاج. وتعرض مهدي للسجن والتعذيب ونكل إلا انه لم يتخل  عن حلمه بليبيا حرة بدون قمع القذافي. ويصف الوضع الحالي “لم نرد تعذيب وإهانة ديكتاتور حتى لا نصبح مثله، وأين أوصلنا هذا الدم؟ إلى الجحيم”. ويقول “اعتقد أن الثورة كانت خطأ”. فقبل ثلاثة أعوام قررت الامم المتحدة وضع حد لما وصفه مهدي بالجحيم وأرسلت حكومة وفاق وطني لتنظيف البلد من الميليشيات ولكنها تحولت لرهينة. ويحصل عناصر الميليشيا على رواتب من الدولة من خلال التهديد للمصرفيين أو اختطافهم. وتعرضت الحكومة لنفس الضغط عندما سلمت الرقابة والمخابرات لميليشيا إسلامية. وفي وقت تواجه تتحارب فيه الميليشيات داخل العاصمة تقوم بمحاربة خليفة حفتر، الذي وسع سيطرته على شرقي البلاد. وبين قتال المليشيات وحروب حفتر يعاني المواطنين العاديين: فهناك نقص في الوقود والمياه الصالحة للشرب والعملات النقدية. وليبيا غنية بخمسين مليار من الاحتياطي الأجنبي وانتاج نفطي منتعش. ولا يوجد سوى عدد قليل من المصارف التي تسيطر عليها الميليشيات أو تلك التي يسمح لها بمنح النقود. ويبلغ طول الطابور كيلومترا واحدا للحصول على النقود. وتشير الكاتبة ان زيارتها إلى ليبيا منحتها صورة مختلفة. ففي الماضي كان الصحافي لا يستطيع مغادرة الفندق بدون إذن من شرطة القذافي أما اليوم فكل ما يحتاجه الزائر لشخصين، واحد من الحكومة وآخر من الميليشيا التي تسيطر على المنطقة. وتقول إن الحكومة في طرابلس لها وجهان، الأول للزوار الأجانب الذين تستقبلهم ويتم التقاط صور معهم اما الثاني فليبي وهو ليس جيدا. فبحسب المرافق الحكومي لها فلا يسمح لها بأخذ صور للطوابير أو الحديث مع الناس. ومعه أمر لمرافقتها إلى كل مكان حاملا معه تصاريح. فهي تستطيع مثلا شراء القهوة من المقهى وغير مسموح لها الحديث مع رواده لعدم وجود تصريح. وفي حالة من الإحباط قالت لمرافقها واسمه إسماعيل “ماذا سأكتب وأي تقرير سأعده إن لم يسمح لي بالحديث مع الناس” أجاب “لا أدري ربما لا شيء”. وتلتقي الكاتبة معارضا آخر اسمه إبراهيم، وهو مذيع وكون لجنة أزمة تلتقي لمناقشة الأوضاع وما يجب عمله. ويقول إبراهيم أن الوضع من الرقابة والقمع الإعلامي الذي طبع فترة القذافي حيث بات من المحرم على الإعلام انتقاد الميليشيات وتلك التي يسيطر عليها الإسلاميون. وتم حرق العديد من المحطات التليفزيونية التي فشلت بفهم هذه التعليمات. ويرى إبراهيم أن هذه أمثلة عن عدم قدرة ليبيا التعامل مع الحرية “لم نكن مستعدين للثورة” و “لم تكن لدينا الوسائل للتعامل مع الحرية، فقد كنا مثل الطفل الذي طلب دمية من وقت طويل، وعندما حصل عليها لم يعرف كيف يجمعها”. ولا تزال البيروقراطية التي أدارت ليبيا في عهد القذافي في مكانها وقال أحدهم متفاخرا “كلنا خضر في المكتب” و “نعرف كيف نتعامل مع الصحافيين فكلهم جواسيس”. وهناك الفساد الذي كان تحت سيطرة القذافي أما اليوم فأصبح فوضى. وأخبرها حارس على الفندق عن الفساد المستشري على كل مستوى “لمن أبلغ عن الفساد لأن من سأخبرهم هم أفسد من الفاسدين أنفسهم”. وقال إنه حمل السلاح مع بداية الثورة ولكنه اليوم نادم “لو أستطيع محو هذه الأيام من ذاكرتي، كنت أعرف أن القذافي ديكتاتور ولكننا لم نكن جاهزين للديمقراطية”. وتقول إن المستفيد الاول من هذا المزاج هو خليفة حفتر الذي يتهم الحكومة بالارتهان للإسلاميين ويريد الزحف نحو العاصمة. وهناك من يدعمه رغم مخاوفهم من عودة الحكم العسكري.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك