دهول وحسرة سكان تاورغاء الليبية بعد سبع سنوات من الغربة

IMG_87461-1300x866

عاد الحاج محمود أبو الحبل إلى تاورغاء بعد سبعة أعوام من مغادرتها قسرا ليجد مزرعته ومنزله مدمرين إلى حد كبير، وهو يحاول منذ أربعة أشهر إعادة الحياة الى مزروعات قضى حريق على القسم الأكبر منها.

وغادر أبو الحبل (سبعون عاما) تاورغاء قسرا مع 26 من أفراد أسرته، غداة سقوط الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في 2011، وقد كان سكان المدينة متهمين بالبقاء على ولائهم له حتى آخر لحظة.

خلال السنوات الماضية، استقر قسم كبير من سكان تاورغاء الواقعة في الغرب الليبي في مخيمات عشوائية عند أطراف طرابلس على بعد 240 كيلومترا من مدينتهم، في حين لجأ آخرون الى مناطق أخرى في البلاد، بعد أن أجبرتهم مجموعات مسلحة من مدينة مصراتة الواقعة على بعد أربعين كيلومترا، على الرحيل. ولعبت مصراتة دورا محوريا في الثورة على معمر القذافي.

وعاد أبو الحبل الى تاورغاء منذ أربعة أشهر إثر دخول اتفاق مصالحة مع الجارة مصراته حيز التنفيذ، ما أفضى إلى عودة آمنة للسكان الذين كان يتجاوز عددهم أربعين ألفا.

– حسرة

ويستيقظ الحاج محمود مبكراً كل صباح في مزرعته التي تضم أيضا منزله ومنازل اثنين من أبنائه التي احترقت بالكامل. كما احترقت سيارته الخاصة التي لا تزال مركونة في مكانها. أول ما يقوم به تشغيل مولد الكهرباء الصغير لتأمين الماء لري أشجار النخيل التي طالتها النيران ويد التخريب.

ويقول أبو الحبل لوكالة فرانس برس “عدت لمزرعتي التي تبلغ مساحتها ثلاثة هكتارات ونصف، وكانت فيها 184 نخلة وجدت معظمها محروقة و150 شجرة رمان و28 زيتونة كلها ميتة (…). هذا المشهد يشعرني بالحسرة لأنني قمت بزراعة كل ذلك بيدي ومن مالي”.

لكنه يتمسك بالتفاؤل “إن شاء الله سأقوم بزراعة بدائل من كل الفصائل”.

ولا يكل الحاج محمود، متنقلاً برشاقة على الرغم من سنه، في المزرعة. يقوم بتحضير الشاي ويجهز فطوره المتواضع، ثم يجلس على فراش من سعف النخيل، مؤكدا أنه يشعر بالسعادة على الرغم من حجم المأساة.

وعن ملف المصالحة، يقول “ملف تاورغاء ومصراتة من أصعب الملفات في ليبيا”، مشيرا الى أن أهالي مصراتة “يعاملوننا بطريقة ممتازة و(…) ولا أحد يتعرض لنا في الطريق”.

ويتابع “وصلنا إلى أمن وأمان في تاورغاء (…)، يجب أن نكون قدوة لكل الليبيين في المصالحة”.

وخلال جولة في تاورغاء، لاحظ مراسل وكالة فرانس برس أن جميع منازل المدينة إما احترقت أو دمرت. ويمكن رؤية آثار الركام في كل الأزقة، بينما حيوانات سائبة تجوب الشوارع. ويبدو الزمن وكأنه توقف منذ العام 2011، إذ لا محال تجارية ولا أسواق ولا مراكز حكومية…

واستقرت خمس عائلات من المدينة بشكل موقت في إحدى المدارس، كون منازلها غير صالحة للسكن.

وتقول سالمة خليل، وهي أرملة تقطن المدرسة وتعيل بناتها عبر نسج أغراض من ورق شجر النخيل، “لم أكن أعرف هذه المهنة، تعلمتها قبل سنوات بعد انعدام السيولة في المصارف. اضطررت لممارستها”.

وتقوم الأرملة بصناعة سلال وأطباق وحافظات للخبز من ورق شجر النخيل، كما تقوم ببيع الخبز الذي تحضره في تنور الطين الذي قامت بصناعته بشكل بدائي في إحدى زوايا مبنى المدرسة.

وتضيف بينما الدموع تنهمر من عينيها، “عندي بنات يتيمات، تعلمت الصنعة من أجل تأمين احتياجاتهن. كما أقوم بصناعة الخبز لنأكل جزءا منه، وأقوم ببيع الجزء الآخر للحصول على المال الذي أحتاجه بشدة”.

وتطالب سالمة بأن تتم صيانة المدارس حتى يتمكن جميع سكان المدينة من العودة للدراسة، وبفتح عيادة ثانية بالقرب من المدرسة، كون المشفى الميداني بعيدا جداً، ولا توجد وسيلة نقل اليه.

– “عودة خجولة” –

وترى آمال مفتاح بركة، رئيس مؤسسة “الأسر المنتجة” (غير حكومية)، أن الحكومة تخاذلت بحق أبناء تاورغاء.

واتخذت آمال من أحد الفصول الدراسية التي تحمل آثار قذائف في جدرانها، مقرا لجمعيتها. وتضيف “تخاذلت بحقنا الحكومة، ولم تف بوعودها ولا نعرف أسباب ذلك”.

وتطالب آمال المنظمات الدولية بالحضور لمدينتها لتلبية الحاجات الإنسانية للسكان.

ويتخذ المجلس المحلي لتاورغاء مقرا مؤقتاً له في مدرسة أخرى نجت جزئيا من الدمار. ويقول رئيس المجلس عبد الرحمن الشكشاك “الحياة تعود شيئا فشيئا” الى تاورغاء، “الكهرباء بدأت تعود تدريجيا، وفتحت مدرسة واحدة وعاد طلابها، وهناك مستشفى ميداني، ونحن في انتظار استكمال إجراءات صيانة مركز صحي يكون بديلاً مؤقتاً للمستشفى العام الذي يحتاج وقتاً” للعودة الى العمل.

ويقر بأن الحكومة تأخرت في تنفيذ أمور ينص عليها اتفاق المصالحة بين تاورغاء ومصراتة، ولو أن “لها ظروفها الخاصة في تأخر الخدمات”.

ويشير إلى تشكيل خمسة مكاتب لإحصاء و”معالجة أضرار المدنيين وممتلكاتهم”، مضيفا “باشرنا أولا بحصر أضرار ممتلكات أصحاب المحلات ليتمكنوا بسرعة من افتتاح أنشطتهم التجارية التي تحفزهم للعودة الى تاورغاء”.

في طرابلس، يقول وزير الدولة لشؤون النازحين والمهجرين بحكومة الوفاق المدعومة دولياً يوسف جلالة إن ملف تاورغاء كان “من أكثر الملفات إزعاجاً لليبيين والمجتمع الدولي”، مضيفا “اهتم الليبيون والمجتمع الدولي كثيراً بهذا الملف لسنوات”.

ويتابع من مكتبه بمقر الحكومة “تاورغاء تحتاج إلى إعادة أعمار (…) العودة خجولة ليست بالعدد الكبير، لكن الناس بدأوا يعودون إليها”.

ويؤكد الحاجة الى مبالغ ضخمة لإعادة إعمار تاورغاء، والى “تكاتف المجتمع الدولي الذي وعد بالمساهمة في إعادة الإعمار”.

اضف تعليق


تعليقات الزوار

الجزائر تايمز فيسبوك