الجزائر من العشرية السوداء إلى أزمة البرلمان

IMG_87461-1300x866

تأتي أزمة غلق أبواب البرلمان بالسلاسل في أكتوبر 2018 وما ترتب عنها من تجاذبات بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الوطنية والدولية وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة لتثير الشكوك من جديد حول جدوى الإصلاحات السياسية  التي باشرتها الجزائر في فيفري 1989 لاسيما وأن الجزائر  بالكاد تخلصت من تبعات العشرية الدموية السوداء. فهل  ما أقدمت عليه الجزائر من إصلاحات سياسية في تسعينيات القرن الماضي ناتجة عن تشخيص خاطئ للأوضاع؟ وتبعا لذلك، هل يعد توقيف المسار الانتخابي وغلق أبواب البرلمان بالسلاسل رد فعل طبيعي من بنية مجتمعية تقليدية رافضة ولافظة لمنظومة الديمقراطية؟

مجتمع جزائر الاستقلال هل هو ماضوي تراثي؟

لم تنجح فرنسا طوال وجودها في الجزائر الممتد على فترة 130 وعبر مشروع “التمدين” خلق منظومة اجتماعية حداثية بديلة وعصية عن تأثير البنى  التقليدية الاجتماعية. فقد ظل المجتمع الجزائري الذي يتشكل في  غالبيته من أكثر من 90 من سكان القرى والأرياف مؤطرا ومنظما في سلمه وحربه من قبل المؤسسات الاجتماعية التقليدية (العرش والقبيلة والعائلة الكبيرة والمساجد والزوايا ). فأغلبية السكان كان ولائهم للعرش والزاوية.

بعد  الاستقلال تبنت الجزائر في مؤتمر طرابلس المنعقد في الفترة الممتدة بين 27 ماي إلى 04 جوان  1962  النظام الاشتراكي القائم على نظام الحزب الواحد وعلى أفكار الثورة الاجتماعية التي بشرت بتحقيق العدالة الاجتماعية وهذا عبر القضاء على احتكار الثروة لدى أقلية استأثرت بها خلال الحكم الاستعماري. غير أن هذه المساعي باءت بالفشل وهذا بسبب الإخفاق في إيجاد منظومة اجتماعية بديلة – قوامها العمال والفلاحين- عن منظومة البُنى التقليدية الاجتماعية. بل ما حصل هو العكس؛ صلابة وقوة القيم الاجتماعية المتشيئة جعلت الأجهزة الإدارية تخضع لآلياتها ومن ثم أجبرتها على التحالف مع  مؤسساتها العتيدة المتمثلة أساسا في العائلات الكبيرة  والقبيلة والدوار والدشرة في التعاطي مع الكثير من القضايا. من ذلك، الانتخابات التي تعد من أكثر القضايا الواقعة تحت تأثير هذه المؤسسات، على اعتبار أن انتقاء الأشخاص في مختلف المجالس المنتخبة يستند لمعيار من يملك أكبر وعاء انتخابي أي الانتماء للقبيلة أو العشيرة الأكبر عدد.  وإذا كان الأمر على هذا النحو، هل من تداعيات لهذه المؤسسات التقليدية على مسار انخراط  الجزائر في اقتصاد السوق والديمقراطية؟

انخراط إجباري في مسار ليبرالي مكلف؟

يمكن اعتبار تولي الرئيس الشاذلي بن جديد الحكم في الجزائر في  07 فيفري 1979 بعد وفاة الرئيس بومدين نقطة انعطاف في مسار تطور الجزائر المستقلة وتجسيد  لمظهر من الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي على مناطق النفوذ. ورفعت حقبة الشادلي شعار “من أجل حياة أفضل” وهو عنوان نهجه الجديد القائم على فكرة إعادة النظر في تراث الرئيس بومدين بالتأسيس للاقتصاد الليبرالي الحر، وبترك هامش للحرية الفكرية والسياسية لاسيما على مستوى الجامعات. ونتيجة لذلك برز نشاط العديد من التيارات الفكرية والعقائدية (اليساريون الإسلاميون والليبراليين (أساسا التيار البربري الأمازيغي). والتي شكلت الخلفية الإيديولوجية لأحزاب ما بعد إصلاحات فيفري 1989.

جعلت هذه التيارات من الجامعة مسرحا لأنشطتها وصراعاتها التي تطورت أحيانا إلى نزاعات عنيفة في العديد من محطاتها النضالية. فالأمازيغيون تمحورت أنشطتهم حول رد الاعتبار لهوية الجزائر الأمازيغية، فضلا عن معارضتهم لسياسات التعريب واعتماد الحكومة سياسة الكيل بمكيالين. فبحسبهم تتغاضى وتتساهل حين يتعلق الأمر بالإسلاميين  أما قضاياهم تواجه بالرفض والتشديد. كما هو حصل مع المفكر مولود معمري الذي منع من إلقاء محاضرته في جامعة تيزي وزو في 10 مارس1980 . وبسبب هذا المنع تطورت الأحداث إلى  ما يعرف بالربيع البربري في  أفريل 1980. أما التيار الإسلامي السياسي فقد تنامى نشاطه إلى الحد الذي تمكن من التأثير في الحياة العامة للناس في إطار ما يعرف بموجة الصحوة الإسلامية حيث مورس ضغط على النساء من أجل دفعهم لارتداء الحجاب.

بالموازاة مع هذا الحراك، عرفت فترة منتصف ثمانينيات القرن الماضي انخفاض أسعار البترول مما تسبب في تراجع مداخيل الجزائر التي تعتمد على مداخلي المحروقات بنسبة تفوق 90 % . وأدى ذلك إلى نشوء أزمة اقتصادية خانقة. فرضت على الحكومة القيام بإصلاحات مست أساسا القطاع الصناعي والفلاحي، أيضا تسببت الازمة في بروز ندرة حادة لبعض السلع ذات الاستهلاك الواسع ( ندرة يراها البعض غير مبررة). نتيجة ذلك عمت المدن الجزائرية احتجاجات  عارمة تطالب بتوفير السلع الضرورية ( الزيت والسميد) ، ونظرا لاتساع نطاقها وخروجها عن السيطرة والتحكم تدخلت قوات الجيش لضبط الأوضاع وإعادة الهدوء وخلف هذا التدخل حصيلة كبيرة  من القتلى تجاوزت 200 قتيل.

رغم أن مظاهرات أكتوبر 1988 لم تطالب بالديمقراطية إلا أن الحكومة شرعت في إصلاحات سياسية أقرت بموجبها إصلاحات فيفري 1989، ودخلت بموجبها الجزائر في مسار التحول نحو ما يسمى الديمقراطية التعددية وأراه الشروع في إستراتجية  التخلص من الدولة والدخول  في مستنقع اقتصاد البازار عفوا  السوق والتعددية الشكلية.

أفضت الإصلاحات السياسية المستعجلة إلى ظهور تناقضات مجتمعية مدمرة، فالإسلاميون الفائزون بالانتخابات ( لاسيما السلفيون الوهابيون) وبدعم المؤسسات الدينية أساسا رأوا في الديمقراطية التي أوصلتهم إلى الحكم  كفر وجب دفنها في أرض الإسلام. سرع مثل هذا الخطاب الصدام مع قطاع من المجتمع (النخب المتنورة، العائلة الثورية والمجتمع المدني). أدى انحراف الصراع إلى وضع يفضي للفوضى بين مختلف هذه التيارات إلى تدخل الجيش لتوقيف المسار الانتخابي. أدى هذا التدخل وما نتج عنه من مواجهة للجماعات الإرهابية إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات (أكثر من مئة ألف قتيل ومئات المليارات من الدولارات.) بالموازاة مع المواجهة المسلحة للجماعات الإرهابية عملت الحكومة الجزائرية على بلورة حلول سلمية للحد ومن ثم وقف هذه المأساة. من ذلك إصدار قانون الرحمة في 1995 من قبل الرئيس اليامين زروال، ثم قانون الوئام المدني في 1999 وميثاق السلم والمصالحة سبتمبر 2005 في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي جعل تحقيق السلم والأمن والمصالحة جوهر سياسته.

وفي سياق متصل، ونظرا لما أثير حول دور الجيش خلال العشرية السوداء، عملت الرئاسة على تحييد الجيش في اتجاه الحد من تأثيره على الحكم وهذا في إطار مسعى إرساء دعائم نظام حكم مدني. لكن ونظرا لعدم وجود أحزاب عريقة (جل رؤساء الأحزاب تغيبهم الموت او التصحيحيات عن القيادة، الأمناء الولائيون يعينون من قبل رؤساء الأحزاب)  ونفس الشيء ينسحب على مؤسسات المجتمع المدني. وفي النهاية يمكن القول أن غياب بيئة مناسبة لاحتضان الحكم المدني أدت إلى بروز الكثير من المشاكل ذات الصلة بهذا التناقض. من ذلك ما يسمى بأزمة رئيس المجلس الشعبي الوطني أو البرلمان السعيد بوحجة، عقب إعلان  رؤساء كتل الأحزاب الداعمة لبرنامج الرئيس بوتفليقة سحب الثقة منه. غير أنه رفض دعوة الاستقالة لان لا شيء قانوني بحسبه يبرر دعوة الاستقالة أو يمنعه من ممارسة مهامه. وأكثر من ذلك إنه مجاهد ( شارك في حرب التحرير الكبرى) ومن أعمدة حزب الأغلبية ( جبهة التحرير). لكن وبسبب تمسك كل طرف بموقفه، وتبعا لما يعتقده النواب من استنادهم لشرعية الواقع، فقد  أقدموا على غلق أبواب البرلمان بالسلاسل لمنع السيد بوحجة من دخول البرلمان. وبعد ذلك  أعلنوا شغور المنصب، وفي جمعية عامة  انتخب نواب البرلمان رئيسا جديدا لهم.

في تقديري أن مثل هذا السلوك يثبت بما لا يدع مجال للشك أن ما أقدم عليه ممثلي الشعب يعكس حالة إدراكية معرفية رهينة منظومة مجتمعية لا تزال تشبه حالة مجتمعات هوبز وجون لوك. مجتمع يفتقد لأهم آليات الحكم المدني المتمثلة في تسوية وفض النزاعات بالطرق السلمية. وسوف يساهم في تكريس نظرة  الاحتقار  واللاثقة في عملية الانتخاب والتمثيل في مثل هذه المؤسسات. وقد يفتح الباب لأوصياء الديمقراطية وحقوق الإنسان في الغرب  الذين نصبوا أو أقاموا محاكم لكل من تسول له نفسه الدفاع عن الدولة من الفوضى الليبرالية  كما حصل مع قيادات الجيش الجزائري الذين أوكلت لهم مهمة مكافحة الإرهاب ومواجهة مخاطر تدمير الدولة الجزائرية، فقد يعملوا على محاكمة ومن ثم إدانة النواب الذين تجرؤوا على إهانة ما يعتبرونه ثوابت الديمقراطية الليبرالية.

وأخلص: إلى أن تحقيق حياة كريمة حرة للجزائري تبدأ من مسالة ترسيخ فكرة الدولة في قلوب وعقول الجزائريين كخلاص وكمنتهى الحرية (لأن بديلها الفوضى أو الاستعمار)، مع الأخذ بالمقاربة الاقتصادية كما فعلت الصين، بعدها ووفق مسار أراه طويل يمكن الوصول إلى الوضع الذي تتكرس فيه قيم التداول على السلطة والحق في الاختلاف وفي قبول الآخر، وحينذاك تنتهي من قاموس تسوية نزاعاتنا الاجتماعية كل وسائل العنف.

عبدالله راقدي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. B

    أضرب الدف وتزلف لآل بوتاف واضرب كل متذمر ولاتخاف اضرب واعلو بكلمات وهتاف وامدح دون خجل ودون عفاف هذا زمن السفاهة والإسفاف وزمن كثر فيه الخرف والاستخفاف

الجزائر تايمز فيسبوك