هل تخلت أمريكا في سياستها الشرق أوسطية: إسرائيل والنفط؟

IMG_87461-1300x866

لا يمكن أن نصدق أبداً أن أمريكا سيدة العالم التي فعلت المستحيل، وصارعت قوى كثيرة، كان آخرها الاتحاد السوفياتي، كي تتولى قيادة المعمورة، يمكن أن تتخلى عن نفوذها وهيلمانها، وتعطيه لقوى أخرى بهذه الخفة والبساطة. ولا يمكن لو حصل ذلك أن يكون نتيجة سياسات الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب التي تتصف بالرعونة. نحن نعرف أن السياسات الأمريكية لا يضعها الرئيس ولا أي مؤسسة حكومية أمريكية لوحدها، بل تضعها مؤسسات كثيرة بإشراف الدولة العميقة وأذرعها في المجالات الصناعية والتكنولوجية والدوائية والدينية والعسكرية وغيرها، وبالتالي، فإذا كان هناك فعلاً تحول أمريكي حقيقي، فلا بد أن مراكز البحوث والخبرة الأمريكية قد وضعته قبل سنوات وسنوات، خاصة وأن الأمريكيين يخططون لعقود قادمة وليس شهراً بشهر أو حتى سنة بسنة. لكن أياً كان الأمر، لا بد للمراقب أن يلحظ أن هناك فعلاً توجهات أمريكية إما للتخلي عن بعض مناطق النفوذ في العالم، أو نقل مصالح أمريكا إلى مناطق أكثر حيوية، وأكثر أهمية استراتيجية.
لنركز على منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستراتيجية والحيوية العظيمة بالنسبة للأمريكيين. والجميع يعرف أن أهم ثابتين في سياسة أمريكا في هذه المنطقة هما الحفاظ على إسرائيل وعلى النفط، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل. لننظر أولاً إلى سوريا جارة الولاية الأمريكية الأولى (إسرائيل). صحيح أن كل ما حصل في سوريا منذ بداية الثورة كان تحت الأنظار الأمريكية، لا بل كانت أمريكا تقود كل شيء من المقعد الخلفي تاركة المقعد الأول لحلفائها وتوابعها في المنطقة، لكن لاحظنا منذ أواخر عام 2015 أن أمريكا بدأت تتخلى عن الساحة السورية لروسيا. وقد بدأ الدخول الروسي إلى سوريا بعد اجتماع هام بين الرئيس الروسي بوتين والأمريكي آنذاك باراك أوباما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. في اليوم التالي للاجتماع أعلنت روسيا عن التدخل رسمياً في سوريا، ولا شك أن ذلك كان بمباركة أمريكية. ومنذ ذلك الحين تتولى روسيا الساحة السورية كلها عسكرياً وسياسياً، بينما ينحصر الاهتمام الأمريكي في الشرق السوري مع الأكراد وبعض النقاط في الشمال.
ما الذي فعله الأمريكان؟ هل اكتفوا فعلاً بمناطق معينة وتركوا سوريا للروس؟ هل يعقل أن تترك واشنطن أهم منطقة مجاورة لإسرائيل في الأيدي الروسية إذا كانت تعتبر روسيا منافسها الصاعد في العالم الذي تحاصره في أوكرانيا وأوروبا الشرقية سابقاً؟

ماذا بقي للأمريكيين في سوريا غير الاعتراضات السخيفة على إعادة إعمار سوريا بوجود النظام، وبعض المشاكسات حول الدستور؟ ما عدا ذلك صار كله في الأيدي الروسية. حتى أن المتحمسين للوجود الروسي في سوريا يعتقدون أن أمريكا وحتى إسرائيل فقدتا زمام المبادرة في سوريا، وباتت إسرائيل تحديداً تتوسل إلى الروس كي يراعوا مصالحها وأمنها. لكن ذلك لا يبدو مقنعاً مطلقاً، إذا ما علمنا أن موسكو تحافظ على مصالح إسرائيل في العالم أكثر من أمريكا، خاصة وأن روسيا تاريخياً كانت أول دولة اعترفت بإسرائيل قبل أمريكا. لكن بكل الأحوال صارت روسيا الآمر الناهي الآن في الشام. ولا يتردد الرئيس الأمريكي بين الحين والآخر في التعبير عن رغبة إدارته بالانسحاب كلياً من سوريا.
ولو انتقلنا الآن إلى الثابت الثاني في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، ألا وهو النفط، فسنرى أن حليفة أمريكا الأولى في المنطقة نفطياً، السعودية، باتت في مرمى النيران الأمريكية على ضوء الابتزازات الأمريكية المتواصلة للممكلة عبر قانون جاستا وبعده عبر قضية اختفاء جمال خاشقجي. لم تعد السعودية على ضوء التصرفات الأمريكية تحظى بدور الحليف الاستراتيجي لواشنطن. لقد تحولت المملكة في عهد ترامب إلى ملطشة أمريكية تهينها واشنطن وتحط من قدرها ليل نهار، لا بل تستخف بقيادتها بطريقة استفزازية للغاية. وقد شاهدنا ترامب على مدى الأسابيع الماضية وهو يبتز القيادة السعودية، ويقول لها لولانا لما بقيتم في الحكم لأسبوعبن، ولما استطاعت أن تطير طائرة الملك لولا الحماية الأمريكية. هذه التصريحات ليست عابرة، بل تعبر عن تحول استراتيجي في النظرة الأمريكية إلى ثاب النفط. وقد اتضح الموقف الأمريكي المتحول من السعودية بعد قضية خاشقجي حيث استخدمت واشنطن القضية كأداة ابتزاز وضغط على السعودية لإهانتها وإذلالها، لا بل إن السيناتور الأمريكي الشهير ليندسي غريام وصف ولي العهد السعودي الحاكم الحقيقي للملكة بالصبي المجنون الذي لا نفتخر بصداقته. وهناك الآن تهديدات بفرض عقوبات أمريكية على السعودية كما لو أنها أصبحت في منزلة إيران أو كوريا الشمالية بالنسبة لأمريكا.
وكما أن الانسحاب الأمريكي التدريجي من سوريا أغرى الروس بالهيمنة على الساحة، ها هم السعوديون أنفسهم يهددون أمريكا بمنح قواعد عسكرية للروس في تبوك. وقد جاء التهديد على لسان مدير قناة العربية المقرب من القيادة السعودية، رغم أنه تراجع عن تصريحاته واعتبرها شخصية، مع العلم أنها لم تكن شخصية مطلقاً، بل تعبر عن روح القيادة السعودية التي باتت تتخوف من الحليف الأمريكي.
هل يعقل يا ترى أن أمريكا بدأت تتخلى عن ثوابتها التاريخية في الشرق الأوسط، وخاصة إسرائيل والنفط؟ ألا تتقدم روسيا في المنطقة بينما تتراجع أمريكا؟ أليس الفراغ الذي تتركه أمريكا سيملأه الروس حسب قوانين الطبيعة؟ ألا ترى أمريكا أن الروس بدأوا فعلاً يستفيدون من علاقاتها المتدهورة مع حلفائها الشرق أوسطيين وخاصة السعوديين والخليجيين عموماً؟ هل هو انسحاب أمريكي مدروس؟ هل بدأت أمريكا تنقل اهتمامها باتجاه الصين حيث الخطر الأكبر؟ هل بدأت أمريكا تتخلى عن القيادة السعودية الحالية فقط مع إبقاء اهتمامها بالسعودية كمركز استراتيجي كبير؟ هل هو مجرد تقاسم نفوذ مع الروس، بحيث تبقى حصة أمريكا في الشرق الأوسط محفوظة؟ الجواب في التطورات المتلاحقة.


د. فيصل القاسم

1

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. أيوب

    ترجمة لخطاب اوباما قبل مغادرته البيت الأبيض كلام منتهي الخطورة لمن يعي ويفهم أعزائي الأميركيين وأنا أودّع البيت الأبيض بعد ثمان سنوات من الخدمة في المكتب العام، أودّ أن أتناول قضايا تهم الأمة. كانت بلادنا في اللحظة التي انتخبتموني فيها رئيساً، تقف على مفترق طرق، فأولادنا كانو على خط النار في العراق وأفغانستان، واقتصادنا يعاني من ركود، إذ بلغ عجز الموازنة تريليون دولار، وبلغت نسبة البطالة 8%. ومن خلال مشاريع ناجحة كقانونَيْ التحفيز والوظائف، وجد ملايين الأميركيين فرص عمل، وأعدنا البطالة إلى ما دون 5%، وانخفض سعر البنزين إلى 1,80 للتر، وأصلحنا وول ستريت، وأزحنا ابن لادن عن المشهد، ومنعنا إيران من صنع قنبلة نووية. لكن ثمة أشياء لا بد من الإفصاح عنها في هذه اللحظة. عندما تقلدت منصبي في 2008، كانت قوى الشر مستمرة في محاولاتها النيل من أميركا، وكان عليّ أن أقود سفينتها بين عواصف رعدية لأصل بها إلى شاطىء الأمان. نجحت إدارتي في الخروج من العراق، ولكننا أبقينا على وجود لنا فيه، وجعلناه قسمة بين ميليشيات شيعية تقمع السنّة، وتأخذه بعيداً عن محيطه العربي. ينبغي ألا ننسى أن العهدين القديم والجديد حدّثانا عن خطر العراق اليوم، وعن عقوبة الرب لطغاة ذلك البلد، وقد بدأ سلفي تحريرها، وأكملت المَهَمَّة حتى لا تتكرر جرائم وحشية كالأسر البابلي لليهود. كما عملت إدارتي على تطوير برنامج الطائرات من دون طيار للقضاء على مرتكبي التطرف العنيف في باكستان واليمن والصومال وسوريا، فجرى التخلص من 5000 مسلم إرهابي، كان آخرهم 150 من حركة الشباب الصومالية. هذا البرنامج المتسق مع مذهبنا في شن الحروب الاستباقية ضروري لحماية «المجمع الصناعي-العسكري الأميركي»، وترسيخ ثقافة القوة التي يؤمن بها مجتمعنا. هل وقع ضحايا مدنيون؟ نعم بالآلاف. لقد اضطررنا إلى ذلك، لنضمن تصفية الإرهابيين المستقبليين. لكن أكبر إنجازات إدارتي هي وأد «الربيع العربي»، فأنتم تعلمون أن الثورات التي نشبت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2011 هدّدت أمن صديقتنا، إسرائيل، التي نعدّ بقاءها في ذلك الجزء من العالم مرتبطاً ببقاء هُويّتنا نحن. ولهذا، نظرت أميركا إلى تلك الثورات بصفتها خطراً كامناً لا بد من إجهاضه. وقد نجحنا بالتعاون مع حلفائنا في تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة، وقضينا على المولود الديموقراطي في مصر، ومنعنا السوريين من الحصول على أسلحة توقف القصف الجوي، وسمحنا لحلفائنا الشيعة باستباحة سوريا وإغراقها بالدم، فلا مصلحة لنا من انتصار ثورة تهدد الشعب اليهودي، وتعزز نفوذ الإسلام المتشدد. وفي الختام، قررنا إنهاء الخلاف مع إيران، بعد أن اكتشفنا أنها ليست مسلمة كما كان يُشاع، وأن التعاون معها لكبح الإسلام السني أكثر أهمية من الخلاف حول برنامجها النووي. وبالفعل، نحّينا الخلافات، وركّزنا على المشتركات، واتفقنا على وضع الشعوب العربية تحت التحكم. وكان لا بد أن تصطدم إدارتي، وهي تسعى إلى رسم مشرق جديد، بالحليف السعودي القديم. لقد قدّرنا أن الوقت قد حان لكشف خطورة النسخة الوهابية من الإسلام، والمسؤولة عن التطرف من شبه الجزيرة العربية إلى جنوب شرق آسيا. في الحقيقة، ليست الوهابية وحدها هي المشكلة. لقد تناولت مراراً خطورة العنف الذي تمارسه جماعات شرق أوسطية، وحاولت فصل ذلك عن جوهر الإسلام، ولكن الحقيقة أن الإسلام ذاته هو المشكلة، وأي فرار من ذلك إلى الحديث عن إساءة فهمه لن يقودنا إلى شيء. إن على المسلمين أن يعيدوا النظر في نصوص دينهم، ويجنحوا إلى مصالحتها مع الحداثة، كما فعلت المسيحية قبل قرون. وإلى أن ينفّذ المسلمون هذه المراجعة، فعليهم التأقلم مع الدكتاتوريات التي تحكمهم، إذ هي أفضل خيار للحد من خطرهم الكوني. أعزائي الأميركيين سأخرج من المكتب البيضاوي وقد وضعت أميركا على مفترق طرق آخر، ولكنه مفترق للأمان والسلام. بارككم الرب. بارك الرب أميركا. : هذه هي أمريكا وهذا هو كلبهم ضمن الكلاب التي حكموها ...  ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ...  ) فهل تعلم المسلمون الدرس

  2. Abdou show

    اولا احمد الله على سلامتك سيما بعد ان اشتغل العالم بصاحب المنشار ،بمعنى انه لن يتمكن مستقبلا من مطاردتك وغيرك من الاعلاميين ،لانه في معركة لم يكن يتوقعها او قد اعد لها اللهم الا وسيلة واحدة بدات بالمنشار رغم تلعثم المهلكة فمرة يقولون معركة واخرى اختناق لتنتهي في بئر ،بالمناسبة لماذا يفضل ال سعود اختيار مباني غامضة لممثلياتها الدبلوماسية كقصور ومباني الخوف والظلام وتشتمل على البئر والسرداب ومجاري لا نهاية لها،بالطبع الشهيد خاشقجي عراهم وكشف اسرارهم، فهم لم يكونوا دولة ولن يستطيعوا ان يكونوها ولو حاولوا فيما بقي لهم من وقت ،لانهم مجرد عصابة ابتليت بها الامة العربية والاسلامية....

الجزائر تايمز فيسبوك