مساهل لا يشرفني

IMG_87461-1300x866

وصلني المقطع المصور لوزيرة خارجية النمسا وهي تجتهد للحديث باللغة العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرارا وتكرارا. من جزائريين أرفق كثيرون منهم الفيديو بعبارات من الحسرة والشعور بالهوان، ومن عرب من جنسيات مختلفة يبحثون عن أبطال غير موجودين بين ظهرانيهم.
عندما يتعلق الأمر بمسألتي اللغة والهوية، الجزائر تصبح «حالة» مثالية للدراسة والبحث بسبب المسخ الخطير الذي تعيشه في هذين الأمرين. في نفس السياق الزماني والمكاني، بينما حاولت الوزيرة النمساوية، كارين كنايسل، الحديث بالعربية التي لا ناقة لها فيها ولا جمل، أصرَّ وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل على الحديث بلغة ليست لغته، وليست لغة البلد الذي كان موجوداً فيه، وليست أكثر اللغات انتشاراً في الأمم المتحدة والعالم. بل هي لغة المستعمر الذي ذهب وترك خدَمه من أمثال مساهل.
لو كان مساهل حالة شاذة لهان الموقف وأمكن علاج الأمر. القضية أعمق والمصيبة أخطر وتبدأ من رأس الدولة. قبل مساهل (الذي ألقى كلمته في قاعة شبه مهجورة) بنحو أسبوع زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الجزائر فأحيطت باللغة الفرنسية في لقاءاتها والمؤتمرات الصحافية التي كانت طرفا فيها. كأنها في باريس! لم يحضر بينها وبين مضيفيها الجزائريين مترجم من العربية إلى الألمانية، بل من الألمانية إلى الفرنسية. وقبل زيارة ميركل، عندما كان الرئيس بوتفليقة يصول ويجول بين البلدان والقارات، كان يرافقه مترجمون من الفرنسية إلى لغة البلد الذي يحل فيه! وكان بوتفليقة يتباهى بالحديث بفرنسية تغلفها لكنة الأجنبي المستعمَر، حيثما حل.. لندن، موسكو، فيينا، برلين.. لا فرق، بلا اكتراث وبلا أدنى شعور بالكرامة اللغوية.
تخيلوا إيمانويل ماكرون يزور روسيا أو البرتغال ثم يتحدث لمضيفيه بالألمانية! لا تخطر حتى في الخيال، لأن ماكرون حر متحرر لا يعاني من عقدة لغة وهوية وثقافة وتاريخ. لكنها مع الجزائريين أمر واقع يتكرر بلا انقطاع، لأنهم غارقون في عُقدهم اللغوية والثقافية والتاريخية، ولا يفعلون شيئا للتخلص منها.
وحتى توضع الأشياء في سياقها، ليس وحده بوتفليقة ورجال الحكم من يصرون على استعمال اللغة الفرنسية في عملهم وحياتهم الخاصة والعامة. المجتمع في أغلبه أيضا مريض بعقدة اللغة، بمتعلميه وجهلته، فأصبحت اللغة الفرنسية، وهي في الغالب المطلق مهشَّمة، أفضل وأقرب لقضاء الحوائج من العربية مهما كان مستوى مستعملها.
تتزامن واقعة مساهل التي لا تُشرِّف أي جزائري متوازن، وهي ليست الأولى من هذا الرجل، مع صدور مذكرات السفير الفرنسي السابق بالجزائر، برنار باجولي، الذي من بين ما قال فيها، أن الرئيس جاك شيراك حذره بوضوح وبشدة عشية سفره لاستلام مهامه: «لا تخاطب الجزائريين باللغة العربية. إنهم فرانكوفيليون!». لم تكن وصية شيراك سياسية أو اقتصادية أو أمنية كما يؤمل من رئيس لسفيره الجديد في دولة توصف بالهامة ولبلاده. بل وصية ثقافية لغوية لسفير ملمٌّ بالعربية بحكم ثقافته وعمله الأمني والدبلوماسي. شيراك أوصى من موقف العارف بعُقد النخبة السياسية الجزائرية، من الرئيس (بوتفليقة) نزولا إلى أفشل وزير.
رغم كل هذا، ولسوء حظ فرنسا ولغتها وورثتها وأذنابها في الجزائر، الجزائر ليست فرنكوفونية، وقد فاتها الأوان لأن تكون. والذين يروجون إلى أن الجزائريين مفرنسون، إما جاهلون بالواقع أو مكابرون يعيشون حالة إنكار ترفض تقبل أن الأجيال الجديدة في الجزائر لا تعرف الفرنسية (ولا أي لغة أخرى مع الأسف) ولا تكن أيّ مشاعر خاصة لهذه اللغة الملغومة (وحدها الشعوب التي استعمرتها فرنسا تعاني من اضطرابات لغوية وثقافية وتعيش أزمات هوية).
ومع ذلك، مستقبل اللغة الفرنسية في الجزائر ـ كما في العالم ـ إلى زوال. إنها حتمية تاريخية ومسألة وقت لا غير. سنوات، وربما عقود، معدودة وتبدأ فرنسا تلقي العزاء في موت لغتها في أكثر مستعمراتها خرابا ثقافيا واضطرابا ذهنيا، الجزائر.
لكن النخب المسخ المتحكمة في القرار السياسي والثقافي والإداري ترفض الإقرار بالأمر الواقع، وتصر على منع قطار اللغة من التحرك إلى الأمام حتى لو كانت النتيجة أجيالا هجينة لا تتقن أيّ لغة.. عليَّ وعلى أعدائي. هذا أرحم عند مَن يحنون إلى فرنسا ولغتها في الجزائر، من اندثار الفرنسية.
المستقبل في العالم للغات أخرى، وفي الجزائر للإنجليزية. لن أكشف سراً إن قلت إن الأمريكيين والبريطانيين يعملون بهدوء وثقة على نشر لغتهم وثقافتهم في العمق الجزائري، في العاصمة وبعيدا جدا عنها. بينما تبقى الفرنسية لغة محافل ضيقة ومنغلقة في العاصمة ومدينتين أو ثلاث أخرى في اقصى شمال البلاد. وبحوزتي معلومات عن أن الأمريكيين لا يقلون نشاطا، ثقافيا ولغويا، عن المركز الثقافي الفرنسي، وأن ثقتهم تكبر وتتعزز بعد أن فهموا العقلية الجزائرية وعثروا على أدوات مخاطبتها.

 

توفيق رباحي القدس

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. متتبع

    فعلا امثال مساهل وليد عباس اويحيى والمجموعة انما فرقة مهرجة وعصابة مجرمة امية لا يهمها السياسة ولا الديبلوماسية ولا الاتيكيت ولا اي شيء حياتهم تدور في حظيرة كل واحد يلغا بلغاه فقط والشعب يستاهل لانه لم يستطع حتى التنديد بما يقع راض بالعيشة المكرفسة الحاصيل الله يهديهم

  2. داموح: جمهورية القبايل المستقلة

    عبد القادر مساهل الحركي الفرنسي الجنسية يدين بالولاء لفرنسا ويرعى قدر الإمكان مصالح أمه فرنسا في الجزائر .ولذلك لن يستطيع الخروج عن الأوامر والخطوط المرسومة له من طرف أمه فرنسا الإستعمارية  ( فالشعب الجزائري لن ينتظر من الذئب عبد القادر مساهل ولو طوماطيشه حمراء . وكما هو معلوم أن المصالح الإستعمارية ليس في مصلحتها التقارب والتعاون والتكامل والإتحاد ما بين الشعبين المغربي والجزائري . لماذا؟؟؟؟؟؟ لأن الجزائر لا زالت تعتبر أرضا فرنسية وبموجب دستور 1958 سكانها فرنسيون وما الإستقلال الذي به يتشدقون إلا مجرد خرافة إكرامية ظرفية لا غير وإن خرجت من الباب بعدما دخلت منه  (على إثر الديون الجزائرية التى لم يتم تسديدها منذ عهد الملك شارلي الى اليوم والتي بسببها ضرب الداي القنصل الفرنسي نظرا لتقاعس وعدم قدرة فرنسا لتسديد الديون الجزائرية التي اشترت بها فرنسا القمح من ايطاليا في سنوات المجاعة والقحط الفرنسي  ). و عليه ستعود فرنسا يوما من النافذة لإحتلال الجزائر ومن مصلحتها التفرقة والتشتيت قدر الإمكان بين شعوب المغرب العربي الضعيفة والتي ستشكل خطرا على الدول الاستعمارية على المدى البعيد إن هي صفت خلافاتها الحدودية فيما بينها وتكتلت واتحدت اقتصاديا في ما يعرف بإتحاد المغرب العربي . 2 ) السؤال الذي يغيب عن أذهان الجزائريين : لماذا وكيف تم تعيين رأس المحنة عبد القادر مساهل هذا الحركي الفرنسي وزير عرقلة الشؤون المغاربية ووزير عرقلة الاتحاد الافريقي ووزير تشتيت جامعة الدول العربية ؟؟؟؟؟؟؟؟ الجواب في راسكم يامن يعشش في رؤوسهم مخ من البطاطا الفاسدة .. والجزائريون الذين ينادون بإبقاء حدود سجنهم الكبير مغلقة ليس لهم علم بأرصدة عبد القادر مساهل الحركي الفرنسي الجنسية في أبناك سويسرا وتركيا وفي فرنسا ودبي وأملاكه وأملاك عائلته في فرنسا . إنهم يضحكون عليكم أيها الجزائريون .

الجزائر تايمز فيسبوك