لماذا تُهان المؤسسة التشريعية في الجزائر؟

IMG_87461-1300x866

المطلوب من رئيس المجلس الشعبي الوطني في الجزائر (الغرفة السفلى) أن يستقيل هذه الأيام، بعد أن تمكن نواب أحزاب الموالاة، وعلى رأسهم حزب جبهة التحرير، الذي ينتمي إليه رئيس المجلس سعيد بوحجة من جمع عدد كبير من التوقيعات تهدده بالإقالة أو شل الحياة البرلمانية، في تعارض صريح مع القوانين التي تنظم هذا المنصب السيادي الثالث في هرم السلطة بعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا).
بالطبع، وكما هو معروف عن واقع الحال السياسي، لا يمكن لهذا العدد الكبير من أحزاب الموالاة التي تضم زيادة على جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وحزب تاج والحركة الشعبية، وكتلة الأحرار، أن يقوموا بهذه المبادرة من تلقاء أنفسهم، فهم في الواقع يُلبون طلبا عبّر عنه صاحب القرار السياسي في رئاسة الجمهورية، الذي رأى لأسباب تخصه أن وقت رحيل رئيس المجلس الوطني قد حان، بعد مرور مدة قصيرة من انتخابه على رأس هذا المنصب (أبريل 2017) الذي عاد إلى شخصية من شرق البلاد، في عرف تقسيم مواقع السلطة التي تميل بشكل مستفز لصالح أبناء منطقة الغرب، التي يمثلها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة، وعدد كبيرا جدا من المسؤولين داخل مواقع السلطة التنفيذية والمواقع الحساسة الأخرى. ما يعني أن رئيس المجلس الذي سيعوض بوحجة سيكون بالضرورة من شرق البلاد، حتى لا يختل التوازن الجهوي أكثر، وهو المختل أصلا.
العارف بتفاصيل الحياة السياسية في الجزائر يدرك أن ما اشيع من أسباب النزاع الذي تعيشه أروقة المجلس الوطني، كإقالة الأمين العام، أسباب واهية ولا تمت للحقيقة بأي صلة. فالسائد هنا كذلك أن رئيس المجلس المنتخب يملك صلاحيات واسعة في تعيين مساعديه والشلة التي يشتغل معها طول مدة بقائه على رأس هذه المؤسسة السيادية. وبالتالي لا بد من البحث عن الأسباب الحقيقة لهذه الإقالة في جهة أخرى، وليس في الصراع الإداري بين الأمين العام ورئيس المجلس.
السرعة التي تمت بها عملية جمع التوقيعات خلال عطلة الأسبوع والعدد الكبير للنواب المطالب برحيل المجلس، يدل بوضوح على أن الأوامر كانت صارمة وغير قابلة للنقاش، وان على رئيس المجلس الشعبي أن يرحل بسرعة من موقعه وهو ما قد يحصل بحر هذا الأسبوع.
كل المؤشرات تقول إن ما يحصل في هذه القضية له علاقة بالمقبل من استحقاقات سياسية وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد ستة أشهر من الآن (ابريل 2019) مهما كان السيناريو المعد لها، خاصة في حالة سيناريو عدم قدرة الرئيس الحالي بوتفليقة على الترشح لعهدة خامسة. الطلب من رئيس المجلس الشعبي الوطني الرحيل من منصبه بهذه الطريقة الفجة، يعني أن الجماعة على عجل من أمرها لترتيب المشهد السياسي الذي سيدخلون به انتخابات الربيع المقبل الرئاسية. مشهد يجب أن لا يحتوي على أي عنصر مفاجئة أو غموض في ولاء المسؤولين، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمواقع السياسية الأولى. بكل الهشاشة التي تعرفها. نتيجة الحالة الصحية للرئيس، ولكثير من المحيطين به، بعد أن تأكد مرض رئيس مجلس الأمة الذي يفترض دستوريا أن يعوض الرئيس في حالة أي فراغ للسلطة. ليأتي بعده رئيس المجلس الوطني المطلوب منه التنحية تحت التهديد بشل الحياة البرلمانية أو البهدلة علنا بسحب الثقة منه.
لنكون أمام مشهد سياسي ببهارات غير معتادة هذه المرة بمناسبة هذه الانتخابات الرئاسية، بكل ما يكتنفها من غموض وعدم وضوح للسيناريوهات المحتملة لفترة ما بعد بوتفليقة، الذي تربع عشرين سنة على كرسي السلطة. تبقى إذن هذه الانتخابات مهمة وقد تتحول فعلا إلى محطة للصراع، خاصة في حالة عدم قدرة بوتفليقة على الترشح، لنكون بالتالي أمام مرشح آخر مقترح من مراكز القرار المسيطرة حاليا نفسها، بدون إجماع أو توافق، سيكون في حاجة إلى وضع كل الضمانات لصالحه، من بينها بالطبع وضع رجال مخلصين له في مواقع السلطة الرئيسية، كما هو حال رئاسة المجلس الوطني التشريعي. لنكون أمام تفسير مقنع للطريقة السريعة والمباغتة التي يتم بها إبعاد رئيس المجلس الوطني من منصبه. فقد حصلت كل الترتيبات أثناء عطلة الأسبوع، تماما كما كانت تفعل المخابرات عندما تختطف أحد المطلوبين عندها. فقد عودتنا الحياة السياسية في الجزائر تاريخيا على أن الهيئة التشريعية ورئيسها المنتخب هي «خضرة فوق عشاء»، كما يقول المثل الشعبي، أي بدون قيمة سياسية على أرض الواقع. يمكن أن يتم التخلص منه بسهولة في نظام سياسي السلطة الفعلية فيه للجهاز التنفيذي ومن يمثلونه من قوة سياسية وراء الستار.
فقد تم التخلص بسهولة من فرحات عباس كأول رئيس للمجلس التشريعي بُعيد الاستقلال، بعد أن احتج على الطريقة التي وضع فيها أول دستور للجزائر، وبداية ظهور علامات تغول السلطة التنفيذية والجيش على زمام الأمور. رابح بيطاط الوجه التاريخي الذي احتل موقع رئيس المجلس بعد العودة إلى المسار الانتخابي اثناء فترة حكم الرئيس بومدين، تم دفعه إلى الاستقالة في بداية التسعينيات هو الآخر، بعد احتدام الصراع بين مراكز القرار الفاعلة في بداية التسعينيات، الوضع نفسه تكرر مع عبد العزيز بلخادم الذي خلفه على رأس المجلس، ولم يكن يعلم حتى أن المجلس الذي يرأسه قد حل. وهو السيناريو نفسه الذي كان حاضر في بداية الألفية الماضية عندما «استقال» كريم يونس رئيس المجلس الوطني بعد أن فهم أن الرئيس بوتفليقة لم يعد قابلا ببقائه على رأس السلطة التشريعية، وهو الذي كان من مؤيدي منافسه على الرئاسة علي بن فليس، ما يؤكد أن سيناريو استقلالية السلطة التشريعية كمركز قرار غير واردة أصلا حتى في ظل سيطرة الحزب والعائلة السياسية نفسيهما، فما بالك عندما يتعلق الأمر بحزب معارض.
ما يحصل هذه الأيام مع سعيد بوحجة رئيس المجلس الشعبي الوطني اذن هو فصل من فصول المسلسل السياسي في إهانة السلطة التشريعية ومن يمثلها داخل نظام سياسي لم يقبل يوما بوجود سلطة تشريعية مستقلة، حتى لو عمل شكليا على تنظيمات انتخابات «تعددية» بحضور أحزاب وملاحظين أجانب لبناء ديكور سياسي موجه لتلهية بعض النخب وجزء من المحيط الدولي المغفل الذي مازال يصر على احترام الشكليات داخل هذه الأنظمة السياسية التي تأبى الإصلاح.

 

ناصر جابي

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. عزام

    إن هذه المؤسسات التشريعية هي تشرع قوانين وضعية تخالف شرع الله الذي لم يعجب الكفار والملحدين والمنافقين فيحرمون ما أحل الله ويبحون ما حرمه. قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً{59} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً{60} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً{61} فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً{62} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً{63} وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً{64} فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً{65} النساء

  2. السعيد

    قال الله تبارك وتعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة 44 أي: ـ  (إن الحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، فالذين يبدلون حكم الله الذي أنزله في كتابه, فيكتمونه ويجحدونه ويحكمون بغيره معتقدين حله وجوازه فأولئك هم الكافرون.

  3. هل هناك في مكان ما أو في زمن ما نظام الدكتاتوري يعرف التشريع ؟ في الجزائر ، الزعيم يجيء به العسكر وهو يقوم باستخدام القوة العسكرية للهيمنة والبقاء. في هذا الشكل من الحكم لا يتمتع مواطنو البلد بسلطة التشريع، فهُم فاقدون لكل الحريات المدنية. الانفراد والتعسف، إلغاء أو تخفيف الروابط القانونية للسلطة السياسية، العدوانية والاندفاع في صنع القرار وتوظيف أساليب الاستبداد للسيطرة السياسية والاجتماعية. تلكم هي ملامح النظام الدكتاتوري الذي يُنَصب ويُقيل على مزاجه.

  4. Ghz

    قد آن الأوان للمغاربة الملحقين بالكيان الهجين الذي باضه المستعمر أن ياخذوابزمام الأمور والإلتحاق ببلدهم ودولتهم الأصل المملكة الشريفة هذاهو الحل النهائي لمأسات الإخوة في جزائر الأوهام والمليونين شهيد والمليونين كلمترمربع المنهوبة والمغتصبة إنه عاروخزي على أحرار تندوف وبشار والقنادسة المغاربة الأشاوس أن يقبلوا بالبقاء تحت أحدية عسكر نظام الكوليرا والكوكئين عوض الإلتحاق بدولتهم الشريفة وهم الشرفاء أبناء الشرفاء.تندوف أكادير عبرالطريق السيار إنشاء الله.وللحديث بقية.

الجزائر تايمز فيسبوك