سيناريوهان وقراءتان لمصير بوتفليقة السياسي

IMG_87461-1300x866

أدّى سفر الرّئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى سويسرا والذي دام خمسة أيام بغرض إجراء فحوصات طبية ضرورية حسب ما صرحت به مصادر رسمية جزائرية ؛ إلى زيادة حدّة الجدل حول وضعه الصّحي ومدى وجاهة هذه الأخبار في كونها مجرد فحوص وليست رحلة علاجية قد تأخذ وقتا أطول، ومن ثمّ انعكاس ذلك على قدرة الرّئيس على مواصلة مشواره السياسي.
و قد أثار قيام بوتفليقة بإقالة بعض المسؤولين العسكريين والأمنيين وإحالة بعضهم على التقاعد وتحويل آخرين بداية من يونيو الماضي إلى عشية مغادرته الجزائر نحو سويسرا ؛ جملة من التّساؤلات حول المغزى من هذه الحركة وعلاقتها بمسألة استمراره في الحكم خاصّة ونحن على مقربة من رئاسيات 2019.

محدّدات مستقبل بوتفليقة السّياسي

ينبغي أن نفهم أمرا مبدئيا وجوهريا مهمّا وهو أنّه لولا وضعية بوتفليقة الصّحية المعقدة والتي تصل به أحيانا إلى مراحل حرجة ومتقدمة من حيث الخطورة ؛ لتمكّن من الاستمرار في الحكم بأريحيّة تامّة ومن دون منغصات، كما أنّ مسألة بقائه في السّلطة لم تكن لتثير أدنى شكٍّ حولها، رغم ما تقرّه المادّة الدّستورية الجامدة في التّعديل الأخير والتي جاءت في سياق بحث السّلطة عن مخارج سياسية لمأزق تداعيات ثورات الربيع العربي على الجزائر، وتصرّح هذه المادة أنّ رئيس الجمهورية يتولّى منصبه لولاية قابلة للتّجديد لمرة واحدة فقط، فمن النّاحية العملية يكون بوتفليقة قد تمكّن قبلها من إدخال تعديلات دستورية على مواد الهوية الوطنية رغم كونها جامدة أيضا؛ ويتعلق الأمر بإدراج الأمازيغية لغةً وطنيةً في تعديل 2002 الدستوري وكلغة رسمية في تعديل 2016.
سيكولوجية بوتفليقة المعقدة والحسّاسة تجعله يتمسّك بكاريزمية رجل الدّولة الذي تمكنه استعداداته النّفسية من البقاء في السّلطة والوفاة على كرسي الحكم ؛ على غرار ما حدث مع زعماء رحلوا في الماضي أبوا أن يكون غيرهم في الحكم وهم على قيد الحياة، واشترطوا إقامة جنازة رسميّة لهم يخلدها التاريخ ، تماما كما حدث مع لينين وماو تسي تونغ وأتاتورك وتيتو وجمال عبد الناصر وبومدين وغيرهم.
يحاول بوتفليقة جاهدا من خلال إصراره على البقاء في الحكم تفادي تداعيات ما بعد انسحابه من السّلطة وفقدانه لامتيازاتها، فإنّ أمراً كهذا قد يؤدّي إلى التأثير على سمعته هو وعائلته ويجرّ عليه دعاوى قضائية وضجّة إعلامية ولغطا شعبيا على إثر فتح ملفات فساد ظهرت خلال فترة حكمه أسالت في وقتها الكثير من الحبر وتداولتها أروقة المحاكم وأصبحت قضايا رأي عام لكنّها رغم ذلك لم تطاوله نظرا للحصانة الحديدية وغير العادية التي يتمتع بها.
وحسب مضمون المادة 102 من الدّستور والمتعلّقة باستحالة ممارسة رئيس الجمهورية لمهامه فإنّ المجلس الدّستوري وحده هو من بيده إثبات المانع من ذلك في حال المرض الخطير أو المزمن، وفي وضع بوتفليقة الصّحي ظلّ المجلس الدّستوري منذ بداية تدهوره وفيّا لموقفه الصّامت في الإيحاء أنّ حالة الرّئيس لا تنطبق عليها أحكام المادة المذكورة، وإذا ما علمنا أنّ رئيس الجمهورية هو من يعيّن رئيس المجلس ونائبه لن يصعب علينا كثيرا فهم الانسجام بين رغبة بوتفليقة في البقاء في الحكم وتجاوب المجلس الدّسـتوري مـعها.
إنّ ترشح بوتفليقة مرهون بمدى رغبته وقدرته الفعلية على مزاولة السّلطة ؛ الأمر الذي يخلق سيناريوهين محتملين لمصيره السّياسي، إمّا أنّه فعليا في قدرة وصحة تؤهله لإكمال المسيرة وبالتالي التّرشح للانتخابات المقبلة، وإمّا أنّ مقدرته على الاستمرار غير كافية لذلك ممّا يجعل رغبته في اعتزال الحكم أكثر ورودا.
و تعطي الأحداث الأخيرة قراءة مزدوجة لمصير بوتفليقة السّياسي، لا يمكن تفكيك شيفرتها إلاّ بعد توضّح الرّؤية بخصوص وضعيته الصّحية ومدى قدرته على التّوجه نحو شعبه لإبداء رغبته في التّرشح من عدمها، وهذا ما سيتبيّن مع ما ستسفر عنه رحلته العلاجية ومدى سرعة تعـافيه وتماثله للشـّفاء.

سيناريو الإنسحاب والنّهاية

يتزامن هذا الاحتمال مع تفاقم الأزمة الصّحية للرّئيس حيث أنّه سيبدو مع اقتراب موعد الانتخابات في وضع جدّ حرج يتطابق مع تفسير المجلس الدّستوري للمادة 102 من الدّستور، فيجتمع المجلس لمباشرة إجراءات العزل المنصوص عليها في المادة، ويكون هذا الإجراء متزامنا مع الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، ومن شأن هذا المخرج أن يجعل مسألة انتقال السّلطة يبدو عاديا وخاليا من كلّ ما يجعلها طارئا أو استثنائيا، طالما أنّ الانتخابات ستجري في وقتها المحدّد لها فإنّ عزل الرّئيس سيبدو وكأنّه بالأحرى نهاية طبيعية لولايته وأنّ بوتفليقة فضّل تسليم المشعل لشخصية أخرى تحكم الجزائر، وهنا يكون النّظام الجزائري قد حافظ على استمراريته دون التّعرض لإكراهات فترة انتقالية يفرضها انسحاب الرّئيس في منتصف ولايته، والتي من شأنها إضعاف بنيته والتأثير على توازناته.
من جهة أخرى يكون بمقدور بوتفليقة الخروج الآمن والمشرّف ؛ من الباب الواسع دون أن يؤدّي ذلك إلى تأليب الرّأي العام حوله، بل على العكس، فإعلان مرض الرّئيس المفضي إلى عزله سيثير وقتها موجة شعبية عارمة من التّعاطف والوفاء والالتفاف حول رمز من رموز الجزائر قدّم خدمات جليلة للدّولة الجزائرية في أكثر الأوقات حرجا وتعقيدا من تاريخها، وسيَخلُد بعدها بوتفليقة للرّاحة والعلاج بقيّة عمره، وستخرج حياته الشّخصية من دائرة الأضواء وتصبح محاطة بالغموض كما حدث مع الرّؤساء السابقين الشاذلي بن جديد وعلي كافي واليامين زروال.
و على ضوء هذا السّيناريو تأتي قراءة الأحداث الأخيرة لتعطي تفسيرا لما قام به بوتفليقة من حركة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية يستند إلى التّحضير للمرحلة التي تلي انسحابه على إثر تفاهمات بين أركان النّظام الجزائري المدنية والعسكرية تكون قد أسفرت عن هذه الحركة بحيث تنسجم مع المرحلة المقبلة وتؤدّي إلى تأمين مسارها وتوفير الحماية اللاّزمة لمخرجاتها، فتأتي في شكل إعادة تموقع لرجالات جدد داخل المنظومة السّلطوية التي قامت قيادات عسكرية داخلها – بعضها رحل وتقاعد أغلبها – بالتفاوض مع بوتفليقة سنة 1999 لحكم الجزائر في إطار عملية تسوية كان الغرض منها تمدين النّظام السّياسي الجزائري ونزع صفة العسكرية عنه، ويكون ذهاب بوتفليقة للعلاج بداية لعملية تنحّيه عن السّلطة وخروجه من الحكم.

سيناريو البقاء والاستمرارية

يتعلّق هذا الاحتمال بوجود رغبة جامحة عند بوتفليقة في الاستمرار في الحكم، ومن ثمّ فإنّ وضعيته الصّحية الفعلية في حدّها الأدنى الذي ظهر به خلال ولايته الحالية ستؤهله لأن يترشح من جديد، أو بالأحرى لأن يتقدم لولاية أولى حسب ما يقتضيه دستور 2016 الجديد والذي يتيح له التّرشح لأخرى لن يكون بوسعه الاستمرار بعدها في الحكم حسب نصّ الدّستور.
و بناء على هذا السّيناريو فإنّ ذهاب بوتفليقة للعلاج سيكون بمثابة استراحة محارب بعد ولاية قضاها في صراع من أجل إثبات قدرته على مزاولة الحكم وإدارة دواليبه على الرغم من اختفائه عن الأنظار وعدم ظهوره إلاّ نزرا، وكذا التقاطه للأنفاس واستعادةٍ لعافيته من أجل خوض معركة التّرشح لرئاسيات أبريل 2019، وسيكون هذا السّيناريو مشابها لما حدث قبيل ترشّحه لولايته الحالية في يوليو 2013 حين استسلم لرحلة استشفائية – استجمامية في مستشفى فال دو غراس العسكري في العاصمة الفرنسية باريس دامت أكثر من ثمانين يوما خضع خلالها لإعادة تأهيل مكّنته من استعادة جزء من قواه كان في حاجة إليه كي يتقدم للترشح لولاية رابعة.
أمّا تفسير حركة التّغييرات التّي مست الأجهزة الأمنية والعسكرية في ضوء رغبة بوتفليقة في الاستمرار فتأتي في سياق توطيد أركان حكمه وتدعيم ركائزه من خلال وضع قادة جدد للنّواحي العسكرية وعلى رأس أجهزة الجيش والمصالح الأمنية، ومن جانب آخر يمكن قراءة ذلك على أساس حالة الشّك التي تسود منظومة الحكم من إمكانية تعاظم نفوذ الجنرالات المحالين والمحوّلين مؤخرا، وتزايد سلطتهم بما يؤدي لإضعاف حكم بوتفليقة مع نهاية ولايته الحالية وبداية أخرى جديدة يحتاج لأن يبدو فيها أكثر صلابة وأشدّ قوّة ومقدرة على تغيير الأدوار وتدوير المناصب السياسية والعسكرية.
طريقة تعاطي الإعلام المحلي والأجنبي مع الوضع الصّحي لبوتفليقة ومدى إتاحة محيطه للمعلومات حول نتائج الفحوصات الطّبية بما لا يدع مجالا لتعدد التّحليلات والتأويلات ؛ سيمثّل أولى محدّدات السّيناريو الذي سيكون عليه المستقبل السّياسي لبوتفليقة، وسيشكّل معالم إرهاصات المرحلة المقبلة.

 

فريد بغداد

اضف تعليق


تعليقات الزوار

  1. جزائري زعفان

    منذ توليه الحكم بالجزائر الى اليوم كان و ما زال بوتفليقة مجرد صورة و كادر لتغطية النظام الحقيقي " العسكر "

  2. طلحة

    لا تكذبوا على الأموات ولا تنقلوا الأقوال عن أي كذاب دجال من الشيتين الشياطين الذين باعوا دينهم بدينارين ( إن بوتف اليهودي السكران عدو القرآن مات من زمان ) ولا تخدعنا هذه العصابة النهابة المجرمة بصوره القديمة

  3. عبد القادر

    إن مصير هذا اليهودي شراب الخمر وكال الحلوف الذي حارب هذا الدين معروف ـإنه الجحيم بإذن الله العليم ولا ينفعه الشياتون والطبالون عملاء بني صهيون

  4. برهوم

    مصير هذا الزعيم اليهودي اللئيم بإذن الله الجحيم لهذا الصهيوني الشاذ السكران كانت حربه على القرآن https://www.youtube.com/watch?v=O7IY9ZBjznQ

  5. الحقيقة وباختصار بوتفليقة والجنرالات جعلوا الجزاءر البترولية المريضة الموبوءة أضحوكة للعالم

الجزائر تايمز فيسبوك